الشيعة العرب بعد 40 عاماً إيرانيّاً: الصورة المشبوهة


جهاد الزين
النهار
17052018

مضى حوالي أربعين عاماً على بدء أكبر عملية إعادة تشكيل وتنظيم للشيعة خارج إيران في العصور الحديثة. المركز الذي يقوم بهذه العملية المتواصلة هو طبعا في إيران منذ قيام نظام رجال الدين عام 1979 بقيادة الإمام الخميني. تطال هذه العملية بطبيعة الحال جميع البيئات الشيعية في العالم إلا أن مساحة فعاليتها الكبرى والأهم والأخطر هي الإطار الشيعي العربي، ومعظم هذا الإطار، منظوراً إليه من معيار “الدولة الوطنية”، يتشكّل من أقليات متفاوتة الأحجام باستثناء العراق حيث انتقل الشيعة من أقلية سياسية إلى أكثرية سياسية مبنية على أكثريتهم الديموغرافية الواقعية في مسار طويل ومعقّد ساهمت في بلورته وبالتالي تكريسه ليس فقط إيران بل الولايات المتحدة الأميركية أيضا.

في النتيجة كيف تبدو صورة الشيعة العرب اليوم بعدما سيطرت الدولة الإيرانية سياسيا على هذه البيئات الشيعية العربية؟

أعني بالسيطرة ليس عدم وجود معارضين أفراد كُثر من الشيعة العرب للأيديولوجيا الهويّاتية الإيرانية، فهؤلاء منهم كثيرون جدا لا يقبلون إلى اليوم بتعريفهم على أساس هويتهم المذهبية الشيعية، مثلهم مثل عشرات ومئات ألوف النخب السنية العربية وغيرها التي ترفض وتصر على رفض تحديدها السياسي بهويتها المذهبية بل حتى الدينية في سعيها لمواجهة تحديات العالم المعاصر. ما أعنيه هو نجاح المركز الإيراني في التحكم بوجهة الفعل السياسي لهذه الجماعات الشيعية عبر كون التنظيمات الموالية له هي الوحيدة الفاعلة في هذه البيئات في ظل بهتان بل تلاشي “القوى” الأخرى. وتكفي مراقبة مسار المشهد الشيعي من كل من الانتخابات اللبنانية والعراقية الأخيرة لتقدِّم صورة جديدة كئيبة بل محزنة عن التلاشي العميق للتنوعات الأخرى، ليس بسبب عدم وجودها، أكرر، إنما بسبب ضعفها بل بفعل الهشاشة والعجز اللذين بلغتهما بنتيجة مسار من التركيز الإيراني الهائل الأمني والسياسي والأيديولوجي الذي يمنع بشكل منهجي تبلور معارضة أو معارضات ذات قيمة. هذا من جهة، وبسبب انكشاف الترهل الذاتي للتيارات المعارضة التقليدية منها والحديثة من جهة أخرى… وهو ضعف، لا بد من الإشارة هنا، أنه يتفاقم مع سيطرة الصراع المذهبي على الخارطة الجيوبوليتيكية في المنطقة العربية الذي لعبت وتلعب فيه التيارات الأصولية السنية والشيعية الدور المحرِّض والأساسي.

لكن الانتخابات في لبنان والعراق هي الجزء “الألطف” من الصورة الشيعية العربية لأنها بالنتيجة جزء من ديناميكيات سياسية في كيانات مضطربة وتشعر أنها مهددة بوجودها بعد عقود طويلة من عدم النجاح في بناء دول متماسكة وناجحة في وظائفها الأولية… داخل منطقة غير مستقرة هي الشرق الأوسط بل تعيش تحت وطأة الحروب الصغيرة والكبيرة المختلفة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 والنكبة الفلسطينية التي أدّى إليها هذا التأسيس والتي حلّت هذا الأسبوع ذكراها السبعون وسط استعراض دموي للقوة العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين.

