الشرطة اللبنانية وقضية “القوادة عفاف”: بين حماية النيابة العامة وأمن المجتمع

 

العميد المتقاعد أنور يحيى-قائد سابق لوحدة الشرطة القضائية

     المصدر: “النهار”
    20072017

بنتيجة نكبة عام 1948 توطن في لبنان ما يقارب المئتي ألف لاجىء فلسطيني، ومن بينهم فتاة ذات جمال مميز تدعى: بدور أسعد الداهوك.. ما لبثت أن امتهنت الدعارة السرية ووطدت علاقاتها مع بعض النافذين، مستخدمة فنون الأغواء وأساليب لا تقاوم. أوقفت من شرطة الأخلاق أكثر من مرة، ثم تزوجت من شاب لبناني واكتسبت الجنسية اللبنانية وعرفت باسم: عفاف.

أقامت الولائم وأغدقت على كبار القوم أجمل الأرتيستات وقدمت خدمات منزلية لهم عبر فتيات يعملن لديها، وأضحت معروفة بين المسؤولين الأمنيين والقضائيين لا ترد طلباتها.

شهد العقد السادس من القرن العشرين استقراراً أمنياً في لبنان وانقلابات وثورات في بعض دول العالم العربي: مصر، سوريا، العراق وغيرها في ظل فورة مالية عالية نتيجة اكتشاف النفط العربي لا سيما في الخليج ، وكان قانون السرية المصرفية (1956)، الذي استقطب الودائع العربية الكبيرة وعاش لبنان حقبة سياحة، اصطياف، مهرجانات وخدمات شتى.

جاء الهاربون من أنظمة صادرت ممتلكاتهم ونفوذهم واستقروا في لبنان “سويسرا الشرق”: أمن وحرية وديموقراطية.

اتسع نشاط عفاف التي ارتبطت بصداقة قوية بالنائب العام الاستئنافي في بيروت الأستاذ شكري س. وأمست تماثل مدام كلود، القوادة الفرنسية المشهورة، “مدام كلود بو” فاستأجرت مبنى من ست طبقات يملكه أنطوان أبو جودة، مقابل أوتيل البريستول في محلة رأس بيروت، ووضعت لافتة على مدخله باسم: أوتيل بلير  علماً أن لا قيود لهذا الاسم وفقاً لمذكرات الأمير فريد شهاب ، مدير الأمن العام بحينها. سكنت هي في الطبقة الأولى مع صديقها سعيد خ. (يعمل في قصر عدل بيروت) وخصصت الطبقة الأرضية لاستقبال الزبائن وتقديم المشروبات من الصبايا، وخصصت 65 غرفة في بقية الطوابق لتلاقي زبائنها والفتيات العاملات معها بصورة دائمة أو عند الطلب. كان بينهن السوريات والفلسطينيات واللبنانيات والمصريات ذوات الجمال المميز لممارسة الدعارة السرية الممنوعة وفقاً لقانون البغاء الذي يحدد حصراً، منطقة خلف مبنى الشرطة والمباحث ساحة البرج، وسط العاصمة سوقاً عمومياً لطالبي الجنس لقاء المال.

كلفت فرقة الأخلاق في مديرية الشرطة اللبنانية مراقبة تنفيذ أحكام هذا القانون، والذي يمنح صلاحيات جمة لها بتفتيش ودهم أي مكان مشبوه وفي أي وقت لضبط المخالفات وتطبيق دقائق قانون البغاء بدقة ودون العودة للنيابة العامة الا بحال التوقيف.

تولى المفوض سعيد ر. رئاسة الفرقة أوائل الخمسينات، لكنه أقصي عنها لفساد طاول سمعة الفرقة، ليتولى المفوض محمد ش. هذه المهام منتصف العقد السادس من القرن المنصرم. تكاثر زبائن عفاف الميسورون والأغنياء مما استدعى اعتراض سكان المحلة المحافظين والذين تقدموا بعريضة الى النائب العام الاستئنافي مطالبين بإقفال بيوت عفاف، الذي بدوره حفظ الدعوى لديه بحجة تشجيع السياحة والاصطياف وخلق مغريات لقدوم أثرياء العرب الى لبنان، وطن الحرية والأمن، وبناء على طلب عفاف!

استقدمت عفاف مجموعة من قبضايات المحلة وأغدقت عليهم الأموال لحماية الاوتيل المزعوم وزبائنها ومنع أي فتاة من مغادرة المبنى الا بموافقتها، وكم من فتاة تعرضت للضرب بالموسى والعصي عندما حاولت الهرب من سيطرة عفاف واستغلالها لهن مقابل استفادة مالية عالية تجنيها القوادة وتوزع بعض مغانمها على أصحاب النفوذ لإبقاء عملها مسهلاً وتحت الحماية. كما منع هؤلاء القبضايات دخول أي كان، حتى ولو كان والداً يبحث عن ابنته الضالة والتي علم بتغرير عفاف لها واستخدامها سلعة تجني منها الأموال الطائلة، ومنعها الإفلات من شرك الدعارة الممنوعة تحت سلطة القوادة النافذة.

