الزواج المدني على الطريقة اللبنانية

 


محمود الزيباوي
|السبت05/05/2018

Almodon.com

ليلى بعلبكي

خلال حملته الانتخابية، تطرّق المحامي ووزير الداخلية والبلديات اللبناني الأسبق زياد بارود، إلى موضوع الزواج المدني الاختياري، وأعلن تأييده لهذا الزواج “ما دام لبنان يقبل تسجيل
الزيجات المدنية المعقودة في الخارج ويقبل بمفاعيلها”، وأضاف: “يجب ان يتوقف انفصام الشخصية القانونية”. في الواقع، يستمر هذا الانفصام منذ أن طُرحت المسألة للبحث سنة 1952، ويستمر السجال من حوله، ويتكرّر السؤال: متى تعترف الدولة بشكل واضح بهذا الزواج وتقرّه محليا؟


تزوّجت ليلى بعلبكي من أنطوان تقلا زواجاً مدنياً

في أيار/مايو 1965، طرح “ملحق النهار” هذه المسألة تحت عنوان جاء بصيغة السؤال، “الزواج المدني: عيب؟”، وجاء في المقدّمة: “تزوّجت ليلى بعلبكي (المسلمة الشيعية) من أنطوان تقلا (المسيحي) زواجاً مدنياً، فهل ارتكب أحدهما عيباً أخلاقياً؟ طبعا لا. لأن الزواج المدني ليس، كما تعتقد الأكثرية الساحقة في لبنان، عيباً أخلاقياً بل العكس: إنه من الأمور التي تخضع لقوانين وشروط قاسية لا يجوز لأحد أن يحلها أو يربطها ساعة يروق له ذلك. حتى اليوم لم يعترف لبنان رسميا بالزواج المدني بالرغم من أنه لو تحقّق صهر اللبنانيين على تعدد طوائفهم في بوتقة واحدة”.

توجّه الملحق بهذا السؤال إلى من يعمل على إحياء هذه الفكرة “بعد اخفاقها سنة 1952″، وكان رد السياسي والمحامي محسن سليم: “مما لا شك فيه ان المجتمع المدني بصورة عامة مجتمع راق ومتطوّر لا يقلّ عن المجتمعات الراقية التي طبّقت حتى الآن نظام الزواج المدني، ولكن مسالة تطبيق نظام الزواج المدني في لبنان لا تتعلّق فقط بدرجة تطور المجتمع اللبناني بقدر ما يجب ان يُعالج موضوعه بالنسبة الى انسجامه او عدم انسجامه مع بعض القواعد الشرعية المتعلقة ببعض الأديان. اذ المهم ليست الموافقة على مبدأ الزواج المدني الذي اعتقد بأنه حائز رضى وموافقة معظم الفئات، بل معرفة ان كان هذا النظام يمكن تطبيقه في الوقت الحاضر على المجتمع اللبناني أم لا”.

أشار محسن سليم إلى أن تطبيق نظام الزواج المدني يتعارض مع الشريعة الإسلامية التي تحرم على المسلمة ان تتزوج من غير مسلم، “وتعتبر ان هذا الزواج إذا تم باطل بطلاناً مطلقاً ولا يمكن الاعتداد به”، كما أنه يتعارض مع الشريعة المسيحية. لهذا تبدو “فكرة الزواج المدني فكرة جميلة ومصيبة، وهي نتيجة تطوّر، ولكن تطبيقها ليس بالهيّن في المجتمع اللبناني الحاضر، نظرا إلى ان الأفكار الدينية والمذهبية لا تزال متأصّلة في النفوس عند الكثرة الساحقة”. وأضاف: “مع تحبيذي لفكرة الزواج المدني، أعتقد بأن الفكرة يجب ان تقوى مع الأيام والسنين حتى يصبح من الممكن مع تطور الزمن البحث عن اخراج هذه الفكرة الى حيز الوجود بتشريع واضح يعطي المواطن اللبناني حرية عقد زواج مدني الى جانب العقد الذي يجريه امام السلطات الروحية او الشرعية”.


