اخبار عاجلة

“السيدة” تنتظر… “اهلا وسهلا بكم” في أرض الكبوشيين في عبيه

 

عاد ثلاثةٌ منهم فقط، ومعهم “السيدة”. في #عبيه (قضاء عاليه)، يفتح دير #الآباء_الكبوشيين ابوابه كل يوم، وترتفع صلوات الرهبان، “ع الوقت”، كما ارتفعت خلال مئات الأعوام. سنديان دهري، قناطر وحجارة مصقولة اثرية، زقزقة عصافير، هدوء وخشوع، ظلال عابقة بالتاريخ، اشجار وخضار على مرمى النظر، بحر شاسع في الافق، وابتسامات تضيء الوجوه. “نعم، انا مسرور جدا بان اكون هنا، من اجل اعادة اطلاق رسالة الكبوشيين في المنطقة. نعم الامر ممكن. وقد بدأنا الرسالة”، يقول رئيس الدير #الاب_اندره_رزق_الله لـ”النهار”.

 الخبر انتشر في الارجاء. والترحيب درزي ومسيحي. الكبوشيون عادوا الى عبيه، بعد 32 عاما من الغياب. وجاءت معهم السيدة، #سيدة_فاتيما. عندما خرج اهالي المنطقة الى الشوارع في 13 ايار 2017، فذلك لاستقبال “تمثالها اليوبيلي” الآتي ليستقر في دير عبيه. وتعالت الاناشيد المريمية في حنايا الجبل مع وصوله. انه التمثال الذي قدمته فاتيما الى#الرهبانية_الكبوشية قبل 500 عاما. وبفضل “مصادفات عدة”، تستقر السيدة “المرسلة” عند سفح الجبل… في الانتظار.

ارض الكبوشيين

قديمة جدا جذور الآباء الكبوشيين في لبنان. وترجع الى العام 1626، الى عهد الامير فخر الدين “الذي تعرف اليهم خلال نفيه الى توسكانا (ايطاليا)”، يروي الاب اندره. بين الواصلين منهم، آباء مهندسون، اطباء، خبراء في الزراعة. وبعد نحو 19 عاما (1645)، قدّم اليهم الامير ملحم، حفيد الامير فخر الدين، ديرا بناه في عبيه، وسُمِّي دير سيدة الانتقال.

ومنه انطلق الآباء في رسالتهم الروحية والانسانية في المنطقة، في ظل علاقات جيدة بالاهالي، خصوصا الدروز. في البداية، كان الرهبان فرنسيين، واهتموا بالتطبيب والاعتناء بالمرضى والفقراء والتبشير والزراعة والتربية. لكنهم أُجبروا نحو العام 1790 على الهرب، اثر اندلاع الثورة الفرنسية. فحلّ مكانهم رهبان ايطاليون اسّسوا مدرسة لغات. لكنهم أُجبروا على اقفالها العام 1845، اثر اندلاع اشتباكات طائفية في الجبل، استشهد خلالها واحد منهم، الراهب شارل دو لوريت.

وبعد عودة الهدوء الى المنطقة، طلب المسيحيون عودة الكبوشيين، يروي الاب_شارل_سلهب. “عادوا وفتحوا المدرسة حتى العام 1914، تاريخ اندلاع الحرب العالمية الاولى. ولكن بسبب التهديد التركي للفرنسيين عموما في تلك الفترة، اضطر الرهبان الفرنسيون الى المغاردة، حفاظا على سلامتهم، وأُخلي الدير من رهبانه. واستمرت مرحلة الفراغ نحو 4 سنوات، حتى انتهاء الحرب العالمية الاولى”.

آنذاك، قرر الكبوشيون فتح ميتم لايواء الاطفال اليتامى، قسم منهم اولاد ارمن وضعوا في بيت قرب الدير عرف بـ”بيت الارمن”. في تلك الفترة، بلغ مجموع الاولاد نحو 350. وللضرورات، حُوِّلت مدرسة اللغات مدرسة مهنية علمت الاولاد الحياكة والنجارة والحدادة والميكانيك والمحاسبة والسكريتاريا… وقربها اقيمت معامل للتطبيق. وقد خرجت آلافا على مر العقود.

