خلال احتفالية إعلان تدشين محور تنمية قناة السويس في شهر آب (أغسطس) عام ٢٠١٤، وقفَ الرئيس عبد الفتاح السيسي يلقي خطاباً بلهجة مليئة بالحسرة على الوضع الحالي الذي يعيشه الإعلام المصري، مستعيناً بالعصر الذهبي للإعلام كما يراه، قائلاً: «الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه». ثمة أشياء عِدة تغيرت في اللحظة التي ألقى فيها السيسي خطابه. شهدت مصر لحظة تغير في تعريف الإعلام ووسائله. لم يعد دور الإعلام يقتصر على الصحافة المطبوعة، والبرامج الحوارية والدعاية الإعلانية فقط، بل صارت القائمة تشمل كل ما تسمعه أذن المشاهد، وتراه عينه. انضمت الدراما التلفزيونية والسينمائية إلى قائمة أبواق خطاب الدولة.

محمد رمضان وسيّد رجب في «نسر الصعيد»

لم تعد الدراما المصرية تحمل فقط أفكاراً سياسية، بل أصبحت هامشية بجانب حضور رئيس لخطاب الدولة والتمجيد في بطولات مؤسساتها وأدوارها الطبيعية المرتبطة بالحفاظ على البلد. أصبح هناك تماهٍ واضح بين خطاب الدراما والإعلام، واعتُمدت الخطابة بمفهومها العام، مكوناً رئيسياً في الدراما وصناعة السينما والتلفزيون في مصر.
تصاعدت الوتيرة مع الوقت وفرضت الدولة سيطرتها بشكل كامل على وسائل الإعلام، سواء من خلال شراء وإطلاق قنوات فضائية، أو السيطرة على شركات الإنتاج من خلال تدخل قوى من مؤسسات الرقابة على السينما والتلفزيون. وآخر هذه الفصول تأسيس «لجنة الدراما» التابعة لـ «المجلس الأعلى للإعلام» إحدى مؤسسات تنظيم ورقابة الإعلام في مصر. وقد أصدرت اللجنة ما أطلقت عليه «معايير الدراما» التلفزيونية والإذاعية (راجع الأخبار 16/5/2018).
مع بداية الموسم الرمضاني، ظهر إحكام الدولة على الدراما التلفزيونية. بدا واضحاً الخطاب الذي تحاول تقديمه من خلال مسلسلين بالتحديد: «كلبش 2»، الذي يؤدي أمير كرارة دور الضابط فيه. ويذكر أن المسلسل في جزئه الأول لاقى نجاحاً جماهيرياً كبيراً خلال الموسم الرمضاني السابق. أما المسلسل الآخر فهو «نسر الصعيد» الذي يؤدي فيه محمد رمضان دور الضابط أيضاً. لا يبدو حضور ضباط الشرطة في هذا الموسم الرمضاني غريباً، فالأمر بدأ منذ سنوات، وتصاعدت الوتيرة، حتى أصبح حضور الدراما هامشياً في ظل الخطب التي تمتلئ بها المسلسلات عن بطولات مؤسسات الدولة، وخاصة جهاز الشرطة.
بدا أيضاً أن الخطاب الذي يمتدح بطولات ضباط الشرطة قد مرَّ بأطوارٍ عدة، يمكن رؤيتها في مسلسل «كلبش» الذي ظهرَ في جزئه الأول، ضابط الشرطة «سليم» (أمير كرارة)، مغلوباً على أمره، يعاني الظلم وتراكم النظرة الخاطئة لضابط الشرطة. حاول المسلسل في جزئه الأول التأكيد على رسم شخصية الضابط العادل، وتحطيم النظرة السائدة لجهاز الشرطة خلال السنوات الأخيرة.

