الرواية العربية وواجب تفكيك التاريخ

القدس العربي
من عبدالدائم السلامي
Oct 19, 2017

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: يذكر فيصل دراج في تقديمه لرواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني أن هناك فرقا بين منطق الكتابة التاريخية ومنطق الكتابة الروائية، حيث «تتمحور الأولى حول الوقائع والمجريات والسياق والتحليل، وتعطي للخصائص والمزايا الإنسانية دورا هامشيا، في حين تقلب الكتابة الروائية الأمر، وتجعل من الإنسان، في عالَميه الداخلي والخارجي، مبتدَأ الرواية ومنتهاها، إذ أن الرواية لا تكشف الواقع إلا في اكتشافها للإنسان، وفي استقصائها لتحولاته وتغيراته في زمن محدد تاريخيا، أو في زمن يمتثل إلى التاريخ ويتمرد عليه في آن».
وبغض النظر عن وجاهة الفروق التي أقرها دراج بين الكتابة التاريخية والكتابة الروائية، فإن ما يعنينا في قوله هو إشارته إلى علاقة الرواية بالتاريخ، من جهة ما يكون منها من امتثالٍ له وتمردٍ عليه. ذلك أن الامتثال للتاريخ والتمرد عليه سمتان ميزتا تعاطي الرواية العربية الموصوفة بـ«التاريخية»، إذ توزع كتابها إلى فئتيْن: فئة أولى مثلت طلائع الروائيين العرب الذين مالوا، لأسباب قومية وعقائدية ومحلية وفنية، إلى مزج أحداث التاريخ العربي الإسلامي، بما فيه من دسائس سياسية ومذهبية، بقصص أبطاله العاشقين وبطلاته العاشقات، في إطار تخييل شعري لم يغفلوا فيه عن ذكرِ مساوئ ذاك التاريخ. وفئة ثانية نزع أصحابها إلى التحرش بما جاء في مدونة التاريخ والشك في مضامينها، باحثين، عبر سبيل التخييل الناقد، عن المسكوت عنه فيها، وذلك في «محاولة ـ منهم ـ لملء وترميم تلكم الثغرات والفجوات وإبراز الهوامش المنسية، وإضاءة المناطق المعتمة بواسطة الفن» على حد قول الباحث سعد محمد رحيم.
أبرز مَن مثل الفئة الأولى هو اللبناني جُرجي زيدان (ت 1914) ، الذي يعده جمال الدين الشال «الرائد الأول في كتابة القصة التاريخية»، حيث انصب اهتمامه، في ما سُمي بـ«روايات تاريخ الإسلام»، على الفترة الإسلامية الممتدة من الفتح الإسلامي إلى دولة المماليك، ونشر في هذا الغرض اثنتين وعشرين رواية احتكم فيها جميعها إلى تقنية سردية تجعل قارئها لا يستطيع التمييز بين حقائقها التاريخية وحوادثها الوهمية. وقد توزع نقاد روايات جُرْجي زيدان، وفق ما أقرته الباحثة السودانية هويدا محمد الريح ملك، في دراستها التحليلية لرواياته المتصلة بتاريخ الإسلام، على فريقين: فريق أول يمتدح رواياته ويثني على جِدتها، على حد ما نجد له من صورة واضحة في قول طه حسين: «إن زيدان هو الذي نقل إلى الأدب مذهب (هكذا) من مذاهب الأدب الأوروبي هو القصص التاريخي». ويؤكد هذا الفريق، ومنه محمد يوسف نجم، قدرة جرجي زيدان على جعل «همه الأوحد عرض التاريخ العربي بأسلوب قصصي سهل، ليشوق العامة التي لا جَلَدَ لها على المثابرة والتوافر على دراسة التاريخ في مصادره».
