الشهادة القبطيّة في عيونٍ مارونيّة!

أمام مجزرة المنيا التي طالت الإخوة الأقباط في مصر، نبارك للكنيسة القبطيّة بأكاليل الشهادة التي عانقت هامات بنيها، ونحن نعلم أن الإستشهاد ليس غريبًا عن هذه الكنيسة ولا عن أبناءها الأبطال الذين يعتصمون بالمحبّة وبإيمانهم الراسخ بيسوع المسيح الذي غلب الموت بالموت، والذي غلب العنف بالسلام!

نقف أمام هذه المجزرة بألمٍ كبيرٍ على قلوب القَتَلة التي ماتَت في صدورهم، ونحزن على من يقف وراء هذا العنف لأنه استأصل الإنسانيّة من حياته، فمات رغم خفقان قلبه بعكس الشهداء الذين عبروا إلى ملء الحياة بعد أن توقّفت قلوبهم عن الخفقان!

هذه الشهادة تؤكّدُ لنا بأنَّ المسيحيّة في مصر بألفِ خيرٍ، وبأنَّها تسير على الطريق الصحيح، فهي كالكنيسة الأولى يستشهدُ منها العشرات فينضَمُّ إليها المئات! تُرمى بالكراهيّة وبالحقد الأعمى، فتنثر دمها لتُخَصّب الأرض بالمحبّة، ولتنير العقول والنفوس بما وهبها الله من النور!

رغم هذه الشهادة الرائعة للمسيح التي قدّمتها الكنيسة القبطيّة، يتنطّحُ بعض الجهابذة من “مُدَّعي المسيحيّة المارونيّة” في لبنان إلى التبرُّعِ بنصائحم إلى إخوتهم في الدين، فهم يرون في خبرتهم الغنيّة في الحرب اللبنانيّة خيرَ مثالٍ لكيفيّة عيش المسيحيّة الحقّة، لذا يناشدون إخوتهم بأن يبادروا إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم ولتنظيم “أمنهم الذاتيّ”، ويمكن لمن يتصفَّح كتاباتهم على مواقع التواصل الإجتماعيّ أن يقرأ العديد من الإستراتيجيات والخطط والبرامج الدفاعيّة التي قَدَّمَها مجّانًا بعض قدامى المحاربين المسيحيين اللبنانيين لنُصرةِ إخوتهم المسيحيين المصريين!

–هنا لا بُدّ لي من الإنحناء أمام الشاب اللبنانيّ المسيحيّ الصادق الذي قادته طيبته ومحبته لشعبه إلى حمل السلاح للدفاع عن من أحبّهم، وأُمَيِّزُ بين الشباب الطيّب الذي وقع ضحيّة الحرب أو وقع شهيد محبّته، وبين تُجّار الحرب من المسيحيين الذين استثمروا في عملة الدمّ، وكأنهم يغارون من المسيحيّ الذي استطاع أن يسمع نداء يسوع لبطرس في بستان الزيتون فأغمد سيفه، في حين أنَّهم يعيشون الحنين القاتل إلى زمن رفعوا فيه السلاح ليدخلوا في دوامةٍ من معاركٍ وانتفاضاتٍ وحروب إلغاءٍ، لم تنتصر على أحدٍ إلا على المسيحيين بالذات، رغم تشاركهم مع المسلمين بمسؤولية الحروب الطويلة!

ويغيب عن بالهم أنّهم بمجرّد أن حملوا السلاح “رغم كل الأسباب” فقد أعلنوا فشلهم بالبشارة المسيحيّة، وفشلت وسائل رسالتهم وتَحَوَّرَت غايتهم من أن يكونوا ملح الأرض الذي يذوب في الطعام، إلى حفنة بشر تستميتُ للدفاع عن وجودها، الذي لا شرعيّة له إلا إذا وُضِعَ بحماية يسوع المسيح فقط!

يغيب عن بالهم أيضًا أنّهم بمجرّد أن حملوا السلاح، فقد أعلنوا أنّ البندقية بالنسبة لهم هي أقوى من الله! وبأنّها أحقّ بالعبادة مِن الذي بَشَّرَهم بالإضطهاد وبالإستشهاد! وبمجَرّد رفعهم للسلاح فقد أعلنوا الطلاق بين منطق الإنجيل وبين منطقهم، فقد أنزلوا راية الصليب ليرفعوا البندقيّة مكانها، والبندقيّة تبقى بندقيّة وإن ألصقوا عليها صورًا لِمار الياس أو لمار جرجس أو حتّى ليسوع المسيح نفسه!

هم أنفسهم لم يَتّعِظوا من نتائج حروب الآخرين على أرضهم وبدم بنيهم، بل غلبتهم النوستالجيا إلى الزمن “الشمشونيّ” الغابر الذي انتهى بدمارِ الهيكلِ على رؤوسهم وعلى رؤوس إخوتهم المسلمين، وهم إخوة وشركاء في هذه الجريمة على قاعدة المناصفة بصيغة “الستّة وستّة مكرَّر” بما يكفله الميثاق ويضمنه اتفاق الطائف حتّى يوم الدين!

لم ترفع المسيحيّة السيف يومًا إلا وكانت الهزيمة حليفتها، في حين أنّها كلما رفعت صليب المحبّة حالَفَت النصر وتصالحت مع ذاتها وصالحت الأخرين مع الله! هذه شهادة التاريخ أمامنا، وهذه شهادة الإيمان المسيحيّ، وهذه هي الشهادة القبطيّة في هذه الأيَّام!

فبالله على المُنظِّرين اتّعظوا من شهادة إخوتكم، ودعوهم في نقاء محبّتهم علّ مفاعيل الشهادة تُدركنا، فَنَشهَدُ ونَستشِهد، فنتغيَّر ويتغيَّر معنا وجه الشرق!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*