الشباب المسيحيون ما بين “القرية الفولكلورية” و”القرية الإلكترونية” دوافع كثيرة إلى الهجرة الدائمة: لماذا البقاء في بلد غير قابل للتطور؟

نشرت المؤسّسة اللبنانية للدراسات والنشر تقريراً واقعيّاً عن نظرة الشباب المسيحيّين إلى الواقع اللبناني. والتقرير الذي لم يعتمد ارقاماً دقيقة او مراجع علمية، انما يقارب الحقيقة بشكل كبير، وموجع، إذ أن الجيل الجديد من الشباب المسيحيّين الذي هَجَر لبنان بات يجد صعوبة في العودة إليه، للأسباب المذكورة في الدراسة ولأسباب أخرى لا علاقة لها بالزبائنيّة فقط، وهي الأسباب المشتركة مع مواطنيهم المسلمين، ولكن ايضاً لأسباب اخرى أبرزها الوضع المعيشي المرتبط بتراجع الفرص الحقيقيّة في الوظائف ذات البعد الذي يتخطّى حدود الوطن الصغير وخبرته المحدودة.

اكثر من دراسة مهمة سطّرت بعد الطائف لا تحاكي في العمق، هموم الجيل المسيحي اللبناني الجديد وحده رغم انها تركز عليه، انما هموم كل الشباب اللبناني، بغض النظر عن الدين والطائفة. هذه الدراسات موجودة لدى مؤسسات مسيحية مرموقة، لكن الغبار تراكم فوقها، وقد اعدها طلاب مسيحيون لبنانيون يتعلمون في جامعات الدول الغربية. وتطرح نظرة جيل مسيحي لبناني جديد يعيش لحظة العولمة في جامعات غربية، وايضاً تراجع الحضور المسيحي في لبنان، وذلك انطلاقاً من تسليطها الضوء على افكار ابرزها يمكن تلخيصه بسؤال: هل الهجرة نقمة أم نعمة؟

“انها نعمة” تجيب بعض الدراسات بثقة. وتضيف بما معناه “كفى تصفون هجرة اللبنانيين المسيحيين الى الخارج بأنها لعنة وكارثة، وكفى ذرف دموع ورفع شعارات، ذلك أن الواقع كما يراه الجيل الجديد من الشباب المسيحيين اصبح في مكان آخر. فلبنان “القرية الفولكلورية” التي غنى لها الفنانون، وتشرق فيها شمس وتنبت فيها فواكه وشجر أرز، اصبحت مكاناً غير ملائم وخياراً غير مقنع لشريحة واسعة من الجيل الشاب المسيحي الجديد، وذلك قياساً بخيار الحياة في “القرية الالكترونية” العالمية. فالقرية الفولكلورية لا تضع امام الشاب اللبناني المسيحي، كما هي الحال في القرية الالكترونية فرص التطور بما لديه من كفايات وقدرات تعليمية، بل كل مستقبله في القرية الفولكلورية مرهون بموقعه داخل علاقاته الزبائنية بهذا الزعيم او ذاك وهذا الحزب او غيره.

تشير الدراسة الى أن القرية الالكترونية تضم امتيازات مسيحيي لبنان الدائمة والتي لا تحتاج لقانون انتخاب يصوّت فيه المسيحي للمسيحي ولا لمناصفة غشّاشة (قد تتغير بفعل تبدّل التوازنات الديموغرافية)، ولا للتهديد بالحرب لبقاء السلم، فهناك توجد المساواة لنا ولهم، وتوجد فرص العمل بحسب الكفايات وليس وفق العدد، مع توافر الخدمة للجميع وفقاً للقانون الذي يتساوى الجميع امامه، ومن دون الحاجة الى “بطاقة واسطة” من الزعيم.

