السيسي في مواجهة متاعب مصر

 

سليم نصّار
النهار
18112018

السيسي.

في شهر تشرين الأول (اكتوبر) من سنة 2013 أعلن الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما عن معارضته لسياسة مصر الرامية الى مطاردة أعضاء “الاخوان المسلمين” واعتقال المتعاطفين معهم.

وقد عبّر الرئيس اوباما عن امتعاضه واستيائه من النظام المصري الجديد بتأجيل المساعدات العسكرية للقوات المسلحة المصرية. وقد تضمنت تلك المساعدات حزمة من الأسلحة المختلفة بينها: 12 طائرة مقاتلة من طراز (F-16) وعشرين صاروخ من نوع (هاربون) و125 دبابة من طراز (ابرامز).

صحيح أن تجميد تلك الصفقة المجانية لم يتأخر تسليمها أكثر من ثمانية أشهر… ولكن الصحيح أيضاً أن القرار الاميركي السلبي دفع الجنرال عبدالفتاح السيسي الى إثبات شعبية سياسته من طريق خوض انتخابات الرئاسة التي جرت في أيار (مايو) سنة 2014. ومع أنه حصل على 95 في المئة من أصوات المقترعين، إلا أن الرئيس اوباما ظل مصراّ على موقفه حيال رئيس رفض توجيه دعوة رسمية اليه.

ولما وصل دونالد ترامب الى البيت الأبيض، قام بتعديل سياسة بلاده الخارجية، واعتبر مقاومة السيسي لـ”الاخوان المسلمين” جزءاً مكملاً لحملة مكافحة الإرهاب. وعلى الفور، أيّد وجود حاكم عسكري في مصر، الأمر الذي فتح باب الاتصال بينهما وشجع ترامب على توجيه دعوة رسمية اليه.

ولوحظ خلال زيارة السيسي لواشنطن أن الرئيسين تجاهلا موضوع حقوق الإنسان، كما تحاشيا في ردهما على الصحافيين التحدث عن المعتقلين وفي طليعتهم الرئيس المخلوع محمد مرسي. وكان واضحاً من خلاصة المؤتمر الصحافي الذي عقداه معاً أن الانسجام بينهما كان يدل على وجود عوامل إيجابية تؤيد دعم دور مصر في سيناء والخليج وبلدان افريقيا الشمالية.

وحدث عقب المجزرة التي ارتكبها أفراد ينتمون الى “تنظيم الدولة الإسلامية”، وراح ضحيتها أكثر من 300 مدني مصري في مسجد الروضة، أن هدد الرئيس عبدالفتاح السيسي باستخدام القوة المسلحة ضد هذه العناصر الشريرة.

وعلى الفور أيده الرئيس ترامب في خطوته الانتقامية، وأبرق له قائلاً: “إن شراً بهذا الحجم لا يمكن التغلب عليه إلا بالقوة العسكرية”.

ويبدو أن تلك الحادثة المروعة أثارت اهتمام الكونغرس الاميركي الذي كلف “مركز التنمية والاستقرار” في شيكاغو إعداد دراسة وافية عن هذا الموضوع.

وجاءت حصيلة الدراسة مخيبة لآمال الكونغرس والرئيس السيسي، كونها انتقدت استخدام القوة المسلحة كحل نهائي. وقالت الدراسة أيضاً إن استراتيجية القوة في سيناء ستجعل من هذه الصحراء مركزاً لإنتاج جيل ثانٍ من تنظيمي “داعش” و”القاعدة.” لذلك اقترحت معالجة مسألة الدولة الليبية، التي تسمح باستضافة هذه التنظيمات الإرهابية التي أسست فرع تنظيم الدولة في “ولاية سيناء.” وهذا ما شجع الرئيس السيسي على حضور مؤتمر “باليرمو” في ايطاليا مطلع هذا الأسبوع بهدف تسوية الأزمة الليبية.

