السينما المصرية في زمن عبد الناصر

محمود الزيباوي|الأحد11/02/2018

Almodon.com


جميلة وجعلوني مجرما

بداية ونهاية بين السماء والارض

تتواصل في مصر فعاليات إحياء الذكرى المئوية لميلاد الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي شارك في “ثورة الثالث والعشرين من يوليو” في 1952، وتولى رئاسة مصر طيلة ثمانية عشر عاما شهدت خلالها البلاد عدداً من أبرز محطاتها السياسية والعسكرية والاجتماعية. في نهاية الشهر الماضي، شهد “مركز الإبداع الفني” في قصر الأمير طاز التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية، احتفالية بعنوان “جمال عبد الناصر في عيون الفن” أعادت إلى الذاكرة الدور الذي لعبه “الزعيم الخالد” في عالم الثقافة بفروعها المتعددة. تنقسم الآراء بشدة في تقييم هذا الدور، ويظهر هذا الانقسام في قراءة تاريخ السينما المصرية بوجه خاص.

 

يحن الكثيرون من المثقفين اليوم إلى زمن “نهضة مصر” في العقود الأولى من القرن العشرين حيث أنشئت المتاحف الأولى، وافتتحت أول جامعة لتعليم العلوم المدنية، وأول كلية للفنون الجميلة، وأُنتج أول فيلم مصري، وذلك بالتزامن مع صدور قانون خاص بالأحزاب السياسية. جاءت هذه الإنجازات بعد تشييد قناة السويس ومسرح الأوبرا، وولادة قانون المطبوعات، وتبعها صدور دستور 1923 واستقلال مصر عن الإمبراطورية العثمانية في العام التالي، وإجراء الانتخابات الحرة، وبروز حزب الوفد الذي طبع الحياة السياسية والثقافية بمختلف وجوهها. وفي أغلب الأحيان، يترافق الحنين إلى هذا الزمن مع بغض سافر للانقلاب العسكري الذي حمل اسم “الحركة المباركة” في يوليو 1952، وعطّل دستور 1923، وقضى على الديمقراطية المتمثلة بتعدد الأحزاب، واستبدلها بنظام حكم الحزب الواحد الذي قيّد الثقافة، وأحكم قبضته على الفنون.

بعد مرور أكثر من خمس وستين سنة على قيام هذه الثورة، يعود السؤال. هل قوّضت “الحركة المباركة” صناعة السينما المصرية التي ازدهرت في العقود التي سبقت قيامها، وهل ساهمت في تراجعها؟ من جهة أولى، يمكن القول إن سياسة التأميم ساهمت في تقييد هذا الإنتاج، وظلمت أسماء كبيرة شاركت في بناء هذه الصناعة حين جرّدتها من شركاتها الخاصة التي بنتها بعرق جبينها، كما حصل مع آسيا داغر وماري كويني ومحمد فوزي وسواهم. من جهة ثانية، يتّضح أن أجمل الأفلام المصرية ظهرت في عهد الثورة، ويكفي مراجعة قائمة أفضل مئة فيلم في “تاريخ السينما المصرية” التي وضعها عدد كبير من النقاد السينمائيين سنة 1996 اثناء انعقاد “مهرجان القاهرة السينمائي الدولي”، بمناسبة مرور مئة عام على ولادة السينما المصرية. طبعت ثورة يوليو عالم الفنون بسرعة فائقة، وتردد صدى شعاراتها في الأفلام التي ظهرت سنة 1953، واشتدّ وقع هذا الصدى مع اعتلاء عبد الناصر سدة الحكم سنة 1956، وبلغ ذروته في الستينات حين أمّم الحكم صناعة السينما، وأنشأ “المؤسسة العامة للسينما لإنتاج الأفلام الروائية الطويلة”، وألحقها بالقطاع العام.

كانت الأفلام المصرية تدور خارج حواري المدن، ولم يخرج عن هذا التقليد سوى كمال سليم في فيلم “العزيمة” سنة 1939. في شتاء 1953، بدأ عرض “ريا وسكينة”، وفيه خرج صلاح أبو سيف إلى حواري الإسكندرية، وروى قصة العصابة التي ترأستها شقيقتان مصريتان احترفتا خطف النساء وقتلهن ودفنهن في أسفل المنزل بعد سرقة حليهن في مطلع العشرينات.