في شباط 1984، تهجر الكبوشيون من ديرهم بسبب احداث الجبل. “هربوا بثيابهم، ولم يأخذوا شيئا معهم”، يتذكر الاب اندره. ولم يمكن انقاذ شيء من مقتنيات الدير، لا سيما ايقونة سيدة الانتقال من القرن السابع عشر. ونتيجة المصالحات في الجبل، استرد الكبوشيون ديرهم العام 2011. خراب كلي تحوّل خلال اشهر ديرا وكنيسة مرممين، جميلين. لكن المكان بقي خاليا من الرهبان حتى ايلول 2016. 3 رهبان ارسلتهم الرهبانية الى عبيه. الاب اندره رزق الله رئيسا للدير، الاب شارل سلهب نائبا للرئيس، والاب جوزف عزو.


“نعم الامر ممكن”

منذ 9 اشهر، فتح الدير ابوابه امام المؤمنين والزوار. الرهبان هناك على مدار الساعة. وفود تحج الى المكان للصلاة، قداس يومي صباحا، مسبحة وطلبة السيدة العذراء مع قداس السبت مساء، وقداس الاحد الساعة 11,00 ق.ظ. وكل 13 من الشهر، قداسان الساعة 11,00 ق.ظ والساعة 7,00 مساء.

ما يقرأه الرهبان في تاريخ الدير أبعاد روحية وانسانية عميقة. “طوال قرون عدة، شكّل هذا الدير حضور مار فرنسيس من خلال الرهبان الكبوشيين الذين جاؤوا ليكونوا رسلا ويخدموا ويبشروا بالسلام والمحبة، حتى ان واحداً منهم، الاب شارل دو لوريت استشهد (1845) خلال محاولته مصالحة المتنازعين في المنطقة”، يقول الاب شارل. ويستحضر “الرسالة الجميلة المتمثلة في فتح الميتم، بحيث امكننا كرهبان ان نعتني بآلاف الاولاد الذين اصبحوا رجالا لهم قيمتهم. ونفرح بأخبار تردنا عن عدد منهم كل فترة”.

الميتم خربة اليوم. المدرسة المجاورة مؤجرة للدولة، والمعامل لفظت انفاسها. حتى اليوم، لم تقرر الرهبانية خطة لتلك الاماكن. “لا نعرف بعد. القرار لم يتخذ بعد. هناك مجرد افكار. وننتظر قرار مجمع الرهبانية”، يقول الاب اندره.

(من اليمين: الاب شارل والاب اندره في بيت الارمن “الخربة”)

في انتظار القرار، يعود الكبوشيون الى رسالتهم الروحية. ما يتذكره الاب اندره عن الدير، قبل تهجير رهبانه، “حضور الهي لَمَسني في شبابي، بركة تمثلت في هذا الاهتمام باليتيم والفقير، وأيضا في التشجيع على الدعوات الرهبانية. 10 على الاقل ساهم الدير في تشجيعهم على الحياة الرهبانية”.

هذه العودة الثلاثية الى الدير، بعد 3 عقود من الغياب، تُسعد الرهبان. “انا سعيد جدا بإرسالي الى هذا الدير تحديدا”، يقول الاب اندره. “انه الدير الذي يعنيني أكثر من بقية اديرة الرهبانية. وانا مسرور بالمجيء الى هنا، من اجل اعادة اطلاق رسالة الكبوشيين في المنطقة. نعم الامر ممكن. وقد بدأنا الرسالة”.

(المنظر من الدير)

مصادفات…

رسالة روحية بامتياز. انها العذراء مريم، سيدة فاتيما التي “هزّت”، بتعبيره، عبيه والمنطقة، بوصولها الى الدير، لتسكن كنيسته. في 13 ايار 2017، دخل تمثالها عبيه بالترحاب، على وقع الاناشيد المريمية. وبين مستقبليه، وزير الطاقة سيزار أبي خليل، عضو اللقاء الديموقراطي النائب أكرم شهيب في مقدم وفد كبير من قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي في منطقة الغرب، النائب فادي الأعور، رئيس البلدية غسان حمزة، وحشد من الفاعليات.

وتحلقت الجموع حول عذراء فاتيما للاحتفال بالقداس في كنيسة الدير الذي أعلنه النائب الرسولي للاتين في لبنان المطران سيزار أسايان مركزا رسميا للحج والتبريك في سنة اليوبيل المئوي لظهورات فاتيما، والذي عرف من الاب اندره، لمصادفات الامور، بأمر التمثال قبل اشهر قليلة، وقرر مكانه المستقبلي. عبيه.

