الحضور العربي في سرديات الأندلس الأوروبية

لحظتان مميزتان تؤكدان استمرار التماس الحضاري الثري في العصر الحديث

رسم متخيل لسرفانتيس، صاحب «دون كيخوته»

د. سعد البازعي
الشرق الأوسط
05042017

استمراراً لما سبق أن تناولته في مقالة سابقة تحت عنوان «الأندلس: جزيرة
أوروبا العربية»، أتوقف هنا عند الأعمال السردية التي ألفت جسراً أوروبياً
آخر مع الثقافة العربية، الأعمال التي سبق أن أشرت إليها في المقالة
السابقة، وأضيف إليها هنا أعمالاً سردية معاصرة لتؤكد استمرار ذلك الجسر.
مجموعة الحكايات المعروفة بـ«ديسيبلينا كليريكاليس» (قواعد كهنوتية)، قامت
على مستوى مختلف بنشر الحكايات القادمة في جذورها من الاحتكاك بالموروث
العربي الإسلامي. تلك المجموعة من الحكايات الكهنوتية، التي قصد بها تعليم
القساوسة وإرشادهم إلى السلوك القويم، جمعها الإسباني اليهودي موسى
السيفاردي، الذي تحول إلى المسيحية في مطلع القرن الثاني عشر، بعد أن درس
في الأندلس وانتقل بعد ذلك إلى إنجلترا وفرنسا، مغيراً اسمه إلى بيتروس
ألفونسي، أو ألفونس، تيمناً بقديسه أو عرابه (بطرس) وملك أراغون (ألفونس).
تقول دوروثي ميتلتزكي في كتابها المهم «المادة العربية في إنجلترا العصور
الوسطى»، إن بيتروس، أو بطرس، كان أحد اثنين أسسا لحركة النقل التي حملت
الموروث العربي العلمي والفلسفي ثم الأدبي إلى أوروبا. الآخر هو قسطنطين
الأفريقي. كان بيتر، بتعبير ميتلتزكي: «رائد الدراسات العربية على التراب
الإنجليزي»، وتقارنه بأول الشعراء الإنجليز الكبار جيفري تشوسر الذي جاء
بعده بأربعة قرون. فمن بيتروس ومن قسطنطين جاء كثير من الخيوط والشخوص
السردية، إلى جانب المعلومات العلمية التي بثها تشوسر في مجموعته القصصية
التأسيسية في السرد الإنجليزي، «حكايات كانتربري»، التي نشرت أواخر القرن
الرابع عشر.
إننا نعرف كثيراً اليوم عن أثر ابن سينا وابن رشد والرازي وغيرهم، على
النهضة الفلسفية والعلمية في أوروبا، لكن القليل هو الذي يعرف أو يقال عن
دور كتاب مثل ديسيبلينا كليريكاليس في تطور الآداب الأوروبية، الكتاب الذي
سبق «ألف ليلة وليلة» بقرون وحمل إلى أوروبا ليس متعة الحكايات وخيالها
الواسع فحسب وإنما المعرفة العلمية التي كان تُنشد في كتب الأدب في أوروبا
العصور الوسطى مثلما كانت تنشد في كتب الجاحظ في العصر العباسي. يقول مترجم
الديسيبلينا من اللاتينية إلى الألمانية إن ذلك الكتاب قدم لأوروبا عالماً
لم تألفه في ملاحمها، قدم ثقافة مختلفة تتسم أولاً بغياب الرموز المسيحية
كالعذراء مع إبراز الحياة المدنية على حساب الحروب والعنف، التاجر بدلاً من
الفارس. كما أنه كسر مألوفية التراث اليوناني الروماني الذي طالما قدسته
أوروبا ورأته تراثها الوحيد. كتاب ألفونسي، الذي يقول أستاذ اللغات
الرومانسية الألماني كارل فوسلر إنه فيما يبدو كتب بالعربية أولاً ثم ترجم
إلى اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوروبية، كان بوابة أوروبا إلى ثقافة
مغايرة تشبه إلى حد ما، ما وجدته في ملحمة «السيد» التي تغيب عنها بعض
الشخوص النمطية في الملاحم الأوروبية. في الديسيبلينا استخدم المؤلف ثلاثة
مصادر عربية هي: مجامع الأمثال لحنين بن إسحاق (توفي 877) والمبشر بن فاتك
(توفي نحو 1020) وكتاب حول «مكائد النساء». ويعزو مترجم الديسيبلينا
الشعبية الواسعة للكتاب في عصره إلى الرغبة في معرفة ذلك العالم الأجنبي
الذي كانت تدور على حدوده الحروب الصليبية، أي الرغبة التي عرفها العالم
الغربي بعد أحداث تماس فيها العالم العربي والإسلامي مع الغرب كما بعد
الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).
تماس آخر بين أوروبا والعالم العربي الإسلامي، لكنه هذه المرة سلمي وطريف
إلى جانب كونه مميزاً، حدث في رائعة سرفانتيس دون كيخوته التي احتفت
بالموروث العربي من خلال الراوي الرمز سيدي حامد بننغلي، الموريسكي الذي
نسب إليه الكاتب الإسباني حفظ حكاية البطل الإسباني برمتها. فعلى طريقة