كتب أبو سيف سيناريو الفيلم بالاشتراك مع نجيب محفوظ، وخرج بفيلم تميز بطابعه الواقعي الذي لم يألفه الجمهور من قبل، فاتحاً بذلك عهداً جديداً في السينما المصرية. في العام التالي، قدم كمال الشيخ “حياة أو موت” الذي تميز بظهور الطفلة ضحى الأمير وهي تطوف في أرجاء القاهرة الحية بحثًا عن صيدلية مفتوحة لإحضار الدواء لأبيها المريض عماد حمدي، وقدم يوسف شاهين “صراع في الوادي” الذي حمل شعارات الثورة إلى “مهرجان كان” حيث حاز  اعجاب مدير المهرجان الأديب والسينمائي الفرنسي جان كوكتو، وقدّم عاطف سالم “جعلوني مجرماً”، راصداً الجريمة وأسبابها كما يوحي العنوان، وساهم هذا الفيلم في دفع القانون المصري إلى رفع السابقة الأولى من صحيفة التهم الجنائية. بعدها، تعاون توفيق صالح مع نجيب محفوظ في كتابة سيناريو وحوار فيلمه الأول “درب المهابيل”، وصوّر بأسلوب واقعي ساحر الحارة القاهرية البائسة التي يتنازع أهلها على ورقة يانصيب. ظهرت هذه الأفلام الجادة في فترة استمرت فيها حركة انتاج الأفلام “الترفيهية” الجميلة، كما في السنوات التي سبقت ثورة يوليو، ومنها الأفلام الأربعة التي لمع فيها عبد الحليم حافظ في مطلع حياته الفنية سنة 1955، وهي بحسب تسلسل تاريخ عرضها “لحن
الوفاء”، “أيامنا الحلوة”، “ليالي الحب”، ثم فيلم “أيام وليالي”.

ازدهرت هذه الحركة بعد تولّي عبد الناصر السلطة، وتمثل هذا الازدهار في سلسلة من الأفلام الهادفة التي جذبت العامة والخاصة على السواء. قدّم صلاح أبو سيف “شباب امرأة” سنة 1956، ثم “الفتوة” في 1957، وبعدها “انا حرة” و” بين السماء والأرض” في 1959، وهذه الأفلام تعتبر من كلاسيكيات السينما المصرية، وهي لا تزال حيّة في الذاكرة الجماعية. في 1958، قدم يوسف شاهين رائعته “باب الحديد”، كما قدّم “جميلة بو حيرد” الذي يُعتبر من أفلام الثورة الدعائية. وجاء هذا الفيلم بعد “رد قلبي” الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار في 1957، عن قصة مطولة ليوسف السباعي تتغنّى بالثورة وتمجدها من خلال قصة حب بين ابن الجنايني الذي يكدّ ليصبح ضابط شرطة وابنة أمير يقف في وجه هذه العلاقة النبيلة متمسكاً بالفوارق الطبقية، إلى أن تتفجر الثورة التي تسقط كل هذه الفوارق والمعايير، وتجمع بين “حكاية حب وحكاية شعب” كما يقول إعلان الفيلم. في 1958، أخرج هنري بركات رواية طه حسين “دعاء الكروان”، وجسدت فاتن حمامة في هذا الفيلم باقتدار آمنة، الفتاة الريفية التي تتمرد على العادات والتقاليد في صعيد مصر. واصل عاطف سالم مسيرته الفنية، وقدّم في 1959 فيلمين من أبرز أفلامه: “صراع في النيل” و”إحنا التلامذة”. في المقابل، حافظت السينما الرومنسية على بريقها في هذه الحقبة، وتجلت في سلسلة طويلة من الأفلام منها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي قام ببطولتها
عبد الحليم حافظ بين 1956 و 1959، وهي “دليلة”، بنات اليوم”، “موعد غرام”، “الوسادة الخالية”، “فتى أحلامي”، “حكاية حب”، و”شارع الحب”.

 

