الجريمة المكتومة


جوزف بدوي

الإعداد والترجمة: جوزف بدوي

     المصدر: “النهار”
     26 كانون الأول 2017 | 11:10



للفنان أحمد قليج.

انها الجريمة المكتومة الشاملة القائمة على اهم المحرمات الاكثر تجذرا داخل المجتمع السوري التقليدي. انها جريمة الاغتصاب التي تستخدم في سوريا سلاح حرب.

منذ الاشهر الاولى للثورة السورية في ربيع العام 2011 استخدم نظام بشار الاسد هذا السلاح ولا يزال يستخدمه حتى الان داخل سجونه.

في السادس من اذار 2014 نشرت الصحافية انيك كوجون في صحيفة “لوموند” تحقيقا بعنوان “الاغتصاب، سلاح دمار شامل”، جمعت فيه شهادات نساء تعرضن للاغتصاب في السجون السورية وقررن الكلام للمرة الاولى.

بعد هذا التحقيق الصحافي شاركت انيك كوجون في كتابة نصوص لوثائقي اخرجته المخرجة الفرنسية مانون لوازو بمساعدة الشابة الجامعية الليبية سعاد ويدي بعنوان “سوريا، الصرخة المكتومة”. وتم عرض الوثائقي مساء الثلثاء في الثاني عشر من كانون الاول على شاشة القناة الفرنسية الثانية للتلفزيون الفرنسي “فرانس-2” في اطار برنامج خصِّص كله للموضوع السوري.

يكشف الوثائقي السوري الظلم المزدوج الذي تعانيه النساء المغتصبات في سجون النظام، ظلم الاغتصاب والظلم الأقسى والاشدّ مرارة، من المقربين في حال خروجهن احياء، باعتبار ان الاغتصاب عار يطال الزوج والاب والابن والعائلة والحي والمجتمع.

الظلم يصل هنا الى ذروته: فالمراة التي تعرضت للاغتصاب مذنبة لانها ضحية، او لانه يفترض انها ضحية، ما دام المعروف ان كل المعتقلات يتعرضن للاغتصاب.

وبات من الشائع ان تتعرض المغتصبة للقتل من اقربائها “غسلا للعار”، هذا اذا لم تستبق هي الامر وتلجأ الى الانتحار بعد خروجها من السجن. وتؤكد منظمات غير حكومية عدة تعنى بهذا النوع من الجرائم انه من الصعب جدا جمع معلومات عن النساء المغتصبات في سجون النظام بعد خروجهن منها، كما ان الاغتصاب او الخوف منه، هو احد اهم اسباب فرار العائلات الى المنافي.

للفنان أحمد قليج.

حسناء الحريري (54 عاما) واحدة من قلة نادرة من النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب ووافقن على الكلام والظهور علنا بالصورة والصوت والاسم. تقول: “ما هو الامر الذي يمكن ان يخيفني بعد كل ما تعرضت له، وبعد ان فقدت كل شيء؟”.

صحيفة “لوموند” التقت بها عام 2016 في الاردن على مقربة من الحدود السورية ومنطقة درعا التي كانت تعيش فيها قبل الثورة مع اولادها العشرة وحماها وحماتها وثلاثة من احفادها.

الالم الذي ينتابها على فقدان احبائها صعب جدا: فقد قتل ثلاثة من ابنائها وزوجها واربعة من اشقاء زوجها واربعة من اصهرتها. يضاف الى ذلك كله، ما عانته هي داخل سجون النظام.

الا ان حسناء الحريري تبدو اليوم مقاتلة شرسة، والاهم انها تحظى بالاحترام، محاطة كـ”أم الشهداء”، بعدد من الناشطين السوريين الشبان الذين يريدون بأي ثمن احالة بشار الاسد يوما ما على القضاء الدولي.

صحيفة “لوموند” اجرت اتصالا بحسناء الحريري عبر “سكايب” قبيل عرض الوثائقي “سوريا، الصرخة المكتومة”، بعيد عودتها من الرياض حيث شاركت في اجتماعات المعارضة بصفة مستقلة.

هذا ما روته حسناء الحريري عن معاناتها في سجون النظام السوري ونشر في صحيفة “لوموند” بتاريخ الخامس من تشرين الاول 2017.

***

شهادة حسناء الحريري

حياتي كلها انقلبت رأساً على عقب بعدما انشقّ أحد أبنائي عن الجيش السوري وقرر معارضة النظام. بين ليلة وضحاها تحولت كل العائلة رسميا الى “عدو للنظام”.

خدم ابني احد عشر عاما في الجيش السوري، الا انه عجز عن تنفيذ امر اطلاق النار على كل من صُنِّف متمردا، حتى ولو كان مشاركا في تظاهرة سلمية. فرّ من الجيش في العشرين من نيسان 2011، وبعد ثلاثة ايام دهم الجنود منزلنا في احدى قرى منطقة درعا ففتشوه وسرقوه، ثم عادوا بعد يومين، ثم مرات عدة، الى ان اطلقوا قذيفة صاروخية في العاشر من ايار على المنزل ما ادى الى تدميره بشكل شبه كامل.

في الخامس عشر من ايار اقتحم جنود النظام احد مستشفيات درعا وقتلوا 65 جريحا بينهم احد ابنائي الذي كان انضم الى الثوار، كما دفن خمسة من المتهمين بالانشقاق عن الجيش احياء.