ما يمكن استنتاجه من الدراسة هي أنها تطرح اسئلة جديدة تستغرب أن يتعجّب زعماء المسيحيين من عدم قبول الجيل المسيحي الجديد البقاء في القرية الفولكلورية المنقادة وراء زعماء تقليديين والغائيين والمقطوعي الصلة بأفكار تطوير البلد واخذه الى منطق دولة القانون والمساواة بين مواطنيه. تسأل هذه الأصوات: لماذا علينا البقاء في مكان غير قابل للتطور والذي نحتاج فيه كل صباح لأن نحصي ديموغرافياً المقيمين فيه، والذي نقتتل كل فترة فوقه طالما ان القرية الفولكلورية اصبح لها معادل بمواصفات مواطنة كاملة وعادلة، وهي القرية الالكترونية؟. الى ذلك، فان القرية الالكترونية تشكل لبناناً جديداً، وليست بديلاً عن لبنان. فالزمن والمسافة فيها هما فعل تواصل وتطور لحظوي، وفعل تحصيل طبيعي للامتيازات المستندة الى المميزات والمساواة امام عدالة الفرص والقانون وليس الجنس والدين، وليس في ظل البحث عن عباءة زعيم يتغذى من تضخيم الهواجس واحتراب الهويات. الفكرة الأساس التي تطرحها هذه الأصوات الجديدة، والتي تتضمّن رسالة مدوّية للزعماء المسيحيين، هي ان هجرة الشباب المسيحيين وتناقص اعدادهم الديموغرافية في لبنان، تعود في جانب اساسي منها، الى انهم يهربون من نمطية التفكير بتأبيد نموذج لبنان كنظام طائفي يحقق امتيازات زعماء الطوائف على حساب جعله بلد المساواة بين كل مواطنيه ودولة القانون. باختصار، لقد تراجع اهتمامهم بالعيش في جلباب العباءة الطائفية، وسئموا تكرار الحياة في وطن القرية الفولكلورية التي اعطتهم حروباً وازمات ليس لهم فيها ناقة الا ادعاء زعماء الطوائف بأنها لأجلهم ولأجل مستقبلهم. باختصار، هناك جيل مسيحي جديد معاصر سئم خيار الحياة في القرية الفولكلورية التي فيها قصور لزعماء الطوائف واكواخ كثيرة للرعية الزبائنية التي تحلم، بغض النظر عن الاعتبارات الدينية و المذهبية، بأن تصل اليها صفة المواطنية الكاملة من دون تمييز طائفي أو جنسي، وان يعيش في دولة القانون وليس في دولة الرعاية الزبائنية المطيّفة والممذهبة والمشحونة بتقاليد اتباع الزعامات الشعبوية. يريدون وطناً يتسع لمواطنيتهم وعدالة القانون والكفاية والمساواة وتكافؤ الفرص، وخارج قيود اعتبارات التمييز بين الدين والطائفة “رسالة عيش مواطنيتهم الكاملة” هي قضيتهم الجديدة.

واذا جاز تسطير أبرز استنتاجات هذه الدراسة التي تعبّر عن هموم جيل مسيحي لبناني هاجر الى الخارج بنسبة عالية منه، فيمكن ادراج الآتي:

أولاً: سبب هجرة الشباب المسيحيين ليس شعورهم بالخوف من شريكهم في الوطن، بل شعورهم بأن لا مستقبل لهم داخل سجن نمطيّة زعمائهم الطائفيين الذين يرفعون الهواجس الطائفية ليحصّنوا امتيازاتهم كأمراء دولة المزارع.

ثانياً: يعتبر الشباب المسيحيون اللبنانيون أنهم فئة نوعية متعلّمة ويمكن في ما لو توافرت لها فرص ارتقاء على اساس الكفاية وليس المحاصصة الطائفية ان تبرهن عن حضور أقوى. وهذا الاحساس هو الذي جعل هؤلاء يهجرون القرية الفولكلورية حيث المحاصصة الطائفية الى القرية الالكترونية حيث الكفاية والامتيازات العلمية هي المقياس وليس الدين والطائفة والمذهب.

ثالثاً: تبرهن الدراسة أن حقوق المسيحيين كما يفهمها الجيل المسيحي الجديد، هي في مكان آخر ومناقض لحقوق المسيحيين كما يطرحها زعماء الأحزاب المسيحية اللبنانية. إنهم يريدون تحرير وجودهم في لبنان وظيفياً وسياسياً من لعنة النظام الطائفي الذي يسلبهم حقوقهم ولا يعمقها، لمصلحة نظام يستطيعون من خلاله كمواطنين نوعيين الوصول الى أكثر ما يريدون من خلال انصاف كفاءاتهم.

رواتب لا تحاكي الواقع

المداخيل والرواتب في لبنان، لا يراعي معظمها، غلاء المعيشة المتزايد، ويروي لي قريب عن نجله الذي تخرّج في الجامعة اللبنانية الأميركيّة LAU بتكلفة بلغت نحو 100 ألف دولار على مدى أربع سنوات، ليبقى عاطلاً عن العمل، وقد بحث لمدة سنتين عن وظيفة تراعي الحد الأدنى من اختصاصه، ولو لم يجد وساطة لما تمكن من العمل في أحد المصارف.

أمّا الراتب فحدَّث ولا حرج إذ تبلغ قيمته 930 ألف ليرة شهرياً، اي 620 دولاراً، وإذا ما أُضيفت إليها الأشهر الإضافيّة وبدلات النقل وما يرافقها من تعويضات، تبلغ ما يقرب من ألف دولار شهرياً.

يحتاج هذا الشاب أولاً إلى نحو عشر سنوات لاسترداد ما أنفقه في الجامعة شرط أن لا يصرف منه أي ليرة. أمّا إذا قرّر أن يدفع مأكله وتنقّلاته وهاتفه الخليوي وإصلاح سيارته وغيرها من الأمور الضروريّة، فإن الراتب لن يكفيه حتماً، وسيقع تحت عبء الديون.

وأن لا يكفيه الراتب إلى آخر الشهر، يعني أنه لن يتمكّن من تقسيط سيارة ومنزل، والإقدام على الزواج بالمتطلّبات اللبنانيّة للأعراس الفاخرة. ولن يتمكن من الخروج مع “صاحبته” في النزهات والسهرات والبحر لأن التكلفة في هذه الأماكن تزيد عن مصاريف عائلته.