تمتلئ الحلقات بالمواعظ الأخلاقية وخطابات التربية الوطنية

في الجزء الثاني، شهدت شخصية الضابط تغيراً، نتيجة تطور الأحداث والخطاب الذي تستخدمه الدولة. اتخذت الأحداث شكلاً آخر مرتبطاً ببطولات الدولة في محاربة الإرهاب والقضاء عليه. لم يعد الأمر محصوراً في سياق محاربة الفساد، باعتبارها صياغة درامية تليق بتسعينيات مبارك، لكن خطاب الدولة الحديث مرتبط اليوم بمحاربة الإرهاب، فكان على المسلسل مواكبة المجال العام، حتى لا يخرج من السباق الرمضاني، كما خرج الذين ضلوا خطاب الدولة.
في الحلقات الأولى، نشاهد تضحية ضباط الشرطة بأرواحهم في مواجهة الإرهاب، والحقيقة أننا لا نشاهدها، بقدر ما نشاهد كماً هائلاً من استعراض المخرج قدراته في تفجير وتحطيم كمٍّ هائل من السيارات، وتصوير عدد من المطاردات السريعة. بعد ذلك، تأتي خطب البطولة والتضحية، وهنا نرى التعامل مع الدراما باعتبارها جزءاً أصيلاً من الإعلام وتقديم وجبات سريعة من الخطابات الوطنية، حيث لا يترك المخرج مساحة لأي دلالات درامية. انحصار للدراما في مقابل إكمال فراغات خطاب الدولة الإعلامي.
المسلسل الآخر «نسر الصعيد» لم يبتعد كثيراً عن السياق، لكنه اتجه نحو فئة جماهيرية مختلفة. يؤدي بطولة العمل محمد رمضان، الذي طالما ذُكر اسمه من أبواق الحفاظ على الأخلاق والذوق الفني، كدليل على رداءة القيمة الفنية التي تقدم أخيراً. يومها، طالب المنتقدون الدولة بالحد من خطر أفلامه المليئة بالعنف وارتكاب الجرائم، واتجه بعضهم أحياناً لتحميل محمد رمضان أسباب انهيار البناء الأخلاقي للمجتمع، وزيادة نسبة الجريمة والعنف.
لكن بين ليلة وضحاها، تحول محمد رمضان من المثال السيئ في تدهور الذوق العام إلى مثالٍ وقدوة حسنة، على الشباب جميعاً الاحتذاء بها. هكذا تحول خطاب الإعلام نحو رمضان، الذي حقق حجم مشاهدات مرتفعة – وربما غير مسبوقة- مع مسلسله «الأسطورة» قبل عامين. تغيُّر الخطاب الإعلامي لم يكن نتيجة المصادفة، لكنه كان مصاحباً للصور التي نشرت في الصحف حيث يظهر رمضان مرتدياً الملابس العسكرية بعد دخوله الجيش لتأدية خدمته في بداية العام الماضي. أصبحت القنوات الفضائية والبرامج الحوارية تقدمه باعتباره قدوة حسنة، حتى إنّ أحد مقدمي البرامج ذهبَ لإجراء حوار والتصوير معه من داخل أحد معسكرات الجيش.
في «نسر الصعيد»، يؤدي رمضان دور ضابط شرطة صعيدي. تمتلئ حلقات المسلسل بالمواعظ الأخلاقية، وخطابات التربية الوطنية. بل إنّ صناعه وقعوا في أخطاء فنية ساذجة، تم تداولها أخيراً على صفحات التواصل الإعلامي. لا تبدو الدراما محوراً أساسياً في صناعة المسلسلات أخيراً في مصر، حيث لن تجد أبداً مبرراً درامياً في مشاهدة تدريبات قوات الجيش المصري خلال إحدى الحلقات، سوى أن نوعاً جديداً من الدراما تشهده الساحة الفنية، سواء كان ذلك نتيجة تفريغ المجال العام، كما يرى بعضهم، أو نتيجة سيطرة الدولة على الفضائيات، كما تشير بعض التقارير الصحافية.
مع تضاءل حجم القيمة الدرامية في مسلسلات رمضان وإعادة تعريف الدراما باعتبارها جزءاً أصيلاً من الخطاب الإعلامي، ومع توسع سلطات الرقابة الأخلاقية والوطنية من جانب مؤسسات الدولة على الأعمال الفنية، ربما تتحول المسلسلات المصرية بعد أعوام إلى دروس في التربية الوطنية، أو ربما يخرج أحد رؤساء مصر بعد عشرات السنوات، مشيداً بالإعلام الذي تمتلكه حالياً الدولة المصرية.