الدراما والتشويق في «الجبل بيننا» للفلسطيني هاني أبو أسعد

رامي أبو شهاب
Jan 02, 2018
القدس العربي

في فيلمه الجديد يسعى المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد في فيلمه «الجبل بيننا» إلى تبني منظور إخراجي ينهض على لغة استعارية، يتخللها الكثير من الحذف والإضمار المكتنز بالدلالات التي تفعّلها عدة عناصر إخراجية وأدائية، ولكنها تأتي ضمن سينما هوليوود الاحترافية، التي التحق بها أبو أسعد الحاصل على جائزة غولدن غلوب 2005 وجائزة برلين عن فيلمه «الجنة الآن»، الذي تناول قصة شابين فلسطينيين حاولا القيام بعملية استشهادية انتحارية، بالإضافة إلى فيلمه «يا طير الطاير» عن حياة المطرب الفلسطيني محمد عساف، الذي كان قلقاً، كونه لم يقم بأي إضافة حقيقية لهاني أبو أسعد، الذي تمكن من خلال فيلمه الأخير «الجبل بيننا» من تحقيق تحول حقيقي، لكون هذه التجربة تمثل تحدياً جديداً، من حيث قدرة المخرج الفلسطيني على أن يكون جزءاً من السينما الاحترافية العالمية.
ففيلم «الجبل بيننا» من إنتاج شركة  “20سنتشري فوكس”  وقد أوكلت إ خراج هذا الفيلم لمخرج لم يخض من قبل تجربة العمل في هوليوود رغبة منها في توفير رؤية إخراجية مغايرة للنسق المعتاد في إخراج هذا النوع من الأفلام، من منطلق قدرة أبو أسعد على تجسيد العوالم البينية القائمة على المتناقضات، كما حصل في فيلمه «الجنة الآن». ففيلم «الجبل بيننا»، وضمن بنيته العامة يمزج بين عنصرين: الدراما والتشويق، وإن بدا العنصر الثاني أقل حضوراً في الرؤية العامة للفيلم، على الرغم من المشاهد الأولى التي تتصل بمشهد سقوط الطائرة التي تقل بطلي الفيلم فوق إحدى المناطق الكندية النائية المكسوة بالثلوج، ولعل هذا التواجد لعنصرين بكثافة متباينة، أدخل الفيلم في شيء من القلق، وتحديداً قدرته على تحقيق هذا التوازن بين مفهومين نادراً ما يتجاوران بنجاح في فيلم واحد.
لعب الأدوار الرئيسية في الفيلم ممثلون يمتلكون تاريخاً سينمائيا حافلاً، وبوجه خاص كيت وينسلت بطلة فيلم «تيتانك»، وغيره من الأفلام. لقد استطاعت هذه الممثلة البريطانية أن تصنع لنفسها بصمة أو توقيعا خاصاً بها، يميزها عن ممثلات هوليوود، نظراً لأدائها الذي يتمتع بالحساسية العالية، فضلاً عن قدرتها على عكس نسق شعوري أو انفعالي خاص بها، وفي الدور المقابل لعب الممثل إدريس إلبا دور الجراح الذي توفيت زوجته بعد معاناة من المرض، إذ يبقى الطبيب – الزوج أسير هواجسه، كونه لا يستطيع تجاوز غياب زوجته التي عجز عن شفائها، على الرغم من أنه جراح شهير. هذا القدر الذي جمع بين «بن» الطبيب، والمصورة الصحافية «أليكس» التي تمتلك هي الأخرى إرثاً، وقلقاً من الفقد أو الموت، ولا سيما تلك المختزنة في ذاكرتها الإنسانية، بالإضافة إلى ذاكرة كاميرتها الخاصة نتيجة عملها مصوّرة صحافيّة في مناطق النزاع، أو الحروب. فالفتاة الجميلة التي تتجه إلى حفلة زواجها غير أنها تأخرت عنها نتيجة إلغاء الحجوزات، إذ تضطر لاستئجار طائرة صغيرة خاصة، ولكن بالتّشارك مع الطبيب «بن» الذي يسافر بهدف إجراء عملية جراحية لطفل في العاشرة من العمر، غير أن الطائرة تسقط بعد أن يتعرض ربانها إلى أزمة قلبية، لتبدأ رحلة النجاة والمعاناة، في أرض لا يكسوها سوى البرد الشديد، والثلج الأبيض الذي يؤدي دوراً دلالياً في خلق حالة من الحياد المبدئي، لتبدو هذه الجبال الخالية من الحياة متوائمة مع المحيط العام لأجواء الحكاية.