قبل ان يتم ما تم، كانت مصادفات اخرى عدة، او ما يسميه الاب اندره “تدبيرا الهيا”. وكلها ادت الى اختيار عبيه “لنقدم الى أمنا مريم معاناة الحرب الأهلية التي لا نزال ندفع ثمنها حتى اليوم، ولنعبر أيضا عن امنيتنا بالعيش المشترك السلمي والأخوي في بلدنا”، بتعبير أسايان.

من البداية، التقت كل هذه المصادفات حول هذا التمثال. لم يعتقد يوما الاب شارل ان الامور ستتخذ هذا المنحى. العام 1967، خصّ اسقف فاتيما المطران ليريا الرهبانية الكبوشية في بيروت بتمثال خشب للسيدة العذراء في الذكرى الـ50 للظهورات. “والتمثال طبق الاصل عن تمثال السيدة العذراء الموجود في كاتدرائية فاتيما”، وفقا للاب شارل، ويحمل توقيع النحات البرتغالي افيلينو موريرا فينهاس.

وبقي التمثال في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في باب ادريس وسط بيروت حتى العام 1978. مع اشتداد المعارك خلال الحرب، قصد الاب شارل الكاتدرائية لانقاذ ما يمكن. فحمل وثائق ارشيفية، وايضا تمثال سيدة فاتيما. “كان لا يزال في حالة جيدة. وتوجهت به الى دير الكبوشيين في البترون”. وهناك بقي نحو 33 عاما.

“المرسلة” الى عبيه

الاب اندره يعرف جيّداً التمثال. كل مرة دخل الدير في البترون خلال فتوته، رآه في “زاوية الصالون”. صار راهبا، ثم رئيسا للدير، وبقي التمثال في مكانه اعواما طويلة. وعند تعيينه رئيسا لدير صورات، لمعت صورته في باله. كان “يحرقصني”، على قوله. في تلك الساعة، عرف من الاب شارل قصته.

في 13 ت 1 2011، حمله مجددا الاب شارل، وهذه المرة الى صورات، حيث وُضع على عرش طوال 5 اعوام. وعندما عينت الرهبانية في آب 2016 الرهبان الثلاثة في عبيه، كان التمثال في الفكر. “كانت لدينا الفكرة نفسها. يجب ترميمه واعداده لسنة اليوبيل المئوي (لظهورات فاتيما)”، يقول الاب اندره.

في 22 آب 2016، وضعه الرهبان في عهدة الراهبات الكرمليات في كفرمسحون لترميمه. وبقي عندهن… حتى 12 ايار 2017. في مساء ذلك اليوم، دخل الى كاتدرائية سيدة حريصا، محمولا على الاكتاف، وكان مئات العشرات يشاركون في قداس احتفالي برئاسة المطران اسيان في مناسبة اليوبيل المئوي للظهورات. وفي 13 ايار، انطلق الى بلدته، الى عبيه. وخرج اهال لاستقباله من عاريا، مرورا بعاليه وبعض البلدات المجاورة.

(الاب شارل مع زائرتين في الكنيسة)

مع سيدة فاتيما “المرسلة”، بتثمالها اليوبيلي، يستعيد الآباء الكبوشيون رسالتهم في عبيه. عودة ترحب بها البلدة، بلدية واهالي، وايضا الجوار. “كما يقول المثل: “الام بتلم”، هكذا تجمعنا مريم في عبيه، من كل الاطياف والفئات. انها امنا. واهلا وسهلا بنا في بيتها، في ديرها”، يقول الاب اندره.

كل يوم، تنتظر سيدة الدير اولادها ليزوروها في ديرها في عبيه. عند سفح جبل يعلو 800 متر عن سطح البحر، تنظر الى بيروت وشواطئها ومطارها، في وقت يغرق الدير في صلاته. “كل المصادفات جعلتنا نكون اليوم في هذا المكان. وننتظر ما يريده الله منا هنا. اذا كان هذا مشروع السيدة العذراء، فنحن ادوات لتحقيقه”، يقول الاب اندره. بالنسبة الى الاب شارل، “المهم حاليا ان نستقبل جماعات المؤمنين ونساعدهم في الصلاة. ونحن باقون هنا للقيام برسالتنا الروحية على اتم وجه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*