الدولة اللبنانية والمسألة الدينية: ثلاث مفارقات «فرنسية»

 


وسام سعادة
Jul 23, 2018

ثلاث مفارقات كولونيالية فرنسية لا تزال تطبع، على طريقتها، إشكاليّة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية والناس في لبنان. ربطها ببعضها البعض يمكن أن يضيء على أشياء تتصل بواقع الحال اليوم.
المفارقة الأولى بين نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، هي مفارقة القوة العلمانية الرئيسية ضمن «الجمهورية الثالثة» الفرنسية، كما يبرزها أحد أبرز رجالات تلك الجمهورية ليون غامبيتا. كان غامبيتا من ألد أعداء الإكليروس وبخاصة الرهبانيات في بلده، وعمل على طرد هذه الإرساليات، وبخاصة اليسوعيين وإقفال كلياتهم ومدارسهم في فرنسا، وردّد مراراً أنّ «الإكليروس هو العدو». في نفس الوقت، عمل غامبيتا وبشكل دؤوب على دعم الرهبانيات الإرسالية في الشرق، إذ أعتبر أنّ «مكافحة الاكليروس ليست سلعة للتصدير». كلّما كانت تتوجه الجمهورية الثالثة نحو العلمانية أكثر فأكثر، ونحو تمدّد امبراطوريتها الاستعمارية باتجاه الشرق العثماني أكثر فأكثر، كانت توضح أنّها لا تسعى لتصدير ثورتها الإنتي إكليركية إلى الشرق، بالعكس، تستعين فيه بهذه الرهبانيات الإرسالية، التي كانت من بعد إقفال أديرتها ومعاهدها ومدارسها في فرنسا قد استقرت في القاهرة وبيروت وتونس والجزائر، وكان لها في الوقت عينه دور ريادي في فتح المجال للتعليم الجامعي للطب والحقوق وإشاعة اللغة الفرنسية بين النخب، ودور منهجي في مواجهة رواد المنحى العلماني لعصر النهضة العربي.
علمانية «الجمهورية الثالثة» الفرنسية لم تكن مصمّمة للتصدير إذاً. بل ارتبطت بمفارقة «أنتي أكليروسية» في الداخل، وداعمة للرهبانيات الإرسالية التي نفتها بنفسها في الخارج. وليس صدفة هنا أن يكون ليون غامبيتا نفسه الذي سوّغ لهذه الازدواجية قد أرغى وأزبد أيضاً من أجل حرمان النساء من حق الإقتراع العام في فرنسا. اعتبر غامبيتا أن النساء ميّالات للدين أكثر من الرجال، وبالتالي إلى الإكليروس ورجعة الملكية، وإعطاءهن الحقوق السياسية فيه تهديد للجمهورية ونظامها وأسسها وقيمها! المنطق نفسه: علمانية «الجمهورية الثالثة» الفرنسية تعكّز على استبعاد النساء من ناحية، وعلى طرد الرهبانيات الإرسالية، وخصوصاً «التخلّص من الراهبات» ونفيهن في أشباه المستعمرات والمستعمرات، ثم الاستفادة من هذه الرهبانيات، وطبعاً من هذه الراهبات، في إطار السياسة الكولونيالية الفرنسية.
المفارقة الثانية. سيدة المنطرة، مغدوشة، شرق صيدا. 11 حزيران/يونيو 1911. عدد من وجهات مدينة صيدا، ومدير الريجي (ادارة حصر التبغ) يهرعون إلى المزار لمعاينة ظهور عجائبي للسيدة العذراء. يتقدم الجمع القنصل الفرنسي. قنصل الجمهورية الثالثة يخلط لغطاً كثيراً في ذلك الوقت. دولته كانت فصلت الدولة والمدرسة العمومية عن الكنيسة، من بعد طردها الرهبانيات الإرسالية جميعها الواحدة بعد الأخرى، وعلاقاتها مع الفاتيكان كانت مقطوعة، ومع هذا تراه يشهد على ظهور عجائبي. سبّب هذا الموقف كثيراً من التشنّج في الجسم الديبلوماسي الفرنسي في ذلك الوقت، إلا أنّه عبّر عن معادلة ظلّت