الزعيم والإنسان: فلاح.. نجار.. منجد.. و…

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
05082018

في حلقة أمس، تحدثنا عن حقيبة اليد التي لم تكن تفارق مارغريت ثاتشر، ولم نقل ماذا كانت تحمل فيها. حسناً. معظم الوقت كانت فيها أقوال من إبراهام لنكولن. ابحث في«غوغل» تحت سؤال: مَن أعظم رؤساء أميركا؟ كان لنكولن.
الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة كان الأكثر إنسانية وأخلاقية: في عز تجارة العبيد وذروة هذه الخساسة البشرية، قرر أنه لكل ظلم نهاية، ولو أدّى ذلك إلى حرب أهلية في البلاد. فالمسألة تستحق ذلك.
وُلد لنكولن (1806) في مزرعة يملكها والده في ولاية كنتاكي. وظل مزارعاً يحرث الأرض ويرعى المواشي حتى الحادية والعشرين من العمر. لكنه كان يقرأ كل ما وقعت عليه يده، ثم راح يدرس القانون على نفسه ليصبح من أنجح المحامين، وخاض معركة النيابة، ففاز. وقاد حركة التجدد في الحزب الجمهوري، وفي عام 1860 انتُخب رئيساً رغم المعارضة الشرسة لسياسته الداعية إلى إلغاء العبودية، يوم كان جزء كبير من الاقتصاد الأميركي (والعالمي) قائماً عليها.

استغل لنكولن براعته الخطابية في الدفاع عن قضاياه. وتحولت الكلمة التي ألقاها في مدينة غيتسبيرغ إلى دستور داخل الدستور. ولا يزال رؤساء أميركا وزعماء العالم يعودون إليها كلما تحدثوا عن القومية والمساواة والحرية والديمقراطية. وُلد أعظم رؤساء أميركا في كوخ خشبي من غرفة واحدة، وترحّل مع عائلته مزارعاً في الأرياف، يساعد والده في الفلاحة وفي أعمال أخرى كالتنجيد، والنجارة، وكان جيران أهله يشكون من كسله وحبه للقراءة والكتابة بدل الحقول. وإلى ذلك عُرف عنه قوته الجسدية وحبه للمصارعة.

لم تساعده تلك القوة في رد الرصاص الذي أطلقه عليه قاتل يدعى جون ويلكس بوث وهو يحضر إحدى المسرحيات، فيما كانت الحرب الأهلية في أواخرها. كان بوث ممثلاً معروفاً ورجلاً بلا أخلاق، مثل السفهاء الذين اغتالوا أولئك الذين في سلم العالم: المهاتما غاندي، جون كيندي، أنديرا غاندي، بنازير بوتو، مارتن لوثر كينغ، وأنور السادات.

أعطى ذلك المزارع، الذي أمضى في الدراسة الرسمية ما مجموعه 12 شهراً، أعطى تاريخ الولايات المتحدة برمّته بعداً آخر. ولو عاش، لاعتبر أن أهم إطراء تلقاه هو أن مارغريت ثاتشر تحمل أقواله في حقيبتها، لأنها لا تدري متى تحتاج إليها في مواجهة خصم أو دعم حليف. وقد اختلف الناس عبر التاريخ وفي أنحاء العالم، حول أسلوب وأخلاق وسلوك والنتائج التي تركها دعاة الحريات والتحرر، من الثورة الفرنسية إلى الثورة الروسية، لكن أحداً لم يناقض مكانة لنكولن في التاريخ الإنساني. تنافس الرؤساء الأميركيون حول من هو «الأهم»، من جورج واشنطن، إلى دوايت آيزنهاور. أما مرتبة «الأعظم» فبقيت للنكولن.
إلى اللقاء…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*