الجيل الثالث من “طِوال العمر” والتأسيس الثاني

جهاد الزين
07112017

تجري في المملكة العربية السعودية منذ استلام الأمير محمد بن سلمان لمقاليد السلطة ربما أكبر محاولة لتركيز السلطة منذ ما بعد عهد المؤسس الملك عبد العزيز.

فرغم التاريخ الطويل لتعاقب أبناء الملك عبد العزيز منذ العام 1953، تاريخ وفاة المؤسس، على تولّي الحكم لم تحصل عملية انتقال بالحجم والتعقيد اللذَيْن للعملية التي يقودها اليوم الأمير محمد بن سلمان.

وقليل من التأمل في ما يجري، ولو كان التأمل من خارج المملكة، فإن هذا التعقيد ناتج ببساطة عن كونها أول عملية انتقال إلى الجيل الثالث، أي الأحفاد، الذين هم أكثر عدداً وتوًزّعاً وأقل قرباً من أبناء الجيل الثاني أي الأبناء.

لهذا، وإنْ كنا نُفاجَأْ بالإقصاءات المتسارعة التي تحصل غير أنه ربما كان من الخطأ عدم توقُّعِ أحداث غير مألوفة في عملية الانتقال إلى الجيل الثالث من أبناء العم. فنمط التضامن بين أبناء العمومة مهما كان قويّاً هو لا شك أقل متانةً مما كان بين الأشقاء والأخوة. حجمُ تشتّتِ وتمركز المصالح أكثر كثافة بعد تراكم ثروة حوالي ثمانين عاما من البترودولار في الدولة النفطية الأولى في العالم تأسيساً ودورا في القرن العشرين. مفهوم “الدولة الحديثة” الذي دخل عالميا في مرحلة ما بعد الحداثة يواجه في السعودية تحديات هائلة تحت ضغط المقارنة وهو لا زال يتعايش مع بعض أنماط ما قبل الحداثة. أنماط أمكن استيعابها في زمن الوفرة النفطية وصار ذلك صعبا بل مستحيلا في زمن جديد كالحالي.

 إن أبناء العم من “طوال العمر” (حسب اسم مناداتهم في الخليج) الذين يرثون هذه الإمبراطورية المالية والإقليمية ذات الدور في النظام الاقتصادي العالمي ليسوا في موقع سهل للحفاظ على مركزية وسلامة وقوة هذه المملكة الشاسعة.

ربما سيكتب المؤرخون وقريبا أنه رغم كل التحديات التي واجهها أبناء عبد العزيز فقد كان انتقال الحكم بينهم سلساً رغم حصول صدْمَتَيْ استبعاد الملك سعود بن عبد العزيز في الستينات واغتيال فيصل بن عبد العزيز في السبعينات من القرن المنصرم. بينما أبناء الأبناء وقد بدأ دورهم مع محمد بن سلمان فقد يكونون محتاجين إلى آليات شخصية وسياسية وشرعية ومالية غير مألوفة نشهد بعض فصولها “التأسيسية” حاليا.

فعلا إنها عملية تأسيسية لا انتقالية التي نشهدها في السعودية الآن. إعادة تأسيس العرش ضمن مسار الشرعية التاريخية.

بدا ملك السعودية دائما بسبب حجم الدور النفطي وإدارة المكانين المقدسين الأهم عند مسلمي العالم أقرب إلى “ملك ملوك” فيما أشقاؤه الأساسيون ملوكُ مناطق ومواقع، وكان كل شقيق مثل سلطان وسلمان(قبل أن يصبح ملكاً) ونايف وعبدالله وقبل ذلك فيصل وفهد وحتى أمراء أقل أهمية “ملوكا” لكل منهم بلاط ومريدون يخضعون للعاهل الكبير ويطيعونه. كان كل منهم على مدى عقود يُستقبَل لدى رؤساء وملوك عرب وأجانب وحتى لدى رؤساء دول غربية استقبال رئيس دولة.

لهذا علينا أن نلاحظ أن الأسماء من الأمراء الذين أعلن الإعلام السعودي الرسمي توقيفهم هم كبار الجيل الثالث وبينهم قائد جيش ( الحرس الوطني) وحتى رجال المال الموقوفون خارج العائلة هم “ملوك” الإعلام العربي منذ عقود ناهيك طبعا عن وجود ضباط كبار وحاليين بين الموقوفين.

في الواقع وبسبب كل هذا علينا أن نقتنع نهائيا أن من يدير الأمور في السعودية اليوم يعيش حالة حرب على كل المستويات في الداخل أو في المحيط أو المحيط الأبعد. حرب وجود وليس فقط حرب حدود كما يحصل في اليمن وفي البحرين وفي العراق وفي سوريا.

إنها عملية “إعادة التأسيس” الكبرى منذ الراحل عبد العزيز. فإلى أين ستصل؟

 استغرقت عملية التأسيس الأولى التي قادها الملك عبدالعزيز منذ العام 1902، تاريخ سيطرته على الرياض، حتى العام 1932 تاريخ إعلان المملكة بعد أن كانت سلطنة نجد ثم أضيف إليها الحجاز عام 1925.

كم ستستغرق عملية التأسيس الثانية، وكل منهما الأولى والثانية هناك قوى دولية كبرى مشاركة فيها مباشرةً أو غير مباشرة؟

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*