السياسة النقدية إنقاذية للاقتصاد

 

19 كانون الثاني 2017

يجري الحديث في أوساط بعض القوى السياسية وفي التوقيت الخاطئ، عن تغيير لحاكمية مصرف لبنان لأسباب سياسية وليست تقنية اذ تخشى هذه القوى من بقاء رياض سلامة مرشحاً لرئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة لا سيما ان هذا الحديث يتم في ظروف اقتصادية ومالية صعبة، حيث يسجل النمو الاقتصادي معدلات ضعيفة تقل عن 1%. وتشهد غالبية مصادر الدولـــة بالعملات الاجنبيـة تراجعــات كبيــرة (الاستثمارات الاجنبية المباشرة اكثر من 45%، الصادرات اكثر مــن 35%، نمو الودائع بالعملات الاجنبية اكثر من 30%، المداخيل السياحية اكثر من 45%)، وحيث يواجه الوضع الداخلي تحديات تتعلق بالعقوبات الاميركية على “حزب الله”، ودول المنطقة اضطرابات أمنية وسياسية، والدول النفطية تقلصاً كبيراً في مداخيلها، وتركيا ومصر انهياراً لعملاتها.
يقتضي في هذا الاطار تحييد المخاوف السياسية عن التعيينات، إذ يعتبر حاكم المصرف المركزي في الظروف الاقتصادية والمالية الحالية ضمانة لنجاح العهد، وضرورة اقتصادية اذ يوفر الاستقرار الاجتماعي والمالي ويعزز الثقة ويجنّب البلد من المخاطر المحدقة به، نتيجة خبرته الواسعة وعلاقاته المالية الدولية التي ساهمت في العقدين المنصرمين في تحقيق الانجازات التالية:
– الحفاظ على الاستقرار النقدي رغم الاحداث السياسية والامنية والمالية الداخلية والعالمية التي شهدها لبنان وأبرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، العدوان الاسرائيلي، الازمة المالية العالمية.
اما الهندسة المالية التي قام بها مؤخراً، فإنها كانت ضرورية وايجابية لانقاذ الليرة اللبنانية من الانهيار الوشيك ولم تكن مطلقا تدميرية للاقتصاد. أما سبب القيام بها فإنه يعود الى انسداد الافق والحلول السياسية حينذاك، وتراجع غالبية المؤشرات الاقتصادية والمالية، وتسجيل ميزان المدفوعات عجزاً يفوق 3.5 مليارات دولار وتزايد الضغوط في سوق القطع بحيث باتت هذه العوامل تهدد استقرار الليرة في سنة 2017.
أما كلفة الهندسة المالية فإنها من دون شك مرتفعة، تحملتها ميزانية مصرف لبنان ولكن تجدر الاشارة الى ان طرح بعض كبار المصارف منتجات مالية في الاسواق بفوائد ومداخيل مغالاة فيها، شوّه من ايجابيات الهندسة المالية وتسبب بإرباك في الاسواق.
في المقابل، فإن تجارب الدول الاخرى في المنطقة التي اعتمدت سياسة نقدية مختلفة عن لبنان فإنها أخفقت في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية ما أدى الى انهيار عملتها، فتدهور الجنيه المصري لاكثر من 120% والليرة التركية لاكثر من 50% مع خسارة المودعين لايداعاتهم وتصاعد لمعدلات الفوائد وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور.
– تطوير وتحديث القطاع المصرفي وتنقيته وتعزيز موقعه الاقليمي والدولي، وتحصينه في جبه المخاطر الداخلية والخارجية ليصبح العمود الفقري للاقتصاد الوطني والمموّل الرئيسي للقطاعين العام والخاص. فارتفعت موجوداته من 13 مليار دولار عام 1993 الى 200 مليار دولار عام 2016، والتسليفات للقطاع الخاص من 3 مليارات دولار الى 55 مليار دولار.
تتضمن السياسة النقدية ملاحظات على صعيد معدلات الفوائد المرتفعة التي ساهمت في توجيه الاستثمارات نحو التوظيفات المالية ورفع تكلفة الانتاج، وعلى صعيد تحقيق المصارف أرباحاً خيالية اذ ارتفعت من 139 مليون دولار عام 1993 الى اكثر من ملياري دولار، وعلى صعيد ارتفاع سعر الصرف الحقيقي لليرة واضعافه القدرة التنافسية للقطاعات الانتاجية. في المقابل تجدر الاشارة الى ان غياب السياسات المالية للدولة، والموازنات العامة، والتشريعات المالية الضرورية (قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص) والتدابير الاصلاحية (الكهرباء، البنية التحتية)، والخطوات التحفيزية للنمو (القروض المدعومة، تشجيع الاستثمارات في اقتصاد المعرفة، دعم تأسيس الشركات الناشئة) وإنعدام الاستقرار السياسي والامني، تعتبر عوامل مسؤولة وضاغطة على السياسة النقدية وعلى تعزيز دورها.
في الخاتمة، تعتبر السياسة النقدية المتبعة إنقاذية لضمان نجاح العهد والحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي وهي لا تتعارض مع دعوة رئيس الجمهورية الاقتصادية، بل تتكامل معها لذلك يجب مواكبتها بسياسة مالية فعّالة وناجحة هدفها تكبير حجم الاقتصاد واصلاح المالية العامة لدعم استقرار الليرة بدل الاستدانة.

 خبير اقتصادي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*