الجزء الآخر الرهيب من الصورة الشيعية العربية هو في الثمن الذي بات يدفعه الشيعة العرب نتيجة الطموحات الإيرانية في العالم والمحيط وداخل بلدانهم.

فالشيعة العرب، أفراداً وجماعاتٍ، وبسبب هذه الطموحات، يتحمّلون أعباء حياتيةً وسياسيةً باتت تجعلهم “عناصر مشبوهة” في كل بيئة غير شيعية يتواجدون فيها. صورة الشيعي العربي اليوم هو أنه “يهودي” المنطقة بكل ما تعنيه الكلمة. مشبوه من حكومات ودول ومؤسسات وأفراد حيثما كان. (ومن البديهي التوضيح أنني إذْ أتكلم عن اليهودية ففي سياق محدد هو صورتها في الثقافة السياسية الشعبية العربية بعد تأسيس إسرائيل ولا يعني ذلك أي موقف عنصري منها طبعاً كدين يهودي وجماعات يهودية كان وجودها في المدن الإسلامية تاريخيّا أحد أكبر عناصر غنى تلك المدن وتنوعها الحضاري. هذا العنصر الذي تلاشى تدريجيا في السبعين عاما الأخيرة).

أرجو أن يُفهم ما أقوله في سياقه الدقيق. فمن حسن الحظ أن عشرات ألوف الشيعة يعملون في الخليج في ظل سياسة عقلانية متواصلة لا تميزهم سلبا عن غيرهم رغم الضغط الأمني الذي تعانيه هذه الدول من صراعاتها مع إيران أو مجددا مع التيارات السلفية المتطرفة، وهذه كلمة إنصاف يجب أن تقال. كذلك مئات الآلاف في الغرب وإفريقيا والعالم يواصلون حياتهم الطبيعية ولا يمكن اعتبار مشاكلهم مختلفة عن غيرهم من العرب. فالعالم الحديث بالنتيجة، هو عالم عقلاني يمنح الفرص والجنسيات ومعها الحياة المتساوية للكثير الكثير من العرب والمسلمين بل يمنح النخب الشبابية فرص التعبير عن تفوِّقها بما لا تحصل عليه في بلدانها. ولكني أتحدث هنا عن حالة لم تعد مفصولة عن الطموحات الإيرانية في المنطقة تؤدي إلى نظرة “تهويد” للشيعة العرب من حيث وجود “ثقافة” اشتباه عامة بهم بسبب هذه الطموحات.

بات الثمن كبيراً بعد هذه العقود من انطلاق أكبر مشروع إعادة تنظيم الشيعة العرب من المركز الإيراني لا مثيل له منذ العهد الصفوي.

كل ما سبق من تذمّر، بل إدانة صريحة وواضحة لأكلاف السياسة الإيرانية، لا يمنعني من التذكير بأنني واحدٌ من مئات المراقبين والمحللين في العالم بمن فيهم الكثيرون في أميركا نفسها الذين أيدوا الاتفاق النووي الأميركي الإيراني (الأوروبي الروسي الصيني) باعتباره يفتح المجال على المدى الأبعد لتغيير عميق في السياسة الإيرانية نحو التفاعل الإيجابي مع العالم والمحيط في رهان على أن الاتفاقات الكبرى من هذا النوع لا تغيّر الاستراتيجيات فقط بل تغيّر أيضا الدول والأنظمة نفسها. هذا ما ثبُت أنه حصل بعد اتفاقيات الحد من التسلح المختلفة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في السبعينات ثم الثمانينات من القرن العشرين وهذا ما حصل بعد الاتفاق الأميركي الصيني في سبعينات ذلك القرن الذي لم ينهِ حرب فيتنام فقط بل غيّر الصين نفسها.