في الستينات، أدى تأميم صناعة السينما إلى انخفاض عدد انتاج الأفلام كما أدّى إلى انخفاض عدد دور العرض، لكنه ساهم في إطلاق سلسلة أخرى من أجمل الأفلام المصرية الهادفة وأهمّها. استعاد صلاح أبو سيف قصة نجيب محفوظ “بداية ونهاية” وقدمها في فيلم متين ومبهر سنة 1960، ثم استعاد قصة “القاهرة الجديدة” في 1966، وحمل الفيلم عنوان “القاهرة 30” منعا للالتباس، وفيه جسّدت سعاد حسني دور إحسان شحاتة، الصبية التي يدفعها الفقر إلى السقوط فريسة لوكيل الوزارة قاسم بك، والزواج الشكلي من الشاب الوصولي محجوب عبد الدايم، الصديق السابق لحبيبها المناضل علي طه. في العام التالي، خرج أبو سيف من القاهرة إلى الريف، وقدّم في “الزوجة الثانية”، قصة تحكي عن رغبة عمدة إحدى القرى في إنجاب ابن يورثه وبحمل اسمه، فيطمع في خادمته الحسناء، ويجبر عامله على تطليقها ليتزوجها جبرا، لكن “الزوجة الثانية” تستخدم الحيلة في إبعاده عنها، وتستمر علاقتها بزوجها سراً إلى أن تحبل به، فيصاب العمدة بالشلل عند علمه بحملها، ويموت قهراً. في المقابل، نجح كمال الشيخ في اخراج روايتين من أشهر روايات نجيب محفوظ، وقدّم “اللص والكلاب” في 1962، و”ميرامار” في 1967. وبين هذين الفيلمين، قدّم حسن الإمام بأسلوبه الذي اشتهر به رواية “بين القصرين” في 1964، ونقل عاطف سالم إلى الشاشة بأمانة كبيرة رواية “خان الخليلي” في 1966. كذلك، قدّم حسام الدين مصطفى رواية “السمان والخريف” في 1967.

بعد “دعاء الكروان”، قدم هنري بركات في 1961رواية احسان عبد القدوس “في بيتنا رجل”، ثم قصة يوسف ادريس “الحرام” في 1965، وفيه ابدعت فاتن حمامة في دور عزيزة، الفلاحة التي تتعرض للاغتصاب وتحمل وتخفي حملها، وحين تلد مولودها، تخاف أن يفضحها صراخه، فتقتله دون وعي وهي تحاول أن تسكته، ثم تعود منهكة إلى العمل، وتقع صريعة حمى النفاس. في ميدان السينما الناصرية الدعائية، يبرز فيلم “الناصر صلاح الدين” الذي اخرجه يوسف شاهين في 1963. أنتجت آسيا داغر هذا الفيلم الذي كلّفها مئتي ألف جنيه، وكان ذلك المبلغ أعلى موازنة توضع لإنتاج فيلم مصري، إلا أنه لم يحقق ذلك المردود المادي الذي كان متوقعاً له، بل إنه ألحق خسارة كبيرة بمنتجته. نجح الفيلم نجاحاً عظيماً في العالم العربي، غير أن هيئة السينما طالبت بالاحتفاظ بنسخ الفيلم للقيام بتوزيعه وتسويقه، لكنها لم تقم بتسويقه بشكل ملائم، ولم توزعه وفقا لخطة مدروسة، واحتفظت بإيراداته لنفسها، وأدت هذه الأسباب إلى إفلاس آسيا والحجز على بيتها وكل ما تملك.

شهدت الستينات ولادة جيل جديد من المخرجين، على رأسهم حسين كمال في أفلامه الأربعة: “المستحيل”، “البوسطجي”، “شيء من الخوف”، و”أبي فوق الشجرة “. وشادي عبد السلام في تحفته الفريدة “المومياء”. تبدّلت أحول صناعة السينما بسرعة بعد رحيل عبد الناصر في نهاية صيف 1970. في منتصف 1971، عمدت السلطة إلى تصفية “مؤسسة السينما”واستبدلتها بهيئة عامة تضم مع السينما المسرح والموسيقى، لكن هذه الهيئة توقفت الهيئة عن الإنتاج السينمائي الروائي، مكتفية بتمويل القطاع الخاص. فقدت صناعة السينما المصرية الكثير من بريقها في عهد السادات، وتمثل انتاجها المميز في عدد محدود جدا من الأفلام. في الثمانينات، دخلت هذه الصناعة عصر الانحطاط مع صعود موجة ما يُعرف بأفلام المقاولات، وهي الأفلام التي كانت تُعَدّ بموازنات ضئيلة ومستوى فني رديء، وذلك لتعبئة شرائط فيديو تُصدّر بالدرجة الأولى إلى دول الخليج.

في الخلاصة، تختلف الآراء في تقييم عهد عبد الناصر، وأغلب الظن أن هذا العهد لا يمثل “الزمن الجميل” على الصعيد السياسي، غير أنه يبقى أجمل عهود السينما المصرية وأغناها فنياً، ونحن لا نزال نعيش فيه “سينمائيا” اليوم، رغم كل الهزائم والأهوال التي تحيط بنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*