ولعل هذه السّعة في فضاء البنية الجغرافية الواسعة والموحشة، كما الشّديدة الخصوصية، تسهم في تكوين نسق من التوتر بين الإنسان والطبيعة من جهة، والشخصيتين بماضيهما القائم على مناطق غير واضحة، أو معتمة، وشديدة الخصوصية من جهة أخرى، وتحديداً الطبيب «بن» الذي يحاول أن يبقي مشاعره، وماضيه في منطقة مجمدة، غير أن أليكس المناضلة بهدف النجاة، تسعى لاكتشاف هذا الرجل وماضيه، فتنشأ حوارات تبدو مكثفة، وشديدة العناية من حيث تكوينها البنائي والدلالي، ما يسهم بتراجع إيقاع الفيلم على مستوى الأحداث في بعض المواقع، فضلاً عن بروز نمط من البطء يخالف ما افتتح به الفيلم من تسارع وتشويق، وهنا يتقدم إلى الأمام النموذج السّردي الوصفي على حساب الأحداث في بنية هذا الفيلم المأخوذ عن رواية لتشارلز مارتن.
لا شك في أن ‘أليكس» تبدو ظاهرياً امرأة متشككة في بعض الأحيان، وتعليل ذلك لعملها القائم على البحث عن الحقائق، فهي تكثر من الأسئلة، وإلى حد ما نزقة، ففي سعيها للخلاص من الأزمة التي يعاني منها هذا الثنائي، تؤمن إليكس بالتحرك والمضي والبحث عن وسائل نجاة، في حين أن «بن» يبدو أقرب إلى المتمهل، الذي يدرس خطواته بدقة، ففي أحد المشاهد تعبر «أليكس» عن عدم رغبتها بالموت متهمة الطبيب بأنه يخشى من المخاطرة، ولكن هذا المسلك من الطبيب له ما يبرره، لا سيما في لاوعيه، أو في ماضيه المتصل بوفاة زوجته حيث وقف عاجزاً عن إنقاذها. فعلى الرغم من أن إليكس هي من قامت بتوريط الطبيب بهذه الرحلة المشؤومة، غير أنه يتحمل العبء الأكبر في المحافظة على حياة أليكس، التي ينجح في نهاية الفيلم من تحقيق هذه المهمة، مما يعيده إلى التوازن الشعوري، ولكن الأهم من ذلك أن هذا الفعل يأتي في سياق الجبل الذي يأتي بوصفه معادلاً موضوعياً للعائق الفيزيائي والمعنوي نحو المضي للحياة، فالجبل يعني مجالاً للنزاع، أو النضال لتجاوزه بذاته، ولاسيما في هذا المدى الشاسع من الفراغ الأبيض الممثل بالثلج، فضلاً عن ذلك الارتداد والصدى لتراكمات الثلوج البيضاء، وما يتهدد حياتهما من مخاطر الموت برداً، أو جوعاً، أو افتراساً من قبل الحيوانات المتوحشة، إذن نحن أمام مستويين من التصنيف الدلالي، الأول النضال أمام البيئة القاسية، ولكن الأهم من ذلك كيف يمكن لذوات أن تتجاوز ماضيها، وتعلقها بحياة ماضية، ربما لن تستعاد إذا ما ماتا؟ وبهذا فإن الجبل بوصفه ماضياً يمسي قيمة معنوية، ما ينقلنا إلى المستوى الثاني، ففي الجبل ليس هناك سواهما، وبذلك فقد أمسى وجودهما يعني لهما كل ما يملكان، « ليس هناك سوانا». عبارة تكررت بين ثنايا هذا الفيلم، ومع مضي الأسابيع، يبدأ الجبل الجليدي بالتلاشي والذوبان، ولكنه ليس الجبل القائم بتكوينه الفيزيائي في كندا الشّاسعة، إنما أعني الجبل القائم بين ذاتيهما، ذات تلك الصحافية المخطوبة لرجل كان يُفترض أن تتزوجه في اليوم الثاني من الرّحلة، ورجل يعيش في ماضيه، يسكنه الإحساس بالعجز تجاه زوجته، هذا هو عالمهما الماضوي الذي شكّل لهما نقطة لا يمكن تجاوزها، وهنا تنشأ علاقة حب تتشكل عبر اللغة والصمت، وقسوة المكان وجماليته كل ذلك في آن، وتحديداً في ذلك الكوخ الذي يجمعهما فترة انتظار أن تتعافى «أليكس» من سقوطها في بركة ماء متجمد.