لا أشك شخصيا أن الاتفاق النووي الأميركي الإيراني، الذي انسحب منه الرئيس دونالد ترامب مع الأسف، عنى استسلام المشروع النووي الإيراني أي إنهاء النظام الديني الإيراني له. بكلام آخر استسلمت إيران على هذا الصعيد مقابل إعادة دمجها في الاقتصاد العالمي الذي بات، هذا الدمج، ضرورةً حياتية واقتصادية لإيران لم يعد بإمكان النظام تجاوزها تحت ضغط تطلعات ملايين الشباب والنساء في المدن الايرانية، وهي تطلعات علمانية وتريد علاقات شاملة وغير أيديولوجية مع العالم.

نرجو أن لا تضيع هذه الفرصة لأنها أيضا كانت ستساهم أيضاً في تخفيف ضغط الطموحات الإيرانية وسياساتها المزعزعة للاستقرار على معظم الشيعة العرب الذين آن الأوان لكي يتخفّفوا من الأحمال الثقيلة التي فرضتها عليهم هذه الطموحات، وآن الأوان في الوقت نفسه لـ”ترحمهم” السياسات الإيرانية.

بقناعتي العميقة أن الذي لا يريد الاتفاق النووي هو الذي لا يريد تغيير إيران و”تحرير” ملايين كثيرة من أجيالها الجديدة من وطأة استنفار أيديولوجي وسياسي وأمني واقتصادي وحياتي آن أوان تغييره، وإحدى نتائجه “تحرير” الشيعة العرب من أكلاف باهظة يدفعونها عنه وعن طموحاته، البعض إراديا والأكثرية قسرا. لم يكن الاتفاق النووي قرار “الإصلاحيين” وحدهم في النظام الإيراني. كان قرار الراديكاليين الذين اضطُروا استراتيجياً لقبوله بل لاختياره وما كان له أن يُوقَّع لولا هؤلاء. إذن كان قرار النظام ككل لا قرار جناح فيه.

في الخلاصة فإن الانسحاب من الاتفاق النووي سيزيد عمر التطرف في إيران لا العكس.

إنها لمفارقة مثيرة أن يكون الطموح الإيراني الذي يستثمر، وبنجاح أحيانا، آخرَ مواقعِ الصراع العربي مع إسرائيل خارج فلسطين هو نفسه الذي “يُهوِّد” عملياً الحالةَ الشيعية العربية. الجواب الموضوعي في تفسير ذلك هو اتساع التوظيف الإيراني للشيعية العربية على مساحة العالم العربي حيث يوجد شيعة وبالتالي عدم انحصار التوظيف بالشأن الفلسطيني وشموله الأوضاع الداخلية لعدد غير قليل من الدول العربية. هكذا تتسع صورة التهويد للشيعة العرب باتساع مساحة “الاستفزاز” حتى لو كان تحت شعار العداء لإسرائيل. فالمسألة ليست الشعار لأن الشبهة تنشأ من المبالغة في استئثار الأقلية بتحديد سياسة الأكثرية على مستويات مختلفة.

لا أنفي انحيازي إلى النموذج غير الديني العلماني على المستوى السياسي من موقع الطموح إلى أن يكون لبنان ومحيطه العربي دولَ تنوُّعٍ تُعبِّر فيه كلُ التيارات والأفراد عن اقتناعاتها في ظل أنظمة ديموقراطية تعددية يسودها السلام… (بما فيها سوريا التي آن الأوان لوقف حربها بأي ثمن خصوصا بعد الإفلاس المريع للمعارضة) ومن ضمن هذا التنوّع مؤيدو التيارات الدينية المحافظة (وغير التكفيرية) سنةً وشيعة، ولكن أن يسيطر اتجاه واحد على كل بيئة كما في الحالة الشيعية العربية في زمن النفوذ الإيراني ويمنع عمليا غيره، فهذا غير مقبول ناهيك عن كونه غير بنّاء بل غير مشروع فكيف إذا كان مقرونا بمشاريع أمنية. أتكلم هنا عن التوظيف الإيراني.

هذه معضلة كبيرة، أتمنى بل آن الأوان لكي ينفتح حولها نقاش “هادئ”(!) بعيدا عن المتاريس الثقافية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*