قائمة حتى نهاية السلطنة العثمانية: لا علاقات ديبلوماسية بين السلطنة والكرسي الرسولي، وفرنسا، حتى لو خلعت عنها ثوب الكاثوليكية، إلا أنها تبقى حامي الكاثوليك ضمن السلطنة. كانت هذا طبعاً قبل سنوات على دخول الحليفين القديمين في الحرب الكبرى بوجه بعضهما البعض. في آخر هذا الدور الفرنسي ضمن الفضاء العثماني، كان قنصل الدولة العلمانية، بل المعادية للإكليروس بشكل محموم في ذلك الوقت، يشهد على ظهور عجائبي في سيدة المنطرة.
المفارقة الثالثة. 1926. الدستور اللبناني. المادة التاسع منه، ما زالت هي هي إلى اليوم. نص المادة: «حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية».
ليس هذا بنص سهل. إنّه نص عالي الالتباس ويرسم حوله دائرة تأويلية بإمتياز. ليس هناك دين محدّد لهذه الدولة، لكن في نفس الوقت المادة تذكر كما البداهة أنها «بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب.».. المشرّع الكولونيالي أراد دمج أشياء كثيرة وكثيفة في نص واحد. ليس أقلها أنّ للدولة «تأدية فروض» لله تعالى مختلفة عن جميع الأديان والمذاهب التي تحترمها. والدليل باقي المادة التي تكفل حرية إقامة الشعائر «على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام». بعيدون نحن إذاً عن المنطق الذي أصبح لاحقاً حيث النظام العام مشروع بعدم الإخلال بحرية إقامة الشعائر. هنا العكس، في هذه المادة يجري النظر إلى أنّ إقامة الشعائر يمكن أن تخرج عن النظام العام. الجمهورية الثالثة اللائكية الفرنسية كانت أنتي إكليركية في الداخل، ومحابية للإكليروس في سياستها الخارجية، لكنها كانت مزدوجة في صياغة الدستور اللبناني. زرعت فيه «عبادة الكائن الأسمى» المرتبطة بفترة الثورة الفرنسية إنّما بتورية حصيفة ومتقنة. ذلك أنّها جعلت علاقة الدولة مع الله مستقلة بذاتها عن علاقة الدولة مع الأديان والمذاهب في كنفها. شيء آخر يتوقف عنده ملياً المؤرخ والفقيه الدستوري إدمون رباط في كتابه عن «الدستور اللبناني» وهو أنّ المادة التاسعة، بخلاف العاشرة التي تتعلق بـ«حقوق الطوائف» في انشاء مدارسها الخاصة، ليس فيها ذكر لمفهوم الطائفة، بل لمفهوم الملّة، «الآهلين على اختلاف مللهم». تفسير ادمون رباط أنّ في تلك الفترة ما كان مجازاً بعد، في المجال الإعتقادي، الحديث عن طوائف إسلامية بالجمع، وإنّما عن ملّة إسلامية واحدة، في مقابل الملل الكتابية، لأن المادة كتبت في مرحلة إنتقالية من النظام الملّي العثماني إلى النظام الطائفي اللبناني، مع أنّها بقيت من دون أي تعديل إلى اليوم.
ليس للدولة اللبنانية إذا ما دخلنا في جوف المادة التاسعة إذاً من دين دولة، لكن لها علاقة إجلالية لله مستقلة عن الأديان والمذاهب، وهذه هي العلاقة التي على أساس تسوّغ المادة للدولة أن تحول دون إخلال إقامة الشعائر بالنظام العام. حرية الإعتقاد مطلقة أما حرية إقامة الشعائر فنسبية، هذا ما تقول المادة الدستورية المكتوبة في زمن الانتداب. حرية الاعتقاد نسبية أما حرية إقامة الشعائر فمطلقة، هذا ما عملت على «تشريعه» بحكم الأمر الواقع الطوائف ومؤسساتها الدينية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*