سرفانتيس الكوميدية الساخرة ولكن الجادة والعميقة في الوقت نفسه يقدم
سرفانتيس حكاية الفارس الإسباني الحالم بعصر الملاحم والبطولات القديم
بوصفها حكاية قومية كادت تضيع لو لم تحفظها مخطوطة عربية دونها ذلك
الموريسكي سيدي حامد لتترجم إلى الإسبانية فيقرأها الكاتب ويتيحها لقرائه.
ومع أننا أمام حيلة سردية بأسلوب سرفانتيس الساخر فإن الدلالات تذهب إلى
أبعد من ذك لا سيما حين يصف الكاتب الإسباني المؤلف العربي المزعوم بأنه
حكيم محمدي استضاء عقله بنور الطبيعة وكأنه فيلسوف يوناني، أي بالطريقة
التي فسرت فيها أوروبا المتشددة في تدينها المسيحي معرفة اليونانيين
بالحقيقة. فاليونانيون لم يعرفوا الكشف الإلهي أو يروا يسوع وإنما أضاء لهم
الله الحقيقة من خلال الطبيعة. وهكذا سيدي حامد، وكأنه ابن رشد أو الفارابي
لأوروبا العصور الوسطى. وتتضح رسالة الرواية الإسبانية التي يعدها الكثيرون
مؤسسة للفن الروائي في أوروبا حين تشير إلى ضرورة التسامح الديني وتقبّل
الآخر وذلك بسرد حكايات جانبية لمسلمين بقوا في إسبانيا وتعرضوا للاضطهاد
وأن من الضروري التعامل معهم برأفة. في تلك الحكايات، كما في حضور المؤلف
العربي، نجد لحظات تماس مع ثقافة الآخر، لحظات عبور منفتحة نحو الآخر تشبه
ما في «الديسيبلينا كليريكاليس» وما حدث من تطورات فيما بعد من خلال «ألف
ليلة وليلة» وغيرها.
في ختام هذه الإلمامة باللحظات الأولى للتماس العربي الأوروبي أود أن أقفز
إلى العصر الحديث للوقوف على لحظتين مميزتين أخريين تؤكدان استمرار التماس
الحضاري الثري من خلال الأندلس. اللحظة الأولى ترسمها بعض قصص الكاتب
الأرجنتيني، الإسباني اللغة، خورخي بورخيس الذي تفاعل مع الموروث العربي
الأندلسي وغيره على نحو لافت ليشكل جسراً آخر بين العرب والثقافة اللاتينية.
ففي عدد لا بأس به من قصصه كتب بورخيس عن شخصيات عربية لبعضها بعد
أندلسي-مغاربي لعل أبرزها ابن رشد في حكاية تتناول تعليقاته على أرسطو. هذا
إلى جانب استلهامه لـ«ألف ليلة وليلة» وغيرها من الأعمال والشخصيات.
إلى جانب بورخيس هناك أيضاً لحظة تأملها الباحث والمترجم العراقي كاظم جهاد
في مقالة نشرتها مجلة «فصول» المصرية عام 1992 حول الكاتب الإسباني خوان
غويتيسولو Goytisolo، وهو شاعر وروائي ولد في برشلونة عام 1929 ويقيم في
المغرب منذ أواخر التسعينيات. يقول جهاد إن غويتيسولو في بعض كتاباته
الروائية يمارس ما يسمى «الترجمة الداخلية» التي تشير إلى »كل ما يمارسه
كاتب داخل نصه من إحالات إلى نصوص أخرى، وأساليب أخرى، ولغات أخرى. عمل به
يستحيل النص إلى ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بـ«الترقيعة»، بمعنى
العمل المجمع الذي ينهل من مصادر كثيرة، مصرحاً بها دائماً، ويكتسب ما يدعوه
غويتيسولو نفسه بطبيعته ’الخلاسية’، ’المولدة‘، ’المبرقشة‘، ’المزيج‘».
يقول جهاد إن الكاتب الإسباني في روايته الشعرية دون خوليان وبعد انتقاله
للمغرب «يعيد توظيف الآثار العربية في المتخيل الإسباني ويفيد من تقنيات
الحكاية والسجع العربيين وإيقاع الكتابة العربية نفسه الذي يتنامى، كما لدى
كبار المتصوفة، في جمل ترتسم في دوائر متصاعدة تفضي إلى متاه». هنا يبدو
الوضع وكأن روائياً إسبانياً آخر يستعيد إلى الذاكرة الأوروبية ما كادت أو
ربما ما أرادت أن تنساه؛ أي التراث الذي ابتدأ بالملاحم والحكايات ودون
كيخوته وشعراء التروبادور (الذين يشكلون لحظة مهمة أخرى لم يتسع المجال
للتوقف عندها).
رواية غويتيسولو إلى جانب أعمال بورخيس من اللحظات الأحدث في سلسلة اللحظات
التي وقفت عندها في ملاحظاتي هذه والتي أرجو أن تكون قد أضاءت جوانب ليست
في تقديري بالوضوح الكافي لدى البعض أو لم تحض بالدرس الذي تستحق، وهو درس
يصعب تصور ازدهاره واستمراره دون عناية بالدراسات المقارنة التي ما تزال
هامشية الحضور في الكثير من أقسامنا الأدبية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*