وكانت فرنسا قد جربت إيجاد تسوية تؤمن الاستقرار لليبيا الممزقة بين كيانين وحكومتين. الأولى، حكومة فايز السراج الموجودة في طرابلس بتأييد من الأمم المتحدة، والثانية، حكومة موازية في الشرق يدعمها برلمان منتخب سنة 2014 وقوات مسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر. ولقد فشلت الحكومة الفرنسية في حينه، لأن الولايات المتحدة وايطاليا اعترضتا على المقترحات الفرنسية.

ويتوقع المراقبون أن يشكّل مؤتمر “باليرمو” منطلقاً لما وعد رئيس وزراء ايطاليا جوزيبي كونيتي تحقيقه. أي الاتفاق على خطة أساسية تساعد ليبيا وجاراتها على استعادة الأمن الداخلي لدولة عربية مهمة مزقتها الحرب الأهلية. ووصفت المحادثات التي أجراها السيسي مع مفوضة خارجية الاتحاد الاوروبي فيدريكا موغريني ومبعوث الأمم المتحدة الخاص غسان سلامة، بأنها مفيدة للطرفين. أي لجناح فايز السراج وجناح خليفة حفتر.

في هذه المناسبة، أعلن المبعوث غسان سلامة عن ضرورة إجراء انتخابات تساعد على توحيد البلاد. ولكنه طالب بعقد مؤتمر وطني مطلع السنة المقبلة، من أجل الاتفاق على نوع الانتخابات، وما إذا كانت برلمانية أم رئاسية!

الرئيس السيسي لم يكن مهتماً بنوع الانتخابات قدر اهتمامه بنزع سلاح الميليشيات وتوفير ترتيبات أمنية تبعد أنصار “داعش” و”القاعدة” عن سيناء.

والثابت أن هذين التنظيمين وجدا في ليبيا مرتعاً خصباً لإرهابهما اعتمداه بديلاً من فقدان العراق وسوريا واليمن. ولقد استغلا تفكيك النظام الذي صنعه معمر القذافي لافتعال مجازر في مختلف المحافظات.

وكان ملفتاً إصرار “داعش” على إرهاب الشعب الليبي، الأمر الذي دفعه الى إنشاء قوة شعبية سميت “البنيان المرصوص”، وهي قوة تابعة لحكومة الوفاق الوطني. وأهم ما فعلته في هذا المجال أنها منعت سيطرة “داعش” على المدن والبلدات الممتدة شرقاً وغرباً على طول 250 كلم من خليج “سرت” الى مدينة “مصراتة” التي تبعد مسافة 250 كلم شرق طرابلس.

بعد طرد “داعش” في آخر سنة 2016 من “درنة” و”سرت” انتشرت عناصره المقاتلة في صحراء سيناء. وخلال النصف الأول من سنة 2017 تم إبعاد تلك العناصر من ليبيا، خاصة في المنطقة الممتدة من جنوب سرت الى الجنوب الشرقي لمدينة “بني الوليد” حيث تكثر الوديان، الأمر الذي جعلها مكاناً مناسباً لاختباء الإرهابيين. وعندما حاولت قوات هذا التنظيم الاستيلاء على “حقل الظهر” النفطي بمنطقة “زلة”، تصدت لها قوات خليفة حفتر وأبعدتها. وهنا تدخل الطيران الحربي الاميركي ليشترك في المواجهة، ويساهم في شلّ قدرات “داعش” داخل ليبيا.

تشير المعلومات الى اهتمام السيسي بإقصاء الإرهابيين عن الساحة المصرية منذ سنة 2013 عندما كان يشغل وظيفة وزير الدفاع. ورغم النجاح المتواضع الذي حققه في عرقلة عمل التنظيمات الجهادية، إلا أن “داعش” بقي قادراً على شنّ هجمات ولو متقطعة ضد الجنود والشرطة ورجال الدين الأقباط.

وترى وزارة الداخلية المصرية أن جماعة “الاخوان المسلمين” هي التي تقف وراء عمليات التحريض ضد الأقباط، كونهم يمثلون قوة مؤثرة في الولايات المتحدة تعمل لمصلحة النظام الذي يرأسه السيسي. ومع أنهم لا يشكلون أكثر من عشرة في المئة من عدد سكان مصر، إلا أن ولاءهم لسيد العهد جعلهم هدفاً سهلاً للهجمات المتواصلة في القاهرة والأرياف.

