الجيش بنى الاستقلال منذ 1914: من فرقة الشرق الى القناصة وفؤاد شهاب محطاتٌ مجيدة

مجد بو مجاهد
النهار
01082017

منذ عصور غابرة، تغنّى لبنان بجيوش أمرائه المعنيين منهم، وتلاهم الشهابيون، الذين كتبوا عراقة تاريخ لبنان ومجده. اذ امتدت إمارة فخر الدين المعني على حدودٍ شاسعة تفوق حدود لبنان الحالية. لكن شمس الجيش اللبناني الحديث أشرقت ابان الحرب العالمية الأولى، يوم قرّر الفرنسيون تحرير الشرق الأوسط من قبضة السلطة العثمانية، فاذا بهم يشكلون فرقةً أسموها فرقة الشرق التي كانت تضم آنذاك، عساكر عرب، من بينها جنودٌ لبنانيون. شكّلت الفرقة في قبرص، فتطوع في صفوفها لبنانيون مغتربون الى جانب المقيمين منهم. وبذلك، شاركت سريّتان لبنانيتان في تحرير الشرق الأوسط من العثمانيين. التفاصيل المذكورة، يسردها لـ”النهار” موثّق تاريخ الجيش العميد الدكتور سامي ريحاني.

القنّاصة

واجهت متصرفية جبل لبنان في ذلك العهد شبح المجاعة وقضى ثلث سكانها جوعاً. فقرر الحلفاء بعد دخولهم الى المنطقة، مساعدة الشعب في مقاومة الظروف القاهرة، واعتمدوا على السريتين اللبنانيتين، وعينوا في كلّ قرية، عسكرياً للاشراف على توزيع المعونات. واستطاعت السريّتان في غضون شهرين درء المجاعة عن اللبنانيين ونجحتا في المهمة الموكلة. وبعد انقضاء الحرب العالمية الاولى، ودائماً وفق ريحانا، شكّل الفرنسيون سرايا القناصة اللبنانية. وهي سرايا تألفت من محاربين جبليين، شعارهم العنزة، التي كانت تسير امامهم في الاستعراضات. وعاد الفرنسيون ليشكلوا أفواج القناصة سنة 1926، اذ شاركوا في عمليات حفظ الأمن واغاثة السكان وساهموا في شق الطرق ومدّ أسلاك الكهرباء والخطوط الهاتفية. كما كافحوا الجراد ورشوا المبيدات محافظةً على المزروعات. وفي سنة 1930 شكلت وحدات لبنان الخاصة، التي شاركت مع كتائب الخيالة والمصفحات في الحرب العالمية الثانية. اذ ظهر دورها القوي في معركة مرجعيون بقيادة الكابتن سمعان الذي أصيب في رجله، وعاد ليعين في ما بعد رئيس أركانٍ في الجيش.

الاستقلال

وفي وقتٍ كانت فيه فرنسا لا تزال منتدبة على لبنان، بعث الجنرال ديغول ممثله الجنرال كاترو للتفاوض وايجاد الحلول. تحضّرت أفواج الوحدات اللبنانية آنذاك لمهاجمة قلعة راشيا وتحرير الأسرى. لكن كاترو نجح في بلورة الحل السلمي، في 22 تشرين الثاني 1943، الذي ما لبث ان أضحى تاريخاً احتفالياً باستقلال لبنان.

ساهمت الوحدات اللبنانية سنة 1945 في المطالبة بالسيادة، بعد تمرّد الضباط اللبنانيين على الحكومة الفرنسية التي كانت قد وعدتهم بالاستقلال، في مرحلةٍ لحقت سَجن الرئيس بشارة الخوري سنة 1943. قررت الوحدات اللبنانية التي كان يحصى عديدها بخمسة آلاف جندي – يتبعون اللواء الخامس الجبلي- الانتفاض في وجه السلطات الفرنسية. وكان بينهم ضباط وقّعوا وثيقة تاريخية مفادها رفض الانصياع للقوات الفرنسية وحصر تلقي الأوامر بالسلطات اللبنانية. وفي سنة 1945 سلم الجيش الفرنسي لبنان الى جيشه الذي أحصي عديده بـما يقارب الخمسة آلاف شخص يتوزعون على ثلاثة أفواج، هي توالياً القناصة وكتائب المصفحات والمدفعية. تبلور ذلك في الأول من آب 1945 الذي ما لبث ان كرّس عيداً للجيش اللبناني.

