الحريري أكثر نضجاً… أم أكثر تنازلاً ؟

روزانا بو منصف
النهار
20092017

على رغم فداحة ما يمثله ملف الكهرباء الذي عرض مرارا امام مجلس الوزراء في ظل اصرار على تمريره كما هو، وفداحة ما بدا عليه تلزيم البطاقة البيومترية من اجل الانتخابات النيابية واللذين يثيران اسئلة كبيرة خصوصا بالنسبة الى الخارج الذي يطالبه لبنان بتقديم المساعدات فيما يتم التداول علنا بهدر بملايين الدولارات، فان المظلة السياسية التي توفرها موافقة رئيس الجمهورية على هذا المسار وبقاء الحكومة موحدة من دون خروج اي فريق منها اعتراضا او رفضا على رغم التحفظات التي يتم التعبير عنها في مجلس الوزراء، يدرج ما يحصل في اطار المناكفات السياسية. وهذه المناكفات تحصل تحت عنوان كبير يتصل اولا بالانتخابات النيابية المرتقبة والتي يحاول كل فريق ان يقوم بحملته بناء على عناوين تدغدغ مشاعر اللبنانيين فضلا عن وجود حسابات ومصالح مختلفة. فمع اقتراب مرور سنة كاملة على التسوية السياسية التي اتت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، لا يمكن القول ان هذه التسوية تم استيعابها فعلا. اذ تبقى تتفاعل المواقف من محيط رئيس الحكومة سعد الحريري كما من حلفاء سابقين على موقع ” تنازلي” ازاء وجود عون في الرئاسة الاولى والتعاون مع رئيس التيار الوطني الحر علما ان سياسيين يلاحظون ان رئيس الجمهورية غدا في واجهة الانتقاد ربما اكثر او في موازاة الحريري. وهذا لا يتصل بواقع وجود خلافات على مسائل اساسية تتصل بسياسة لبنان الخارجية او موضوع النازحين وسوى ذلك باعتبار ان كل هذه المواضيع مؤجلة او ليست على الطاولة مما ينتقص من قدرة العهد( لكن هذا موضوع اخر) بل في المواضيع الداخلية وكان من بينها اخيرا موضوع التحقيق الذي طالب رئيس الجمهورية باجرائه ومن استهدفهم بكلامه او موضوع التقدم باخبار حول الشائعات وتقديم ادلة حولها وتغطيته ملف الكهرباء. ففي هذا عدا عن انتقاد الفوقية التي يتحدث بها رئيس تياره والتي تثير استفزازا لدى كثر من الافرقاء السياسيين بمن فيهم الحلفاء المباشرين الذين لا يخفون انزعاجا كبيرا بحيث لا يلبث ان ينعكس كل ذلك في مواقف وردود فعل تطاول هذا الاخير هو شخصيا وتصل شظاياه الى موقع الرئاسة الاولى.

واذ يبدو الرئيس الحريري مرتاحا الى وضعه التحالفي مع عون، فان ذلك قد يكون مستمرا في ان يكون موضع ازعاج لافرقاء سياسيين كثر. لكن السؤال هل ان الحريري غدا اكثر خبرة في التعاطي في الشأن السياسي ومع الافرقاء السياسيين مما كان عليه ابان رئاسته للحكومة في 2010 ام انه وفق ما يعتبر البعض مستسلم لادارة عون والبعض يقول لمحيطه على وقع الكلام المعروف في الاوساط السياسية في هذا الشأن؟ يفيد مطلعون من زوار بعبدا وبيت الوسط ان الانسجام الفعلي قائم بين عون والحريري في ظل معادلة تفيد بان الرئيس عون يرغب في ان ينجح عهده واعتماده على الرئيس الحريري حيوي لانه يدرك ان المحافظة على الاستقرار المالي والوضع الاقتصادي والانفتاح الخارجي كلها جزء من السعي الى انجاح عهده بحيث يصعب الاعتقاد انها امور يمكن ان تتحقق لو لم يكن الحريري في موقعه او لو لم يكن هناك كيمياء جيدة راهنا بين الرجلين. فيما يفيد هؤلاء ان الحريري بدوره يثق بعمق ان رئيس الجمهورية يدرك اهمية تحالفه مع ” حزب الله” وضرورة مراعاته الى حد كبير لكن من ضمن حدود بحيث تسمح له بالا يترك الوضع لادارة الحزب او لمصالحه لما لذلك من تأثير سلبي على رئاسته كما على البلد ككل (على رغم مآخذ كبيرة سجلها الخارج على ترك الحزب يدير معركة جرود عرسال من دون رد فعل رسمي)، في حين ان التناغم بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ترك المجال واسعا امام الافرقاء السياسيين لان يتصادموا سياسيا بين بعضهم البعض على طاولة مجلس الوزراء قبل ان يتدخل عون او الحريري لحسم المواضيع وفق ما يعتقد انه متفق عليها بين الجانبين. ويبدو ان هذا التصادم يجد احيانا كثيرة طريقه الى خارج مجلس الوزراء على خلفية هذه العوامل وعوامل اخرى خصوصا في ظل امكان توظيف حصول صفقات في ملف الكهرباء والنفط والانتخابات الى الحد الذي يثير سخط الرأي العام وغضبه. اذ ان هذه المقاربة المقدمة في كل هذه الملفات مثيرة للشكوك الى حد كبير وهناك تاريخ من عدم الثقة برغبة المسؤولين اللبنانيين في الحكومات المتعاقبة في ايجاد حل لملف الكهرباء مثلا او في انجاز الانتخابات ما لم تكن مضمونة النتائج الى حد كبير من خلال اقفال كل الثغر المحتملة كما في اقتراح التسجيل المسبق للناخبين مثلا. اذ في الاقتراح الذي قدمه رئيس مجلس النواب حول تقديم موعد الانتخابات بدا السجال واضحا مع رئيس التيار الوطني على خلفية كشف تناقض مواقف للاخير راغبا في تقديم هذا الموعد ثم معارضا له بذريعة الحاجة الى الاصلاحات الانتخابية.

ومع ان مصادر سياسية عليمة تجزم بان موعد الانتخابات لن يتغير على رغم استمرار الشكوك باجرائها لاعتبارات ليست واضحة كليا علما ان الافرقاء دخلوا فعلا اطار الحملات الانتخابية المباشرة، فان الكلام على انجازات محتملة بعد الانتخابات الرئاسية تتمثل في اتخاذ قرارات في ملفات داخلية مهمة باتت تظلله في ظل كل الحملات القائمة الشكوك على كونها انجازات حققها العهد في سنته الاولى ما دامت تحوط بها كل الالتباسات الحاصلة. والخارج كما الداخل يراقب جيدا ويتابع حيثيات ما يجري ويأخذ علما بها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*