وآخر عملية إرهابية استهدفت بعض الأقباط أثناء عودتهم من رحلة دينية أدت الى مقتل سبعة أشخاص وإصابة آخرين.

واختار الإرهابيون توقيت إفتتاح مؤتمر “منتدى شباب العالم” برعاية السيسي في محافظة شرم الشيخ لكي يعرقلوا كل مسعى لإنعاش القطاع السياحي في مصر. علماً أن السياحة تُعتبر من أهم مصادر الدخل القومي وأكثره ثباتاً. لذلك قامت وزارة السياحة بعقد ندوة استمرت أربعة أيام، حضرها أكثر من خمسة آلاف شخص يمثلون 160 دولة حول العالم.

بعد وقوع الحادث، بادر الرئيس السيسي الى إجراء اتصال هاتفي بالبابا تواضروس الثاني، ليقدم له تعازيه في الضحايا الأبرياء.

وبسبب اهتمام الدول العربية والإسلامية بسلامة الوحدة الوطنية في مصر، صدرت سلسلة إدانات واستنكار للعمل الإرهابي الذي استهدف حافلة ركاب أقباط.

وأدان العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز هذا العمل الإجرامي في برقية العزاء والمواساة التي بعث بها لرئيس مصر وشعبها.

كذلك صدرت عن الكويت ودولة الامارات والبحرين بيانات رسمية تشجب العنف والإرهاب وكل ما يمسّ باستقرار مصر ووحدة نسيجها الاجتماعي.

بقي السؤال المتعلق بالتدابير التي إتخذها السيسي، وما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في ضبط الأمن والاستقرار في مصر.

وهذا السؤال يقود الى فتح ملف “الاخوان المسلمين”، وما خططوا له خلال سنة حكم فيها محمد مرسي. وتقول المعلومات إن السيسي اكتشف عبر مراقبة خطوط هاتف الرئيس مرسي أنه يتآمر مع زعيم “القاعدة” لحل الجيش النظامي تدريجياً واستبداله بحرس ثوري على غرار ما فعل نظام الملالي في ايران!

وكتبت مجلة “إيكونومست” في عدد سابق تقول إنه على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي ظهرت في مصر بعدما حصل السيسي على ولاية ثانية بنسبة 92 في المئة، إلا أن رقابة الدولة على أخبار الصحف دفعت الشعب الذي تخطى عدده المئة مليون نسمة، الى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعويض عما يفوته من أنباء.

وتؤكد الصحف الأجنبية أن ظروف مصر قد تحسنت بعد ركود طويل أعقبه نمو اقتصادي مرتفع. إضافة الى هذا، فإن شركات التنقيب اكتشفت كميات كبيرة من الغاز الطبيعي يمكن استثمارها في بناء العاصمة الجديدة التي تشيّد في الصحراء الشرقية. وهي ثمرة دراسات وضعت من أجل تخفيف الضغط السكاني عن القاهرة.

عندما أمسك السيسي بمقاليد الحكم سنة 2013، توقع المواطنون ظهور نهج اقتصادي مختلف عن النهج الذي ساد في عهد حسني مبارك. ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن أسعار المعيشة ارتفعت بنسبة النصف تقريباً عما كانت عليه في السابق. وبسبب ازدياد عدد العاطلين عن العمل، شهدت خلايا “الاخوان المسلمين” أعداداً كبيرة من المتطوعين الذين يبحثون عن “لقمة العيش”.

ومن المؤكد أن هذه المسألة الشائكة ستكون في طليعة اهتمامات السيسي في حال تم تعديل الدستور لانتخابه مرة ثالثة. ولكن الأمم المتحدة مهتمة حالياً بنزع فتيل الحرب المتوقعة إذا تجاهلت اثيوبيا مطالب مصر ومضت في بناء “سد النهضة” وتحويل مياه النيل!

صحافي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*