فؤاد شهاب

ويطلعنا ريحانا ان المرحلة التي تلت تمثلت في “تعيين الجنرال فؤاد شهاب قائداً للجيش، شاهدةً مراحل مهمة منها حرب فلسطين. اذ كان الجيش اللبناني من أهم الجيوش الشرق أوسطية وصنّف سلاح الجو اللبناني من الأقوى في الشرق الأوسط”. ساهم جيش لبنان في معركة فلسطين الأولى سنة 1948، تحديداً في معركة المالكية بعد احتلالها من الصهاينة، وتمكنوا من السيطرة عليها وطرد القوات الاسرائيلية منها الى الجنوب، قبل ان تسري اتفاقية الهدنة، فـ”أضاعت السياسة النصر العسكري”، وفق مفرداتٍ استخدمها ريحاني في التوصيف.

بلغ عديد الجيش في عهد شهاب 6000 عنصر، لعبوا أدواراً بارزة داخلياً. ففي سنة 1952 رفض القائد استخدام الجيش ضد الشعب، بل وقف على حياد بعد الموجات المطالبة باستقالة الرئيس بشارة الخوري. شكلت حكومة انتقالية بقيادة شهاب، بغية تأمين انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية. رفض شهاب الترشح وبعد 4 ايام انتخب الرئيس كميل شمعون. وفي سنة 1958 نشبت الثورة، فرغبت السلطة قمع التحركات الشعبية. لكن الجيش اضطلع بدور الميزان العادل: “الثوار لهم حق المعارضة، لكن لا يمكنهم المساس بالنظام العام”. بعدها، انتخب شهاب رئيساً للجمهورية نظراً إلى دوره المقدام واستند عهده إلى الجيش، فشرّع القوانين المهمة ونظّم المؤسسات الرقابية سنة 1958. فغدا فؤاد شهاب أهم شخصية مرّت في تاريخ لبنان.

وفي سنة 1962، أدى الجيش دوراً مقداماً في منع حزب سياسي من الانقلاب على السلطة. طلب اللبنانيون من شهاب تجديد عهده. لكنه رفض التمديد لما في ذلك من تعارضٍ مع الدستور. فسمّى شارل حلو سنة 1964، الذي عرف نائباً بارعاً في الخطابة، وبدوره ارتكز على الجيش في بناء عهده.

فوج المغاوير

“في سنة 1966 ارتأت قيادة الجيش ضرورة استحداث فوج جديد للمهمات الصعبة كالوصول الى خطوط العدو وتنفيذ عمليات خاطفة وسريعة. وكنا انا واللواء نبيل فرحات أول مغوارين سافرنا الى فرنسا ومصر لنتدرّب”. بهذه العبارة يسرد العميد الركن مخول حاكمة ذكرياته العسكرية، هو المغوار الأول في لبنان الذي ساهم في تشكيل وتدريب أول مجموعة صغيرة من الجنود البالغ عددهم 50 مغواراً، والتي تولت مهام حفظ الأمن على الحدود الجنوبية، كما يسرد. يراود حاكمة الحنين، هو ابن الثمانين عاماً، فاذا به يوجّه تحيةً قلبية الى نخبة فوج المغاوير الممتلك الكفاية والامكانات والتدريب. ويقول في حضرته انه فوجٌ طليع، عنوانه التوفيق والنجاح وصنع الأمجاد .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*