وفي الشأن ذاته، يقول حسين أحمد أمين إن هذا الروائي كان «أكثر احتفالا بوقائع ومظاهر حضارة الإسلام (هكذا) في حقبه المتتالية، وأن عظمة زيدان تتجلى في التزامه الصارم بالحيدة إزاء الصراع الذي يروي أحداثه». ويرى أنيس المقدسي أن زيدان «يمتاز بأمانته التاريخية حتى أنه يذكر فيها مصادره كأنه يكتب تاريخيا لا رواية، ومهما قيل فيها، فإنها عمل روائي تاريخي ممتاز، ويحق لزيدان أن يلقب بإمام هذا الفن في أدبنا الحديث».
غير أن هذا المديح لأعمال زيدان، قابله استنكار لها من قبل فريق ثان من النقاد منهم محمود يوسف نجم الذي نادى بـ«وجوب الحذر من بعض ما يورد المؤلف من المعلومات التاريخية، ونبدي شكنا في قيمتها كمادة تاريخية معتدة … ولولا الاعتبارات الزمنية، لعددنا أكثر قصص زيدان أعمالا هزيلة». وهو معنى يصل فيه شوقي أبي خليل إلى حد اتهام زيدان بإثارة الشبهات حول تاريخنا الإسلامي ورجالاته في قوله: «يواجه تاريخنا العربي وأعلامه محاولة مدروسة دقيقة، لتزييفه وإفساده، وتمييع قيمه ومثله، وهي محاولة لم نشهد أخطر من سمومها وطعناتها ودسائسها، كل ذلك في عرض روائي جذاب شيق هدفه طرح أرضية تاريخية وفكرية واسعة لإثارة الشبهات حول تاريخنا وتراثنا وآدابنا ورجالاتنا. سموم حقيقية قُدمت إلى شباب جيلين في أمتنا العربية، عن طريق قصص تقوم على الحبكة الغرامية الخيالية، حملت عنوان (روايات تاريخ الإسلام) لجرجي زيدان».
أما الفئة الثانية من روائيي التخييل الناقد لأحداث التاريخ العربي بملامحه الدينية أو السياسية أو الثقافية، على غرار نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وبنسالم حميش وصلاح الدين بوجاه وغيرهم، فقد نزعوا إلى الشك في مضامين مدونة ذاك التاريخ، والبحث في مُضمَراتها عن المسكوت عنه فيها، والغاية من وراء ذلك هي السعي إلى كشف ما يَعْتَوِر الحقيقة التاريخية من نقاط مظلمة.
ولئن وجدنا لدى هؤلاء الروائيين مظاهر عديدة من «امتثال» رواياتهم لطُهرية مدونات التاريخ، والتعاطي معها بوصفها مدونات احتلت وأصحابها صفة القداسة، سواء من حيث فواعلُها أو من حيث مفعولاتُها، فإن ذلك لا يمثل إلا نتاجَ القراءة العجلى، أما القراءة المتأنية لتلك الروايات الموسومة بـ«التاريخية» فتكشف عن وعي كُتابها بواجب تفكيك تاريخهم العقائدي والثقافي والفني والاجتماعي ومواجهته بالسؤال، بل والإلحاح في السؤال على تبين ثغرات ذاك التاريخ وحدود ارتهانه في بناء معاني أحداثه بظروف عصره الدينية والسياسية والفنية بجميع إكراهات تدوينها، وذلك ليس من باب البحث عن الحقيقة في التاريخ، وإنما من باب تصنيع حقيقة له أخرى قد تجيب عن أسئلة الراهن، بل وتنتقد أحداثه. وبالتأليف يجوز لنا القول إن روائيي الفئتين المذكورتين، مهما نوعوا في طرائق استثمارهم لمدونة التاريخ العربي الإسلامي، ومهما تنوعت منجزاتهم بين تمجيد التاريخ والقول بزيفه، فإنهــم يتفقون جميعا على حقيقة أن في تاريخنا فجوات أهملها المؤرخون بتعمد منهم، أو لضعف آلتهم النقدية، وهي تحتاج منهم إلى ملء فراغاتها بالتخييل حتى يستقيم ظل معناها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*