الحاكم المصري و«الكفيل» السعودي

 

رأي القدس
Sep 28, 2018
القدس العربي

تطول «حكايات» تركي آل الشيخ، المستشار الملكي ورئيس هيئة الرياضة السعودية وصاحب نادي «بيراميدز» (إضافة إلى مناصب عديدة أخرى كثيرة) في مصر والمنطقة العربية عموما، ولا يتوقّف فيضانها اليومي وردود الفعل الشديدة التي تثيرها على أكثر من صعيد.
تعكس هذه الحكايات، رغم طابعها الطريف أحيانا، جانباً من الاختلالات الكبيرة التي تعاني منها السياسة العربية، وتفضح انفلاتها من عقالها على كافة أنشطة الاجتماع البشري، بحيث تفيض عن مزاعم الاستثمار الرياضيّ إلى التدخّل المباشر في قضايا السياسة والأمن المصريين (وغير المصريين في الحقيقة)، لتتحوّل إلى قضية مصالح مالية /سياسية يدافع عنها أصحاب الشأن والمستفيدون منها، وإلى قضية رأي عام.
وبعد أن كان الأكاديمي والمثقف والموظف أو العامل المصريّ يهاجر إلى السعوديّة ودول الخليج للترزّق وتحسين شؤون حياته، ويعاني في سبيل ذلك الأمرّين، من ظاهرة «الكفيل» المتحكم بحياته ورزقه، أدخلتنا حقبتا وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بظاهرة «حداثية» معولمة غريبة، مع انتقال حالة «الكفالة» إلى نظام الحكم نفسه، الذي صار يدين بوجوده إلى السعودية والإمارات، ثم في انتقال «الكفيل» بشحمه ولحمه، إلى أرض «الكنانة»، ليرعى فيها خراف أرزاقه الجديدة، فيشتري فريقا اسمه «الأسيوطي» ويسمّيه، ربما لأن اللغة العربية أقل شأنا من الإنكليزية، بـ«البيراميدز» (أي الأهرام!)، ويفتح له قناة تلفزيونية بالاسم نفسه، ويجنّد الأموال والسلطات والإعلام والموالين لحمايته من غضب الجمهور المصري.)
وفي لقطة رمزيّة معبّرة في الزمان والمكان (نيويورك)، يلتقي الرئيس المصري السيسي برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، كانت مصر تشهد اعتقال عشرات من مشجعي نادي «الأهلي» من منازلهم وأماكن عملهم، وذلك بعد هتافات طالت «الكفيل» السعودي، ووجهت رسائل للحكام ولمدراء النادي وهتفت بإطلاق المحبوسين.
ترافق إعلان آل الشيخ تفكيره بسحب «استثماراته» من مصر، مع تحريض مدحت شلبي، أحد الإعلاميين المحسوبين عليه (والذي كان بدوره أحد من نالتهم الهتافات) على «ألتراس» الأهليّ، وكذلك على ثورة 25 يناير المصرية، معتبرا ما يقوم به جمهور الأهلي «نتاج ما تسمى ثورة يناير، وما أتت به جماعة الإخوان»، كما قام بعض الشيوخ السعوديين بالتدخّل لصالح آل الشيخ معتبرين الإهانات التي وجهت إليه «من كبائر الذنوب».
والحقيقة أن النظام المصري ليس بحاجة للتحريض على جماهير الأحزاب المصرية، فمذابحه الدموية ضد خصومه السياسيين من «الإخوان» ومؤيديهم، ترافقت أيضاً مع مذابح كبيرة لجمهوري الأهلي (74 قتيلا) والزمالك (21 قتيلا)، تلتها حملات طالت المئات بالحبس والاعتقال المقصود منهما تكسير شوكة الشارع المصري وأي شكل من أشكال التضامن الشعبي ضده.
دخول «الكفيل» السعودي إلى الساحة المصريّة بالطريقة الفظّة والمهينة التي يقوم بها (بما في ذلك الظلم الذي تتعرض له طليقته المطربة آمال ماهر والضغوط التي تمارسها السلطات الأمنية ضدها) يصبّ الزيت على نار المشاعر الشعبية المصرية بالمهانة وانتهاك السيادة والاستئساد على البشر حيث يجتمع بطش نظام السيسي ورغبته الدموية بإخضاع روح مصر مع الخفّة والطيش «المعولم» للمال السعودي وحظوته على النخبة المصرية الحاكمة في حقبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
واجتماع هاتين المعادلتين دليل خراب كبير ومؤشّر على التهاب لن يستطيع النظام و«كفيله» السعودي أن يطفئاه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*