شكّت عفاف بأن دوريات فرقة الأخلاق في الشرطة تلاحقها وتضيق عليها أحياناً، فطلب النائب العام من مفوض الفرقة التخفيف من دهم أوتيل بلير وعند الضرورة إبلاغ عفاف عن إرسال الدورية الى بيوتها لأخذ الحيطة، ولم ينظم أي محضر بضبط مخالفات لقانون البغاء لديها، علماً أن وجود بيوت التلاقي والدعارة خارج السوق العمومي، كما كان معروفاً، ممنوع بالمطلق.

ارتفعت أصوات سكان المحلة المحافظين الذين كانوا يشاهدون السيارات الفخمة وأثرياء العرب يتوقفون امام مدخل المبنى للدخول وقضاء حاجاتهم، مطالبين بإقفال هذه المواخير دون نتيجة. وعندما طالب مفوض الأخلاق بإعطاء تعليمات خطية له من النائب العام الاستئنافي في بيروت لمنع دهم مبنى بلير، أصدر القاضي شكري س. تعميماً الى مديرية الشرطة برقم 13/ص تاريخ 18 شباط 1956 يقول: يمنع على أي موظف الذي يدخل بصفة كونه موظفاً منزل أحد الناس أو ملحاقاته في غير الحالات التي حددها القانون ألا بموافقته، وإذا قامت شبهة قوية بان أصحاب المنزل اتخذوه واعتادوا اتخاذه موضعاً لارتكاب جرائم معينة فإن دخول هذه المنازل يستوجب الحصول على إجازة مسبقة من النائب العام شخصياً تحت طائلة الحبس لثلاث سنوات بحال المخالفة. طالبت عفاف مجدداً رفع دوريات الشرطة للابتعاد عن مقرها المحصن، حتى ولم يُدهم المبنى، فأصدر القاضي شكري س. تعميماً معجلاً لاحقاً برقم 3037 تاريخ 16-6-1956، يؤكد على كتابه الأول وفرض عقوبات جزائية عالية بحق من يتحرى منزلاً ليل نهار، حتى المنازل المشبوهة، قبل الاستحصال مسبقاً على رخصة خطية موقعة من النائب العام. وإذا تأكد لعناصر الشرطة بارتكاب جرائم ضمن بعض المنازل، فيجب عليهم مخابرة النائب العام شخصياً ليقوم هو بنفسه بإجراء التحريات بالتحقيقات اللازمة.

كانت عفاف تغدق الإكراميات على الدوريات ورئيس فرقة الأخلاق وقد رافقته بسيارتها الفخمة برحلة صيد الى حلب في سوريا وتمكنت من أخذ صورة تجمعها معه وبعض أصدقائه أثناء تناول الطعام، لابتزازه وإخضاعه لسيطرتها ونفوذها وعرضت الصورة على النائب العام الاستئنافي كدليل على عمق صداقتها مع قائد فرقة الأخلاق.

أوائل شهر آب 1956، أوقفت عفاف من شرطة الجيش بقضية تتعلق بأحد عناصره، فتمكنت الفتاة مكرم الأرناؤوط من الفرار من الأوتيل وروت لأهلها ما يحصل من فضائح الدعارة السرية واستغلال عفاف لهن وتقاضيها الأموال الطائلة وبحماية الشرطة والنيابة العامة واستخدامها لأساليب العنف عليهن وبالقوة لإجبارهن تعاطي الدعارة. راجع أهل الفتاة النيابة العامة لإقفال هذه المواخير لكن دون جدوى حيث عادت عفاف لممارسة مهامها وبقوة أكبر لقاء مداخيل عالية.

إثر الانتخابات النيابية عام 1957 والتي خسرت المعارضة معظم مقاعدها بوجه رئيس الجمهورية كميل شمعون، ومنهم السادة: صائب سلام، كمال جنبلاط، عبدالله اليافي، برز الصحافي الأستاذ سليم اللوزي، صاحب مجلة الحوادث الأسبوعية والصادرة في بيروت، يهاجم عهد الرئيس شمعون وينتقد قساوة الشرطة بقمع التظاهرات وأعمال العصيان ضد حكم الرئيس وفساد الإدارة المستشري الى أن اتصل به المحامي جوزيف خوري يعلمه بأن إحدى فتيات عفاف تمكنت من الفرار واصطحبها أهلها الى مكتبه وروت له الكثير عن تسلط عفاف وإجبار الفتيات على ممارسة الجنس بالقوة مع أثرياء وتقاضي الأموال الطائلة بحماية الشرطة والنيابة العامة.