في هذه الظروف القائمة ما الذي يدفع شاباً إلى البقاء في لبنان إذا لم يكن وارثاً لثروة أو مستفيداً من ثلاثة أو أربعة رواتب متوازية بسبب افادته من خدمات حزبية وسياسية وطائفية.

كاهن ارثوذكسي يشجّع على الهجرة

تعقد الجامعات الكاثوليكيّة خصوصاً اتفاقات توأمة مع جامعات أجنبيّة تتيح للطالب اللبناني الانتقال بسهولة اليها ما يشجّعه على السفر، وبالتالي على اكتشاف عالم غربي مليء بالفرص يدفعه الى الاستقرار في الخارج ويحوّل لبنان محطّة صيفية لزيارة الأهل خصوصاً. أضف إلى ذلك أن الرهبانيات والارساليات الأجنبية لا تجد في الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، أي خطيئة، عكس ما تروّج له الكنيسة المارونية تحديداً من تشبّث بالأرض. وقد صرّح أمامي كاهن أرثوذكسي يعنى بالشأن التربوي بأنه لم يعد يشجّع تلامذته على التعلّق بلبنان، “فكل أرض هي أرض لنا، وكل بلد يوفّر الحقوق والعيش الكريم هو وطن، والمسيح لم يركّز على التعلّق بالأرض بل دعا تلامذته إلى التجوال المستمر: اذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعلّموهم باسم الآب والابن والروح القدس”، وهي القاعدة التي اعتمدتها الرهبانيات الأجنبيّة والارساليات التي لو تمسّك أعضاؤها ببلدهم الأم لما نشروا العلم والايمان في العالم”.

في دول المحيط

أدت الثورة الإسلامية في إيران وسعي طهران إلى لعب دور أكثر فاعلية وتدخّلاً في العالمين العربي والاسلامي إلى تباعد ما بينهما وبين دول الخليج العربي، أي بين العالمين الشيعي والسني، انعكس سلباً على الشباب الشيعة في العالمين العربي والاسلامي، إضافة إلى الغرب، مما أدّى إلى تجنّب هؤلاء السفر إلى الخليج، أو إظهار دول الخليج عدم الرغبة فيهم، أو ابعادهم عنها. ولما كانت إيران لا توفّر فرص استثمار وعمل لشبان لبنانيّين، فإن نسبة الهجرة والسفر لدى الشباب الشيعة آخذة في التراجع، في مقابل ارتفاع الأرقام لدى أقرانهم من المسيحيّين والسنّة والدروز. وبفضل ثقافة الانفتاح والتعدّد اللغوي فإن شركات أجنبيّة عاملة في الخليج تعطي الأولوية لمسيحيّين بغض النظر عن دينهم.

التوريث السياسي يقضي على الطموح

غالباً ما يطمح شبان في مقتبل العمر الى ممارسة العمل السياسي ظناً منهم أن في وسعهم تغيير المجتمع وتصويب ادائه وتبديل عادات ادمنها اهلهم وصاروا يدافعون عنها. وغالباً ما يلجأ هؤلاء الى الاحزاب القائمة، فلا يعمدون الى تأسيس احزاب جديدة لأن امكان انطلاقها يبقى امرا معقدا في بلد يدمن التقليد ويتبع العائلات التقليدية والزعامات الموروثة. لكن عدداً قليلاً من هؤلاء يمكن ان يبلغ طموحه، بتولي منصب قيادي (لا يصل طبعاً الى رئاسة الحزب لأنها محجوزة لأفراد من العائلة) او وزاري او نيابي، فيستمر في صفوف الحزب، ويعمل على جذب آخرين اليه، ليعوض الحزب عمن تركوه، واكتشفوا لاحقاً انهم بقدر ما يعملون لقضية فانهم يبذلون جهودهم لضمان التوريث السياسي، واذا لم “يهضمهم” الوارث واعتبرهم عقبة امامه، فانهم سيلاقون الطرد والابعاد والعزل مصيراً محتوماً.

مسيحيون ومسلمون

لماذا التركيز على الشباب المسيحيين علماً ن الطموح لدى المسلمين يوازي نظيره لدى مواطنيهم أو على الأقل يجب أن يكون كذلك؟ الفارق أن المسيحيين لا يجدون الغرب عالماً بعيداً من ثقافتهم وحضارتهم، إذ أن تحوّل أوروباً والغرب إلى العلمانيّة لم يلغِ الجذور المسيحية التي انطلق منها. أضف إلى ذلك أن التربية المسيحية التي اعتمدتها الإرساليّات الأجنبية في لبنان شجّعت على التفاعل مع الغرب وعلى السفر إليه وتبادل الخبرات معه. وإذا كان مسلمون كثر أفادوا من تلك المدارس والجامعات أيضاً، فإن كثيرين منهم لا يزالون يفضّلون أن يكبر أبناؤهم في أجواء أكثر “إسلاميّة” ما يعني أنّهم يفضّلون العودة إلى بلادهم ومسقطهم فلا يشعرون فيه بغربة أو بضياع الهوية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*