الحزب أو الدولة: من يحصد معركة عرسال؟


روزانا بومنصف
النهار
03082017

أحد أبرز الاسئلة التي يمكن أن تستدرجها تطورات الايام الماضية على صعيد لعب الدولة اللبنانية ممثلة باللواء عباس ابرهيم الدور الاساسي في ترحيل مسلحي “النصرة” وعائلاتهم الى ادلب والذي يرجح سياسيون ان يطرح في جلسة مجلس الوزراء التي تعقد اليوم، يتصل باسباب قبول السلطات اللبنانية اجراء تفاوض حصل بالتأكيد مع النظام السوري من اجل ترحيل ارهابيين، فأرسل النظام باصاته لنقلهم، في حين تتمنع السلطات عن القبول بمفاوضة النظام من اجل اعادة اللاجئين. فاللواء ابرهيم كشف انه تحرك في إدارة هذا الملف بتكليف من رئيس الحكومة سعد الحريري، فيما تردد أن نقاشا كبيرا كان يدور في الكواليس حول هذا الموضوع. وهناك سياسيون كثر، حين تحدثوا عن موضوع اللاجئين ازاء مطالبة البعض بالتفاوض مع النظام، طلبوا أن يكلف اللواء ابرهيم اجراء الاتصالات مع النظام باعتباره القناة الامنية التي كانت معتمدة طوال الوقت والتي يمكن اعتمادها مجددا. من يحصد هذا المكسب تاليا؟ هل هو الحزب أم الدولة اللبنانية؟ وفي خانة من يسجل هذا الاستثمار؟

هذه ليست الاشكالية الوحيدة التي يمكن أن توظف في اطار التطورات الاخيرة فحسب، بل هناك مجموعة اشكاليات تثار على قاعدة الارتباك الداخلي الكبير الذي حصل على أثر مبادرة الحزب الى فرض اجندته في معركة الجرود وخروجه كاسبا كبيرا منها في العناوين الكبيرة، أي تحرير الارض من المسلحين المتطرفين وإعادة جثامين عناصره او استعادة اسراه بغض النظر عن تفاصيل اخرى مربكة له، وفق ما يكشف مطلعون، إزاء الخسائر غير الكبيرة للطرف الآخر وخروجه الى مناطق نفوذه. والارباك اذ يتصل في شكل اساسي باركان الدولة الذين لا يستطيعون تبني معركة الحزب، بمن فيهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون باعتباره مؤمنا بأن الحزب يقوم بحماية البلد كما سبق ان قال في محطة اساسية سابقة، فإنه طاول على نحو كاشف كلا من رئيس الحكومة سعد الحريري قبيل زيارته لواشنطن وفي أثنائها، كما الجيش اللبناني الذي يبدو كأنه تم توريطه ليكون دوره مكملا لمهمة تقع على عاتقه في الاساس، وهو ما أثار استياء خارجيا كبيرا ازاءه، وان لم يثر هذا الاستياء على نحو واضح او علني في الاعلام. وعلى هذا الصعيد بالذات، الاشكالية الاساسية أن تكليف اللواء ابرهيم، وهو من هو من موقعه الرسمي، انما يبدو كما لو ان السلطات او الحكومة اللبنانية تترك ملف ادارة العلاقة مع سوريا او مع النظام في الواقع الحالي للطائفة الشيعية من دون سائر المكونات اللبنانية. وهذا يفترض ان يحسب حسابه في مقياس الكلام عن دور الطائفة الشيعية او نفوذها في البلد، وازاء ارتباك كل الافرقاء السياسيين في امكان التعامل مع سوريا بوضعها الحالي ام لا. وليست الاشارة الى هذه النقطة من باب اثارة كلام طائفي، لكن الواقع السياسي في البلد هو ما عليه في ظل ارتباك وقع فيه خصوم الحزب السياسيون، أكان ما اتصل بـ”تيار المستقبل” مثلا او ما اتصل بـ”القوات اللبنانية”، وقد وقف الاثنان موقفي نقيض مما حصل على نحو يظهر ليس تباعدا في اجندة حليفين مفترضين، انما تناقضا، على رغم التقاء كليهما من حيث المبدأ على انتخاب العماد ميشال عون. والاشكالية الاخرى التي تبرز في هذا السياق هي من شقين: الاولى تفترض تقويما دقيقا للواقع السياسي لئلا يكمل الافرقاء اللبنانيون ممارسة السياسة من موقع رد الفعل لا الفعل، والمساهمة في اضعاف مواقف بعضهم بعضا نتيجة التشرذم الكارثي كما برز في موقفي حليفين سابقين. ويفترض بذلك ان يعني حلفاء الامس في “المستقبل” و”القوات”، لكن ايضا اذا كان ذلك ممكنا في الحكومة او ضمنها. وهنا يعتبر كثر انه ينبغي ان يكون تقويم للتفريط المستمر بما تبقى من امر كان قائما يوما ما في 14 آذار. في حين انه على صعيد الحكومة، لا يمكن ان يلام سعد الحريري على موقف لم يتصد فيه للرئيس الاميركي دونالد ترامب حول “حزب الله” مثلا، باعتبار أت الحزب لم يسأل رئيس الحكومة قبل ذهابه الى معركة عرسال. لكن في الشق الثاني، فإن تقويما موضوعيا يجب ان يتم للامور من منطلق عدم الاكتفاء بابداء ردود فعل انفعالية ليس الا، من دون وجود خطة سياسية واضحة تجمع حول الحد الادنى من المقومات ان لم يكن في الحكومة فلدى افرقائها الاساسيين على الاقل.

الصورة التي برزت من التطورات الاخيرة لم تظهّر هشاشة وضع سياسي هو هش اصلا ولم تصلحه اعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية، بل خلط اوراق على وقع مصالح متضاربة لا يبرز من خلالها سوى مايسترو واحد هو “حزب الله”، أقله على صعيد الداخل. وهو أمر يستتبع تساؤلات على وقع توقعات او معطيات تفيد بأن البلد متروك لواقع القوى التي تفرض نفسها، وهي تفتقد أي معطى خارجي إيجابي بما في ذلك زيارة الرئيس الحريري لواشنطن ودور الولايات المتحدة المستعاد في المنطقة. فعلى وقع الارتباك في البيت الابيض، وفي غياب سياسة خارجية واضحة للادارة الاميركية، فإن كلام وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون عن ان انسحاب ايران من سوريا يعتبر شرطا ضروريا للتسوية او ان لا مستقبل لبشار الاسد في مستقبل سوريا، لا يحصل على الصدقية اللازمة للبناء عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*