حضر الأستاذ اللوزي الى مكتب المحامي واستمع الى الفتاة: نوال قباني، من بيروت، وباشر بكتابة قصة أسبوعية عن معاناة الفتيات وليالي ألف ليلة وليلة في أوتيل بلير، ولم يشى تهديدات القاضي ولا أجهزة الأمن. نشرت الفضائح وهاجم النائب العام شخصياً واتهمه بأنه هو الرجل الذي يقف خلف الستارة لحماية عفاف ودعارتها السرية، مما استدعى إصدار مذكرة توقيف بحقه ودهمته الشرطة فوراً، لكنه تمكن من الفرار الى سوريا متنكراً بتاريخ 12-10-1957 .

طالبت المعارضة القوية بضرورة محاكمة المتورطين بقضية عفاف وهاجمت رئيس الحكومة الأستاذ سامي الصلح الذي لم يجد مخرجاً سوى إزاحة ألقاضي شكري س. من النيابة العامة في بيروت وتكليف القاضي وفيق الحسامي بإدارتها وكلف مفتش الجمهورية إجراء تحقيق شفاف، فاستمع الى إفادات عدة وثبت لديه:

1- تقصير دوريات الأخلاق بضبط الجنح والمخالفات في فندق بلير.

2- تورط عفاف بإفساد الفتيات وتقديم العذارى منهن الى أثرياء عرب لقاء مبالغ كبيرة، وفرض هيمنتها القوية عليهن، واستمالة المسؤولين من القضاة والشرطة والإدارة اللبنانية للتغاضي عن مخالفاتها .

3- منع النائب العام مؤازرة الشرطة للمدعو أنطوان يواكيم الذي حضر لإخراج ابنته الضالة والمستخدمة بالقوة من عفاف والتي قررت الفرار من الأوتيل، فكان نصيبها التعرض للضرب من القبضايات المستخدمين لحماية عفاف.

خلص تقرير محقق الدولة الى إحالة مفوض الأخلاق وعناصره الى المجلس التأديبي وإنزال تدابير تأديبية قاسية بحقهم، وإقفال الأوتيل بعدما عمل لسنوات بحماية النيابة العامة والشرطة لكن هذا التقرير لم يتضمن اتخاذ أي تدابير بحق القاضي الذي يشرف على أعمال الضابطة العدلية إنما أقصي من مركزه!!

إن مكافحة الفساد يجب أن تشمل كل المتورطين به بمعزل عن الصفة والوظيفة، لا سيما المستفيدين منه: قضاة ورجال شرطة، وليس الضابطة العدلية فقط التي تنفذ طلبات النيابة العامة وفقاً للقانون.

لقد عاش الصحافي سليم اللوزي منفياً في سوريا، بعيداً من تسلط النيابة العامة التي لفها الفساد بقضية القوادة عفاف، لجرأته بانتقاد القضاء والشرطة لفساد مشترك، حتى انتخب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية وصدر عفواً عاماً عن الجرائم وقد حرم اللوزي حضور دفن ابنه وأمه في لبنان، بسبب ملاحقته غير الواقعية نتيجة جرأته بكشف فضائح الفساد، وليقتل في العام 1980 ويعثر على جثنه في أحراج عرمون لمواجهته ظلم المتسلطين؟؟

إن الشرطة مكلفة بالمحافظة على أمن المجتمع وتنفيذ القانون والقيام بمهام الضابطة الإدارية لمنع وقوع الجرائم، لكنها تقوم بمهام الضابطة العدلية بعد وقوع الجرائم تحت رقابة النيابة العامة المختصة والحري بهذه الأخيرة أن تكون شفافة، متجردة، تدافع عن سلامة المجتمع وتحاسب فساد الشرطة.

ترى، هل يمكننا في لبنان اعتماد النظام البريطاني الذي يخول الشرطة وحدها حق ملاحقة الجرائم بمعزل عن صفة مرتكبها: فيجمعون المعلومات والأدلة، يستمعون للشهود والمشتبه فيهم والضحايا، وإذا تحققوا من وجود جريمة، يوقفون المشتبه فيه ويضبطون الأدلة، ويرفعون الملف كاملاً الى هيئة التحقيق الملكية: “كراون برسيكيوشن سيرفيسيز” حيث يتولى القاضي إصدار الحكم بعد الاستماع للشهود وتقييم الأدلة ودفاع المشتبه فيه، وادعاء الضحية، أمام هيئة من المواطنين المحلفين وفقا “للجوري سيستم ”  الذين يؤكدون الإدانة أو الشك لتبرئة المتهم؟

*العميد المتقاعد أنور يحيى

قائد الشرطة القضائية سابقاً

محلل جنائي استراتيجي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*