الرفيق أحمد

روجيه عوطة|الخميس18/10/2018

Almodon.com

مصادفة أحمد قعبور في الشارع تحيل دائماً إلى فنه

 

من بعيد، تبدو بيروت مدينة طالحة، العيش فيها يترك أثراً قاسياً في المرء، فيحاول جاهداً أن يتخلص منه، فلا يكون مثلما أرادت له أن يكون: مجرد ناكر للخراب.
لكن، ومن بعيد أيضاً، يبدو في تلك المدينة قلة من الناس الذين قد لا يعرفون بعضهم البعض، وقد لا يتواجدون في الأمكنة ذاتها، وقد لا يهتمون بالشؤون عينها. الا ان ما يجمعهم هو أنهم لا يقبلون بالصحراء، ولا يسلمون بسرابها، يبقون كالأشواك في خواصرها، فيصنعون جوانبها المشرقة.

أحمد قعبور من هؤلاء، ليس لأن تخيل بيروت من دونه هو أمر صعب، بحيث انه خلق سردية غنائية عنها. بل لأنه، وفي حين طعنها في طلحها، يبقى مع تلك القلة، مؤمناً بأن الذي أحبه فيها ما زال حياً، وسيتقدم لاحقاً على موتها. ذلك أنه، وكأمثاله، يمنع المدينة من استكمال انتحارها.

مصادفة قعبور في الشارع تحيل دائماً إلى فنه، الذي لطالما سجل أعقاب هذا الشارع، من هبّته إلى تعبه، والذي لطالما برز فيه على محكّاته، من حوادثه إلى قضاياه. بيد أنه، وغير هذا التسجيل، يرفده بما هو غائب عنه، وربما، بما هو ممنوع عليه أيضاً، أي العزاء. فن قعبور يتشاطر الأسى مع آهلي الشارع. مع الذين، وحين يحصل تغير ما فيه، يقع عليهم. لكن أحداً لا ينتبه إليهم، إلا حين يضحون في عداد الجرحى والقتلى. لَهم، يشيد فن قعبور تمثالاً، وفي الكثير من الأحيان، لا يوضع الورد عليه.

العزاء هذا، هو ما يعمد مَغنى قعبور إلى تصويته، العزاء في ما يؤلم الشارع ومدينته، في ما أصابهما، ليس بسبب فقدانهما لما يسمى “الزمن الجميل” مثلاً، بل نتيجة انقطاعهما عن باقي البلد، ونتيجة انقطاع باقي البلد عن حاله، ونتيجة تقطع البلد كله. فقد كان جنوب قعبور واسعاً، يطاول كل منطقة بمأساته وببطولته، لكن هذا الجنوب سرعان ما سُجن. كانت “نجماويته” تطاول “أنصاره” (فريقا النجمة والأنصار)، لكن سرعان ما جرى تفريغ الملاعب. وكان “صوت الشعب” يذيع، لكن سرعان ما غدا حزب هذا “الصوت” من متملقي السفاحين، وإذاعته اختزلتها الخشخشة.

حمل مَغنى قعبور، لأنه اقترن، بعد السياسة، بالتلفزيون، بغية تأليف وتوصيل. بعبارة أخرى، كان صوته مرافقاً لصورة تريد أن تجمع أمامها، كسبيل إلى جمعها في مشروعها. تكاثرت الصور حول هذه الصورة، انتهى المشروع، لكن ذلك الصوت تمكّن من توليد وجدان عام. فكل أولاد جمهورية السلم الأهلي تعني لهم أغنية “صبح صباح” أو “علوا البيارق”. فقد طبعت أيامهم، قبل أن تذهب بهم آذانهم إلى سماع أغنيات أخرى مثل “إرحل”. استطاع هذا الصوت أن ينتج رابطاً في حين كانت كل الروابط مدمرة، واستطاع هذا الصوت أن يحث المجتمعين حوله إلى الإلتفات نحو تاريخ وخريطة نضال الماضي.

الإستماع إلى قعبور هو إستماع إلى مغنى مؤمن بقدرة الصوت على جمع المفرق والمقطع، وهذا، في بلد للمجهولين. من هنا، يبدو الرفيق أحمد، وبتوقيعه لألبومه الجديد “لما تغيبي” في عدد من المدن اللبنانية، مواصِلاً لما بدأ في مغناه وصوته، أي مشروعه وسياسته: إنشاء رابط بين الغرباء، الذين، وفي اشتداد ترحهم، يشكل عزاءً لهم. ليس سهلاً على المَغنى، وصوته، أن يكونا رابطاً. لكن، أيضاً، ليس سهلاً أن يكونا مواسيين من دون أن ينزلقا إلى الإنكسار، والخيبة، وأن يكونا مواسيين من دون أن ينزلقا إلى الإستيهام وإلى الأمل. ليس سهلاً أن يقدّرا المصاب بلا أن يلغيا فداحته أو يبالغا فيه. فإنشاء رابط بين مجهول وغريب، وتعزيتهما، هذا معنى من معاني الفن أيضاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*