حنان الشيخ في لقاء الامام موسى الصدر

في المقابل، أشار المحامي ميشال غريب الى ان “الزواج المدني علماني، أي لا شأن لرجال الدين فيه، فتعقده السلطة الحكومية التي هي وحدها تنظر أيضا في مشاكل الزواج بين الرجل والمرأة، وهذا تطبيقا لمبدأ فصل الدين عن الدولة الذي اتبعته دول أوروبا كافة”، لهذا لا يسأل مأمون النفوس طلاب هذا الزواج عن طائفتهم الدينية. ورأى ميشال غريب انه “يُستحسن للبنان ان يتبع الزواج المدني الاختياري مع الإبقاء على الزواج الديني للراغبين، وذلك تطبيقا للمادة السادسة من شرعة حقوق الانسان”. وأضاف: “ان الفئة المثقفة في لبنان مهيّئة تماما لتقبل الزواج المدني بل تنتظره وتطلب به بإلحاح، انما هذه الفئة لا تشكّل أكثرية الشعب الذي ما زال يجهل كل ما يتعلق بالزواج المدني ويظن به سوءا، لذا نرجو من الدولة ان تنير الطبقات العامة على حقيقة الزواج المدني وفوائده”.

سجال

بعد أسبوع، تحت عنوان “الزواج المدني: نعم عيب”، عاد “ملحق النهار” ونشر رداً “مسيحياً” عنيفاً حمل فيه إسكندر راشد، على الأستاذين محسن سليم وميشال غريب اللذين “يحبذان الزواج المدني”، وقال: “أنا من الذين يعارضون الزواج المدني لأسباب عديدة تمس حياة الأسرة، وتحاشيها مزالق الحياة النكراء. ان الكائن البشري له كرامته كانسان، ولا يجوز جعله هكذا مقياس صفقة تجارية اتفق عليها بين طرفين، بعكس الزواج الديني وخاصة المسيحي الذي يعتبر الانسان على صورة الانسان ومثاله، ولا يمكن الحط من كرامته وامتهانه، لذلك نراه جعل الزواج سرا مقدسا له حصانته وصيانته”. مضى صاحب الرد في الدفاع على “حسنات ومعطيات الزواج الديني، وخاصة الزواج الذي لا يقرّ الطلاق”، وختم مداخلته بالقول: “أما ما يقال عن كون الزواج المدني هو دعامة وتقاربا بين الطوائف والأديان فكلام هراء وسفسطي لا يستند الى برهان معقول، وحجّته فيه واهية ركيكة، اذ متى كانت الأديان السماوية الصحيحة تنادي بالتباعد والتعادي والتفرقة بين البشر؟ اما تلك البغضاء وذلك التباعد والتنافر الذي نراه في الآونة والأخرى فما هو الا من صنيعة زعماء السياسة ودسائس الاستعمار”.

راج الحديث عن الزواج المدني في تلك الحقبة، وتحوّل الى سؤال يُطرح على مختلف رجال السياسة والدين في الأحاديث الاجتماعية. في أيار/مايو 1968، عاد “ملحق النهار” إلى هذه القضية، ونشر مداخلة حملت توقيع الأب نعمة الله سعادة الأنطوني، المحامي المدني والدكتور في الحق القانوني. رأى الكاتب ان الدولة تأسست “على تكتل ارادات انبثق عنها الدستور، والقاعدة الانتخابية هي الطريقة المعتمدة للتعبير عن هذا التكتل وتستند الى مبدأ الأكثرية، فسير الدولة يتم بحسب هذا النظام وتوضع شرائعها على أساسه في البرلمان”. جريا على هذه القاعدة، أقرّت الدولة الزواج الديني مكان الزواج المدني، ومن لا تعجبه شرائع هذه الدولة عليه “اما ان يعمل على تحويرها بالاستناد الى القاعدة الدستورية، أي بالتوصل الى أكثرية برلمانية تنظر نطره وتقرّ برأيه، واما ان يعقد لنفسه زواجا مدنيا خارجا عن لبنان فتطبق عليه بحسب مبدأ العقود العام احكام الشريعة التي عُقد بموجبها، واما ان يرحل الى بلاد ينسجم فيها”.

