السينما في السعودية: من الحرام إلى الحلال

 

محمود الزيباوي|السبت06/01/2018
Almodon.com
“نقابة السينمائيين المحترفين” تقيم حفلتها الأولى “تحت الرعاية الملكية العالية”، 1945

في نهاية العام الفائت، أعلنت المملكة السعودية أنها ستمنح ترخيصاً لافتتاح صالات للعرض السينمائي بعد حظر دام أكثر من ثلاثة عقود، وأوضحت وزارة الثقافة والاستعلامات أنها ستباشر بإصدار التراخيص، وأن أولى صالات السينما ستُفتتح في مارس/ آذار المقبل. بعد فترة وجيزة، وصل الفنان الأميركي جون ترافولتا إلى الرياض، وتحدّث عن مسيرته الفنية في مركز “أبكس للمؤتمرات والمعارض”، ووجّه شكره لهيئة الثقافة والترفيه السعودية التي استضافته، وحيّا دعمها للسينما وللشباب السعودي المولع بها.


الملك عبد العزيز آل سعود يحرق الأفلام السينمائية 1948

تأتي هذه الخطوة المفاجئة بعدما حذّر مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ في يناير/كانون الثاني الماضي من كون دور السينما مصدرا لـ”الفسوق”، وقيل في هذه الصدد ان العديد من صالات السينما افتُتحت في المملكة في سبعينيات القرن الماضي، وان رجال الدين أقنعوا السلطات بإغلاقها، غير ان التاريخ يظهر بشكل لا لبس فيه بأن موقف السلطة السعودية كان دائما مماثلاً لموقف هؤلاء الشيوخ، وان القرار الذي اتخذته السلطة مؤخرا يشكّل في الواقع خروجاً جذرياً عن النهج الذي اتبعته المملكة منذ تأسيسها، وانقلاباً كاملاً على هذا النهج.

في نهاية 1948، كتبت مجلة “الاستديو” المصرية: “جاء من مكة أن حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز آل سعود زار بيوت أولاده وأحفاده الأمراء ذات ليلة، وبحث عن آلات العرض السينمائي والأفلام السينمائية التي أحضروها ليشاهدوها في عرض خاص في قاعات السينما التي بنوها خصيصا في قصورهم، وقد أمر جلالته بحرقها وتحطيمها لأنها منافية لتعاليم الدين الحنيف. وكان الأمراء السعوديون يشترون من القاهرة نسخا من الأفلام المصرية والأميركية، كما اشتروا أيضا آلات للعرض السينمائي لمشاهدة الأفلام في سهراتهم الخاصة. وترامى إلى علم العاهل السعودي أمر هذه الأفلام، فقام بنفسه وأشرف على تحطيمها وحرقها. ولا توجد في الجزيرة العربية دار واحدة للسينما، وقد حاولت بعض الشركات الأميركية إنشاء دور سينما صغيرة في جدة وبعض البلاد التي يسمح للأجانب بالإقامة فيها، بيد أن الحكومة السعودية رفضت ذلك لأن السينما من الأمور المخالفة لتعاليم الدين الحنيف”.


مديحة يسري تحاور الشيخ محمود أبو العيون، 1947.

قارنت المجلة المصرية بين الموقف السعودي وموقف بعض رجال الدين المصريين الذين عُرفوا بنبذهم للسينما ولكل ما يمت لها بصلة، وتوقفت أمام حادثة معبرة تعود إلى سنة 1938، حيث “اختلف رجل مع زوجته لأنها أرادت أن تذهب إلى السينما، ومنعها هو من ذلك مجاراة للتقاليد الدينية، بيد أن الزوجة لم توافقه على هذا الرأي وخرجت من بيت الزوجية إلى بيت أبيها وطالبت بالطلاق. ورأى الرجل أن يستفتي أحد رجال الدين فيما إذا كان محقا في منعها من الذهاب  إلى السينما أم لا، وأفتى رجل الدين بأن السينما رجس من عمل الشيطان، ولا يجوز للمرأة أو للرجل المسلم مشاهدتها لأنها تعرض مناظر تثير الغرائز الجنسية وتغري بالفساد”. كان هذا الرأي معروفا وشائعا، وقد جاهر به قاضي الشرع محمد مصطفى المراغي الذي شغل منصب شيخ الأزهر من عام 1928 إلى عام 1930، ومن عام 1935 حتى وفاته في عام 1945. كان المراغي من أشد أعداء السينما خلال هذه السنوات، “وكثيرا ما كان يبعث الاحتجاجات باسم الأزهر الشريف على الأفلام الغرامية ويطالب بمنع عرضها، بل إن فضيلته منع ذات مرة إقامة دار للسينما في بلدته المراغة، كما انه منع إقامة دار للسينما في حلوان حيث كان يسكن، وأقام مكان هذه الدار مدرسة للأطفال”.

