اخبار عاجلة

الحريري “نقزان” من السعوديّة وهي “نقزانة” منه!


سركيس نعوم
النهار
04072018

أسبابُ إخفاق وارث الرئيس الشهيد الرئيس رفيق الحريري في السياسة والأعمال يُمكن تلخيصها بأربعة في رأي مُتابعي المسيرة الحريريّة منذ بدايتها، الأوّل هو طبعاً تقسيم التركة بين الأبناء أي الأخوة، ومعهم الوالدة. والثاني هو انشغال الذي صار صاحب حصّة كبيرة في شركة “سعودي أوجيه” أو ربّما الأكبر في العمل السياسي داخل لبنان. وهو ليس سهلاً على الإطلاق بسبب الانقسامات الحادّة والدائمة بين الشعوب اللبنانيّة ذات الطابع الطائفي والمذهبي، كما بسبب التدخُّلات الواسعة الإقليميّة والدوليّة فيه بحيث أصبحت كلّ طائفة أو مذهب كُليّاً أو جُزئيّاً مُمثِّلاً لجهة إقليميّة نافذة عربيّة أو مُسلمة وذات علاقة مميّزة مع القوى الدوليّة الكبيرة والعُظمى. ودفعه الإنشغال هذا إلى إيكال العمل الفعلي في الشركة العملاقة المُشار إليها ومُتابعة مشروعاتها والأعمال الأخرى سواء ارتبطت بها أم لم ترتبط إلى الكادرات العالية من العاملين فيها ومنهم من يمتّ إلى العائلة المؤسِّسة بصلات نسب. والثالث هو غياب الرقابة والمُتابعة من مالكي الشركة وخصوصاً الكبار منهم. وأطلق ذلك حريّة العمل للذين أوكلوا إليهم العمل بدلاً منهم، وفي غياب “صاحب الرزق” كما يُقال يتصرّف الموظّفون والمسؤولون على هواهُم، وتنطلق الرغبات والأهواء والطموحات والأطماع، كما تغيب المحاسبة والمراقبة، ويستفيد الجميع من “طيبة قلب” المالكين وأوّلهم الحريري ومن ثقته المُطلقة بهم، ومن انشغاله كما من عدم اهتمامه الفعلي لأسباب عدّة لا داعي للخوض فيها. علماً أنّه كان في إمكانه وفي أثناء ابتعاده “القسري” ذي السبب الأمني عن لبنان وإقامته قرابة أربع سنوات في المملكة العربيّة السعوديّة ممارسة دوره ومُتابعة أعمال الشركة ومُحاسبة الذين أثروا منها، كما الذين أفقدوها سمعتها سواء لعدم الاهتمام بمعايير الجودة أو للفشل في التنفيذ والتسليم في الأوقات المُتّفق عليها خطيّاً. أمّا السبب الرابع فهو عدم نجاح الحريري في ترتيب أوضاعه وأوضاع الشركة في أيّام الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان يكُنُّ له الحبّ والعطف، وكان يدعوه بـ”يا ولدي”، والذي لم يُقصِّر في مدِّه بالمساعدات لإنقاذ الشركة ولإبقاء وضعه السياسي – الشعبي في لبنان على ما كان عليه أيّام والده. وهو أيضاً حلول شقيقه الملك سلمان مكانه بعد انتقاله إلى جوار ربّه ومعه نجله الأمير محمد بن سلمان الذي صار وليّاً لعهده. طبعاً يعرف الملك لبنان والحريري المؤسِّس ويعطف على الحريري الوارث لكن ابنه لا يمتلك هذه المعرفة، فضلاً عن أن له أجندته الخاصّة ورؤيته وأهدافه. فالملك الراحل أراد تحقيق رغبة الحريري الابن في رئاسة حكومة لبنان ولهذا السبب على الأرجح أتى بالرئيس السوري بشّار الأسد إلى لبنان.

طبعاً يُمكن إضافة عدم شغل الحريري على نفسه واعتماده على المستشارين ولا سيّما أصحاب العقل الاستغلالي منهم وابتعاده مدّة طويلة عن القيادات الدوليّة التي واكبت صعود والده لتفسير مشكلاته وإخفاقاته.

كيف هي علاقاته السعوديّة الآن؟

انه “نقزان” من السعوديّة الجديدة أي سعوديّة الملك ووليّ عهده يُجيب مُتابعو العلاقة بينهما. وهي “نقزانة” منه، وازدادت “النقزة” بعد الاحتجاز والاستقالة القسريّة اللّذين عاناهما فيها قبل أشهر. لكنّه يعرف أن “شعبه” السّنّي يريد عودة التحالف بين الاثنين لأن المملكة هي مرجعيّته، وهو يحاول حفاظاً عليه وعلى تأييده له بالقول للرياض أنّني أسعى وسأسعى إلى تقريب “التيّار الوطني الحرّ” حليف “حزب الله” منها ولاحقاً انتزاعه من الأخير. وهذا أمر يُحبِّذه السعوديّون لكن لا ثقة لديهم في أن تحقيقه سهل أو بالأحرى مُمكن لأسباب عدّة، ورغم ذلك فإنّهم يدارونه (أي الحريري) تلافياً لرميه نفسه وشعبه في أحضان “الحزب”.

في اختصار، يُضيف المُتابعون أنفسهم، على الرئيس الحريري أن يثبت وإن بعد 13 سنة في وراثته والده الشهيد أنّه زعيم فعليّاً وأنّه رجل دولة فعليّاً. ولا يعني ذلك الذهاب إلى مواجهة مباشرة سياسيّة وربّما عسكريّة مع “حزب الله” وشعبه. أوّلاً لأن ذلك ليس في مقدوره وشعبه. وثانياً لأن الأب رجل الدولة والزعيم وحليف المملكة لم يذهب إلى الحرب مع “الحزب”، بل بقي الاتصال والتعاون بينهما قائماً لتجنيب لبنان كلِّه ويلات الاختلاف النهائي والصدام وعدم الارتماء في أحضان الأخصام وامتلاك مشروع سياسي وطني لا مشروع استعادة موقع ومكاسب متنوّعة في مقابل ما يعتبره البعض “إذعاناً”. فـ”حزب الله” مرتاح الآن في لبنان والمنطقة، ولا بُدّ من التعامل مع ذلك. علماً أن المستقبل غير القريب قد يُغيّر هذا الوضع، لكن لا بُدّ من البقاء ومن حفظ الاستقرار الأمني وتلافي الحروب الإقليميّة على لبنان أو الاشتراك فيها خارجه. وهذا هدف يجب أن يكون استراتيجياً لأن كل المؤشّرات والمُعطيات تشير إلى أن الحرب على لبنان أو الضربة الكبيرة له حاصلة، لكن لا أحد يعرف موعدها، فلماذا لا يتعاون الجميع لمنع حصولها؟ ولماذا لا يتعمّق الحريري وسائر زعماء لبنان في ما يجري داخل سوريا وفي المنطقة؟ فإسرائيل تضرب في سوريا بموافقة روسيا لكنّها تلتزم بخطوط حمر للأخيرة وهي عدم ضرب الأسد وقصره أو مقرّه وأمنه. وأميركا تفعل الشيء نفسه. فهل يعتبر اللبنانيّون من ذلك؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*