في خلاصة هذا الموضوع، اعتبر الأب نعمة الله سعادة “ان المؤمن ملتزم بعقيدته المنزلة قولا وفعلا، باطنا وخارجا، وحدة كاملة، وكل قول وعمل إيجابي ان من تشجيع، او تحبيذ، او دعاية بخلاف العقيدة ولو على سبيل المسايرة، يُعدّ مساومة على العقيدة وخيانة لها، كما هو الترويج للزواج المدني، ولو من اجل مساعدة الغير”. “وما دامت الأكثرية الساحقة حتى الآن هي بجانب الزواج الديني، وما دام هذا الزواج هو الأفضل في نظر أصحابه على الأقل فاعتماده من جهة الدولة عدل، ولا عتب ولا لوم على الأكثرية الساحقة المتمسّكة به”.


تزوجت الأديبة ليلى بعلبكي مدنيا من أنطوان تقلا في ربيع 1965، وشكّل هذا الزواج مناسبة لطرح هذه المسألة موضع البحث. وفي صيف 1968، تزوجت الكاتبة حنان شيخ من فؤاد معلوف، وكانت يومها صحفية لامعة تعمل في الحقل الإعلامي. في نيسان/ابريل 1969، أجرت حنان معلوف حوارا جريئا مع الإمام موسى الصدر نُشر كذلك في ملحق النهار، وفيه تطرّقت إلى مسألة الزواج المدني، وكان رد العلامة السيد: “الزواج الإسلامي يختلف عن الزواج عند المسيحيين حيث انه مثل جميع الاتفاقات، لكنه يكتسب طابع القداسة ويعطيه الشرع صفة مقدسة تسهّل صعابه وإنجاز التزاماته. ومن الممكن دخول الكثير من التطورات في الزواج الإسلامي عن طريق الشروط ضمن العقد. وعلى كل حال هناك شروط ثابتة وقوانين خاصة بالزواج مذكورة في كتاب الفقه”. عاودت المحاورة طرح السؤال من زاوية أخرى، وقالت: “هل توافق على ان من موجبات الرغبة في الزواج المدني هو الزواج الذي يحصل بين أبناء دينين مختلفين؟”. فأجابها الإمام الصدر بلباقة: “ان من يعترف بتوحيد الله وبنبوة السيد المسيح وصدق الأنبياء ويؤمن بأن محمدا رسول الله، يُعدّ مسلما يمكنه ان يتزوج من فتاة مسلمة، أما الشخص الذي لا يعترف بذلك فلا شك ان هناك نصوصا لا يمكننا تخطيّها”.

في واقع الحال، يمكن القول بان البلدان التي اعتمدت مبدأ فصل الدين عن الدولة أقرّت الزواج المدني الإلزامي، وجعلت من الزواج الديني مسألة دينية اختيارية فحسب. وفي لبنان، فشل دعاة الزواج المدني الاختياري في تمرير هذا الحق قانونيا، بسبب وقوف “الأكثرية الساحقة حتى الآن هي بجانب الزواج الديني” كما أشار الأب نعمة الله سعادة منذ خمسين سنة. لهذا السبب بالتحديد، لا يزال القانون اللبناني يعاني من “انفصام الشخصية القانونية”، فهو يرفض الزواج المدني محليا، لكنه “يقبل تسجيل الزيجات المدنية المعقودة في الخارج كما يقبل بمفاعيلها”، كما يؤكّد زياد بارود اليوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*