كذلك، عُرف الشيخ محمود أبو العيون ببغضه للسينما، واشتهر ببعض آرائه المتزمتة وخاصة بالنسبة الى المرأة‏، وكان في النصف الأول من القرن العشرين نجما من نجوم الحياة العلمية والدينية والاجتماعية، وقد أدلى بحديث لإحدى الصحف اليومية قال فيه: “إن السينما بوق من أبواق الشيطان تحرض على الفسق والفجور وتشجع على انتشار الفساد”، ورأى “ان الأموال التي يجمعها المشتغلون بالسينما حرام ويجب أن يتنازلوا عنها”. امتنع الشيخ محمود أبو العيون عن مشاهدة أي فيلم سينمائي، إلى أن دعته إحدى الشركات لمشاهدة فيلم من انتاجها سنة 1947، وحين سُئل عن رأيه في هذا الفيلم، قال: “إن قصة هذا الفيلم من قصص الفساد التي وُضعت في إطار من الفضيلة”. ومنذ ذلك اليوم، لم يدخل فضيلته أية صالة سينمائية. مثل الشيخ محمود أبو العيون، حرّم الشيخ محمود شلتوت على نفسه السير في الشوارع التي تقع فيها دور السينما، وقال إنه لم يشاهد في حياته فيلما سينمائيا، ويُعتبر هذا الشيخ من كبار علماء الأزهر، وقد عُين أولا مدرساً بالمعاهد، ثمّ مدرساً بأقسام التخصص، ثمّ وكيلاً لكلية الشريعة، ثمّ عضواً في جماعة كبار العلماء، ودخل “مجمع اللغة العربية” سنة 1946، وكان أول من حمل لقب “الإمام الأكبر”.

مع انتشار صناعة السينما وتحوّلها إلى ركن من أركان الحياة الاجتماعية في مصر، برزت جمعية دينية تدعى “الجمعية الإسلامية للإصلاح”، تضمّن برنامجها “السعي بالطرق السلمية إلى محاربة الخمر والميسر والأفلام السينمائية وكل ما يساعد على نشر الرذيلة والفساد”. كما ظهرت جمعيات دينية أخرى “تحارب السينما حربا لا هوادة فيها وتضعها في قائمة الموبقات كالخمر والميسر والزنا”. ومع تصاعد احتجاجات رجال الدين على الأفلام السينمائية التي تتضمّن “المناظر المثيرة”، ارتأت الحكومة المصرية أن تستعين ببعض رجال الدين في مراقبة الأفلام لحذف هذه المناظر. كان ذلك في سنة 1948، ويمكن القول إن هذه المواقف المتشددة لم تؤثر على مسيرة السينما التي رعتها السلطة المصرية منذ البداية، بخلاف ما حصل في المملكة السعودية.

كان الملك فؤاد من عشاق السينما في عشرينات القرن الماضي، وكانت رحلاته في داخل القطر وخارجه مصورة في السينما ومحفوظة في سراي عابدين. بحسب الصحافة التي تعود إلى هذه الحقبة، كان جلالته شديد الشغف بالسينما، وواسع الاطلاع والخبرة بشؤونها، وكان يقيم في السراي الملكية حفلات سينمائية تعرض فيها أحدث الأفلام السينمائية، ويُندر ان تمر ليلة دون ان يشاهد فيها فيلما سينمائيا، وقد اكتشف السينما الناطقة خلال رحلة قام بها إلى ألمانيا، ودُهش بهذا الإنجاز. وقد ورث ابنه فاروق عنه هذا الشغف منذ نعومة أظافره، يوم كان يُعرف بلقب “سمو أمير الصعيد”، ودأبت الصحافة على نشر صور له وهو يحمل آلة سينمائية.

رعى الملك فؤاد صناعة السينما في بداياتها، كما رعى سائر الفنون، وسار وريثه الملك فاروق على خطاه عند جلوسه العرش. وظهر في عهده رجال دين عُرفوا بحبهم للفنون، ومنهم الشيخ ابو العينين الذي ظهر على الشاشة في الفترة التي كان فيها الشيخ محمود أبو العيون يشنّ حربه على السينما، ولعب دور طالب أزهري يقرأ القرآن في المسجد في فيلم “النائب العام” سنة 1946، كما لعب في العام التالي دور فتي أعرابي يعقد الصلح بين قبيلته وقبيلة أخرى معادية لها إثر قراءته لآيتين من القرآن الكريم في فيلم “ابن عنتر”، والفيلمان من الأفلام “العاطفية” التي لا تدخل بتاتا في إطار الأفلام “الدينية”.

في الخامس من شهر يوليه/تموز 1945، أقامت “نقابة السينمائيين المحترفين” حفلتها الأولى “تحت الرعاية الملكية العالية” في قاعة “الأوبرج”، وجمع هذا الحفل كوكبة من نجوم السينما. أطلق يوسف وهبي على السينما يومها لقب”صاحبة الشرف الملكي”، وغنّى عبد الوهاب من كلمات صالح جودت: “الفن مين يوصفه إلا اللي عاش في حماه/ والفن مين يعرفه إلا اللي هام في سماه/ والفن مين أنصفه غير كلمة من مولاه/ والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه/ انت اللي اكرمت الفنان ورعيت فنه/ رديت له عزه بعد ما كان محروم منه/ ورويت فؤاده بالألحان برضاك عنه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*