الحُكم والحكمة وعدد السنين

 

جلبير الأشقر
Dec 06, 2017
القدس العربي

«دُن لذريق: إني فَتى ما زلت، ولكن البأس في النفوس الكريمة لا يُرتهن بعدد السنين … أمثالي يبيّنون عن بأسهم بفتكة لا فتكتين ويأتون في التجريب ما لم يأته أولو التدريب.»
(بيار كورناي، السيد، ترجمة خليل مطران)
لو ظننّا أنه مولع بالمسرح الأوروبي الكلاسيكي لاعتقدنا أن وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عندما تولّى مقاليد الحكم بدءًا من وزارة الدفاع التي استلمها في كانون الثاني/ يناير 2015 وهو لم يبلغ سنّ الثلاثين، إنما استوحى من الكلمات المقتبسة أعلاه والتي وضعها أحد كبار الشعراء المسرحيين الفرنسيين في القرن السابع عشر، بيار كورناي، في فم الشاب لذريق (رودريغ)، بطل مسرحيته الشهيرة «السيد». غير أن صاحب السمو الملكي السعودي، لسوء حظه، قد أتى في تجاربه من الكوارث ما فاق أفشال أسوأ المجرِّبين. والحال أنه بدأ مآثره بعد شهرين فقط من تولّيه منصبه بتدخّل عسكري مرتجل في اليمن، اعتمد من أجله الفتك بواسطة سلاح الجبن المعاصر، ألا وهو القصف من الجوّ، عندما ينهال على أعداء لا يحوزون على دفاع جوّي مناسب. إنه السلاح المفضّل لما أسماه قبل ربع قرن أحد المعلّقين العسكريين الأمريكيين البارزين «الحرب ما بعد البطولية» . وهو السلاح الذي اعتمدته الولايات المتحدة في عدوانيها على العراق، مثلما اعتمده النظام السوري وعرّابه الروسي في حربهما على المعارضة السورية.
ومن ميّزات هذا السلاح الجبان أن من شأنه إسقاط أكبر عدد من الضحايا بين المدنيين والمقاتلين بدون تمييز أو يكاد، وإلحاق أكبر الأضرار بالمناطق المستهدفة، بأقل كلفة بشرية ومادية ممكنة (سوى تكلفة العتاد الحربي) لدى الطرف الذي يمارس القصف. فبدل الاكتفاء بدعم معسكر الحكومة اليمنية الشرعية بمستلزمات القتال، أتى القصف الذي قادته المملكة السعودية بأسوأ العواقب. وقد باتت حالة اليمن تشكّل أخطر كارثة إنسانية في عالمنا وزمننا الراهنين، مع سبعة ملايين من المهدّدين بالموت من المجاعة وقرابة مليون من المصابين بوباء الكوليرا. ومن سخريات المصير أن رجل الأعمال السعودي صاحب الثروة الطائلة، الوليد بن طلال، الذي يقبع حالياً في أول سجن «خمس نجوم» في التاريخ (بالمعنى الحقيقي للمرتبة الفندقية وليس المجازي)، كان قد أثار اشمئزازاً جماعياً عندما أعلن في بداية القصف السعودي لليمن أنه سوف يكافئ الطيّارين «الأبطال» بإهداء كل واحد منهم سيارة بنتلي (يبلغ سعر السيارة الواحدة حوالي مئتي ألف دولار).
بيد أنه تبيّن أن النظام السوري وعرّابه الروسي أكثر نجاحاً في استخدامهما السلاح الجبان من النظام السعودي وعرّابه الأمريكي. فحيث تتجه دمشق وموسكو ومعهما طهران إلى قطف ثمار انتصارها على المعارضة السورية، لم تفلح واشنطن سوى في تسليم العراق الشهيد لطهران، عدوّتها الإقليمية اللدود، بينما غرقت الرياض في رمال اليمن المتحركة. وبعد أن ظنّ محمد بن سلمان أن تدخّله المتعسّف في ذاك البلد الشهيد الآخر سوف يحقق نجاحاً باهراً في مدة قصيرة للغاية، تبدو الأمور بعد ما يناهز ثلاثة أعوام من التدخّل وكأن مصير شمال اليمن، في المستقبل المنظور على الأقل، أن يبقى تحت سيطرة حلفاء إيران الحوثيين.
وقد ظنّ محمد بن سلمان لوهلة قصيرة أنه نجح في قلب المعادلة اليمنية بواسطة سلاح الدولار الذي لدى مملكته خبرة في استعماله أطول بكثير من خبرتها في استعمال الأسلحة النارية، فاعتقد أنه تمكّن من شراء عليّ عبد الله صالح مرة أخرى بعد مرات، وأن انقلاب هذا الأخير على حلفائه المؤقتين الحوثيين، أعدائه حتى الأمس القريب، من شأنه أن يبدّل موازين القوى مع التحاق صالح بالتحالف الذي تُشرف عليه الرياض. وربّما ظنّ وليّ العهد أن ذلك سوف يفتح الطريق أمام التئام الائتلاف بين الرياض وأبو ظبي والقاهرة مع إخراج الإخوان المسلمين، الأعضاء في حزب الإصلاح اليمني، من التحالف. وقد كفى الحوثيين اغتيال صالح كي يقضوا على المشروع برمّته ومعه حلم بن سلمان بأن يحالفه النصر بعد طول انتظار.
وباغتيال صالح، بات سجل وليّ العهد الشاب حافلاً بالأفشال من عظيمها كالمأساة اليمنية إلى صغيرها كالمهزلة التي كان رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، نجمها بغير اختياره. وإذا صحّ أن «البأس في النفوس الكريمة لا يُرتهن بعدد السنين»، فإن السلطة بيد غير الحكماء سنّاً وفطنة إنما هي من أخطر الآفات.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*