في الكوخ، يتلاشى نصف الجبل، وتصبح هذه الذوات رهينة وجودهما الطارئ، الذي ربما يتحول إلى نسق مفتوح بصحبة الكلب الذي لا يحمل اسماً، والذي كان تمثيلاً تعويضياً لغياب الوجود البشري، أو النسق الاجتماعي، وانسجاماً مع قوة الحياة التي تجمع بين هذه الذوات الثلاث، لتبدأ رحلة النضال للبحث عن وسيلة للنجاة بضغط من أليكس التي تفضل أن يغادر «بن» وحده للبحث عن وسيلة للنجاة كي لا تعيق تقدمه.
لا شك في أن هذا الدور الذي أنيط بالطبيب يأتي فعلاً تعويضياً عن ماضيه، وسلبيته تجاه ما ينبغي أن يقوم به، لقد اضطر إلى إنقاذ الصحافية بدءاً من لحظة سقوط الطائرة إلى لحظة نجاتهما، حيث يضطر إلى حمل الصحافية، وسحبها عبر الثلوج التي تعمل لونياً بوصفه نوعاً من الحياد، والبرود الشعوري، غير أن الطبيب «بن» الذي يضمد جراح «أليكس»، ويرعاها، يضيف شعوراً إنسانياً، ويحول المكان إلى عالم نابض بالحياة والدفء، لقد شكل حضور كل منهما للآخر نسقاً تعويضيا في غياب كافة المظاهر الإنسانية، لقد صنعت الطبيعة لهماً مجالاً أو مناخاً مواتياً لاستنهاض مصادر قوتهما، وأن يختلقا فلسفة خاصة بهما، تأتي من رحم هذا الوجود الإشكالي.
تبدو قصة الصراع من أجل البقاء واضحة ضمن التكوين البيئة القاسي- غير أنها تتصل بمستوى آخر، إنه أقرب إلى جوهر الإنسان، وتموضعه في الحياة، بكل ما تحملها من تناقضات، وبقايا الماضي، علاوة على التطلع إلى المستقبل، وهنا تكمن خصوصية الفيلم، من حيث المزج بين اللحظة الزمنية المتصلة بالحاضر الذي تصارع فيه كلا الشخصيتين للخروج منه بحثاً عن مستقبلهما المتمثل بالنجاة، أو المعنى الجديد للحياة متخففين فيه من الماضي، ولكن هذا الحاضر قد شكل أيضاً قيمة مميزة تتمثل في الحب والعطاء، واكتشاف كل واحد منهما للآخر، ولذاته، في حين أن المستقبل سيقود إلى مكون حتمي يعني انفصال كل منهما، ليعود إلى حياته الطبيعية، أو الخاصة بكل ما يكتنفها من برود – على الرغم من وجودهما في المدنية، والعمران والحياة الطبيعية- وهذا ما تجسد في مشاهد ما بعد النجاة، حينما تمكن الاثنان بنسق تضافري من الوصول إلى مصنع في وسط الغابة الثلجية والنجاة، لننتقل إلى مشاهد مميزة من الفيلم، وفي ظني أنها شكلت قيمة مضافة لطاقم العمل على مستوى الإخراج أو الممثلين، فقد بدت مختلفة عن الأجزاء الوسطى من الفيلم، فنحن إزاء لحظة تحديد موقف، ارتباك وتفسخ بين الرغبة بالانعزال عن التجربة الخاصة، أو الاتصال بالعالم الجديد (ما بعد النجاة)، لقد تزوجت الصحافية من خطيبها، وعاد الطبيب إلى عمله بعد أن التقى كلاهما في المستشفى ضمن مشهد غاية في التوتر والاتقان، وتحديداً مشاعر الطبيب «بن» و«أليكــــس»، فقد أتقـــن كل من كــــيت وإدريس في خلق نمط من الشيفرة الشــــعورية، خاصة في حضور «الخطـــيب» الذي لن يتمكن من فهم طبيعة العلاقة التي نشأت بـــين هذين الشخصين في الجبل، ما يضاعف ويجعل من المشاعـــر على امتداد ما تبقى من الفيلم ضمن لعبة من التعـــاضد، أو التداخل، أو ربما الانفصـــال، هي ثنائية الفصل والوصل أو معنى الصراع، الذي يطال النفـــس البشرية، وهكذا، ينتهي الفيلم في مشهد أخير، ولكنه بدا مألوفاً وشائعاً في سينما هوليوود كونه ينسجم مع النسق التقليدي للنهايات المرغوبة، ونقصد العودة لتحقيق التصور المنشود في وعي المتلقي، فحين يمضي الطبيب «بن» والصحافية « أليكـــس» كل منهما في منعطف أو طريق مختلف في المدينة، بيد أنهما سرعان ما يعودان للالتقاء، وتبديد الجبل الذي نهض بينهما.

٭ كاتب فلسطيني أردني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*