الدولة – المخطوطة

جهاد الزين
النهار
13112018

بالنسبة لنا نحن أحفاد من ستنقلهم نتائج الحرب العالمية الأولى ونهايتها عام 1918 من رعايا في ولايات الامبراطورية العثمانية إلى مواطنين في دول متعددة جديدة كان احتفال باريس الرائع قبل ظهر أمس الأول الأحد، والذي زينته مقطوعة “بوليرو” للمؤلف الموسيقي الفرنسي موريس راڤِل، كان هذا الاحتفال ذكرى وجودية لنا ليس لها ما يعادلها في تاريخنا الحديث.

لولا هذه الحرب ما كنا لبنانيين وسوريين وعراقيين وأردنيين وسعوديين. ونقطة على السطر. ما كنا… ولا كانت إسرائيل. بلا أي إضافة.

لذلك كانت دعوة مانويل ماكرون لرجب طيب أردوغان لحضور هذا الاحتفال كممثل لدولة خسرت الحرب لا يقل في تاريخنا الشرقي أهميةً عن وجود أنجيلا مركل ممثلةً لألمانيا الخاسرة أوروبيا وعالمياً في ذلك الصراع.

بهذا المعنى كان رجب طيب أردوغان “يمثلنا” نحن أبناء الولايات العثمانية السابقة في احتفال الشانزيليزيه أمس الأول. ذلك التمثيل الشديد التعقيد رمزيا حين يتوحّد الإرث غير الموحّد في لحظة خاطفة بين موعدين يحضنان مائة عام: 11 تشرين الثاني 1918 و11تشرين الثاني 2018.

كان أردوغان على الأدق يمثل أجدادنا. وكان سيكون تمثيله “لنا” أقل ماضويةً وأكثر حاضريّةً ومستقبليّةً لو أنه لم يكن مجرد “سلطان” ألغى الديموقراطية في بلده تركيا، فانضمّ وانضمّت إلى سياق الشرق الأوسط الاستبدادي، بينما كانت تركيا الحصان الوحيد المحتمل في القرن الحادي والعشرين لمستقبل تصالحي بين الإسلام والحداثة.

في احتفال باريس، “عاصمة العالم” في الويك إند المنصرم، كان الشرق الأوسط العربي والمسلم حالة مضطربة ومشوشة بينما إسرائيل الجنين الأكيد للحرب العالمية الأولى الذي سيولد بعد الحرب العالمية الثانية، هذه الإسرائيل كانت حالة ثابتة وواضحة.

كيف يكون الأصيل غير مؤكد والطارئ راسخاً؟

هذا سؤال المائة عام الشرق أوسطي الأول بالنسبة لنا، أو أحد أسئلته الكبيرة جدا؟

في فرنسا وجوارها البريطاني أو العكس، كانت أقلام بعض السياسيين والضباط الخبراء في العشرية الثانية من القرن العشرين ترسم ما هو أكثر من مستقبلنا: مصيرنا. لقد قيل دائما وخطأً أن الاستعمارَيْن البريطاني والفرنسي رسما دول المنطقة. وهذا ليس كامل الصحة التوصيفية، بل يحتاج إلى تكملة: لقد رسما مجتمعاتنا الجديدة.

من دون تجليط: لولا نشوء لبنان الكبير لا وجود لهوية وطنية لبنانية. ولولا نشوء دولة سوريا (من مجموعة دويلات “فرنساوية”) لا وجود لهوية وطنية سورية. ولولا وجود دولة العراق (الفيصلية) لا وجود لهوية وطنية عراقية. تصوّر صدام حسين سورياً لو تكريت أُلحقت بسوريا بل حتما كان سيظهر في محيط دمشق.

صحيح أنهم وضعوا خرائطنا السياسية على جهود هائلة في بحوث علمية اجتماعية وسياسية وأنتروبولوجية وطوبوغرافية وثقافية ودينية كما في مسح لثروات الأراضي التي نقيم عليها. لا نفط من دونهم. لا اكتشاف لآثارنا من دونهم. أعطني اكتشافا حاسما واحدا لم يرتبط باسم عالم بريطاني أو فرنسي أو غربي؟ بهذا المعنى يسرقون آثارنا التي اكتشفوها هم وليس نحن. أكاد أقول، مع احترامي لباحثي”نا”، لا اكتشاف لغنى التراث الإسلامي من دونهم. أعني هنا عشرات ومئات الباحثين والمغامرين والجواسيس ثم الضباط الأوروبيين ثم الأميركيين الذين عملوا في مكتباتنا وعلى رفوفها في القرنين والثلاثة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. عثروا على مخطوطات وفكّكوا لغاتٍ ثم أسسوا دولاً بناء على معرفة بتاريخ وهويات المنطقة السابقة عليهم.

خلال مائة عام انشغلنا طويلاً في سؤال: نحن و هُم. اليوم وفي ظل هشاشات دولنا وهوياتنا علينا أن نقول: هم يعني نحن المائة عام.

لا بل السؤال الأصعب: هل بقيت أهمية لهذا السؤال فيما تُصارع أفضل نخبنا وأكثرها إبداعا منذ عقود، وهي محقّة، للالتحاق الحياتي والإنتاجي، ولاحقاً الهوياتي، ببلدان الغرب؟

كل “الربيع العربي” بات يمكن وضع جردة حسابه الوحيدة الإيجابية بعدد الباسبورات الألمانية والفرنسية والبريطانية والأميركية والكندية التي حصل عليها سوريون وعراقيون وليبيون ويمنيون “سابقون”، وخصوصا قادة “الثورات”. من سيحتسب بؤس الآخرين الذين تُرِكوا في جملة ما تُركوا فيه، وبتواطؤ لا فارق في نتائجه بين العجز والمصلحة، لأكثر أنواع الإسلام الأصولي توحّشاً؟

كل ذلك كان موجودا ودون إعلان على جادة الشانزليزيه أمس الأول الأحد.

صنعوا من “المخطوطات” دولاً، بعضها كان دولا واعدة في البداية، بجهود دؤوبة وعميقة. هل عادت دولنا الآن في طورها الانهياري الحالي، إن لم يكن بالأمن فبالاقتصاد، لتصبح “مخطوطاتٍ” يجري التنقيب عنها وفيها؟

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*