نقلت جثة ابني الى القرية حيث دفنتها، وانكببت على العمل بحثا عن الطعام والادوية لعائلتي و… للثوار. نعم، انا اردت مساعدتهم، لان ما كانوا يطالبون به هو حق التظاهر والتعبير عما يحلمون به… وما كانوا يريدون الحرب البتة. وبما انني كنت مراقَبة، اعتُقلت للمرة الاولى في الرابع عشر من حزيران 2011 في قاعدة لأجهزة الاستخبارات في درعا ثم نُقلت الى دمشق الى مركز الامن العسكري 215 المعروف باسم “مركز الموت” لأن اعداداً كبيرة من المعتقلين يقضون يوميا فيه تحت التعذيب.

كانوا يأتون لاصطحابهن الواحدة بعد الاخرى، وعندما يعدن كن شبه عاريات متورمات وباكيات ومحطمات. في البداية كن يروين انهن تعرضن للضرب ولم تكن أيٌّ منهن تجرؤ على القول انها تعرضت للاغتصاب.

ما شهدته عندما دخلت للمرة الاولى إلى الممرات في الطابق السفلي للمعتقل قبل ان اصل الى زنزانتي، كان اشبه بصورة للجحيم بعينها. الارض مغطاة بالدماء، والجثث موزعة على الزوايا، وكنت شاهدة على تعذيب لا يتخيله عقل، مصحوبا بعويل الضحايا وشتائم الجلادين: شبان عراة يُضرَبون بالعصي والاسلاك حتى ينفصل اللحم عن الجسد، بعضهم كان معلقا بجنازير بالسقف وبعضهم الاخر مصلوبا او محشورا داخل دولاب، او معلقا بين عمودين مثل الفرخة المشوية.

شاهدت شبانا تُقطَع اطرافهم بمنشار كهربائي، وهم احياء، لدفعهم إلى الاعتراف بأمور لا علاقة لهم بها. الصراخ والعويل يغطيان السجن كله.

عدد النساء في السجن كان قليلا. فور وصولي ورغم تقدم عمري، تمت تعريتي تماما واستجوابي لايام طويلة وانا على هذا الوضع. تعرضت للاهانات من كل الانواع، وللضرب بمختلف الادوات، بينها عصا كهربائية كانوا يمررونها على انحاء جسدي كافة. وضعوني لايام عدة في حوض من المياه الوسخة، وكانوا يُدخلون رأسي فيها حتى اكاد اختنق، لاجباري على الرد على اسئلة من نوع “من هم الارهابيون الذين تقدمين إليهم المساعدة؟ وما هي الشبكات المدعومة من القطريين والسعوديين التي تتعاملين معها؟”.

هذه الاسئلة كانت سخيفة جدا لانني لم التقِ بسوى عدد من الشبان الذين كان همهم الوحيد المطالبة بالحرية! في احد الايام أدخل جندي شاب يافع اصابعه في فرجي. صرختُ في وجهه: “كان يمكن ان اكون امك”. لكن الاغتصاب كان المحرك الاساسي لكل ما يحصل، كان موجودا في الممارسة وفي الكلام اليومي، انه الكلمة الاساس، الاغتصاب، الاغتصاب. كان الحراس يدخلونني الى غرف التعذيب لاشاهد شبانا عراة يتعرضون للاغتصاب، من اجل دفعي الى الانهيار والاستسلام الكامل، ويصرخون في وجهي قائلين “انظري جيدا، هذا ما سيحصل لبناتك واولادك في حال مواصلتكِ التآمر على النظام. سنغتصبكم جميعا”. يعرفون جيدا ان الاغتصاب في مجتمعنا اسوأ من الموت.

“الاسوأ هو ما فعله ببناتنا”

اطلقوا سراحي، فوجدت ان ابني الذي كان فر من الجيش قد قتل، والامر نفسه حصل مع صهري زوج ابنتي الذي لم يفعل سوى تقديم المساعدة لجرحى كانوا ينزفون على قارعة طريق. كما تم العثور على جثة ابن شقيقي الذي كان فارا ايضا من الجيش، وقد اقتلعوا عينيه.

سرعان ما اعادوني الى السجن ووُضعت في زنزانة ضيقة مع نحو عشرين امرأة من كل الاعمار. كان الحراس يأتون لاصطحابهن الواحدة بعد الاخرى، وعندما يعدن كن شبه عاريات متورمات وباكيات ومحطمات. في البداية كن يروين انهن تعرضن للضرب، ولم تكن ايٌّ منهن تجرؤ على القول انها تعرضت للاغتصاب.

الا ان الرعب من الحمل سرعان ما تحول ليصير الهاجس الاول والاكبر، حتى اننا لم نعد نتكلم الا عن هذا الخوف. انه الاغتصاب، الاغتصاب اليومي، الذي كان يحصل احيانا على يد خمسة او عشرة رجال معا. والاغتصاب كان يترافق مع صراخ من نوع “زوجك او شقيقك او ابنك ضد النظام؟ انهم يريدون الحرية؟ هذا هو ردّنا عليهم! خذي خذي! انت تُغتَصبين الان وقيمتك باتت لا شيء! هذا ما جناه عليكم ابناء…!”.

في غرفة التحقيق شاهدت طفلة في الثالثة عشرة من العمر تُغتصب امام والدتها، شاهدت اغتصاب نساء في الثامنة عشرة او الثلاثين او الخامسة والخمسين. وشاهدت بأم العين فتاة صبية تلفظ انفاسها امامي بعدما رُبطت ساقاها ويداها لتبقى مفتوحة وتوالى نحو عشرة رجال على اغتصابها.

ورغم هذا الوجع الجسدي المريع، كانت النساء يعانين من وجع آخر أشدّ قسوة وألما، انه الشعور بأن مستقبلهن قد انتهى، وبأنهن لم تعدن قادرات في حال اطلاق سراحهن، على العودة للعيش مع اشقائهن او آبائهن او ازواجهن! انه العار الذي سيرافقهن في الخارج، وان بشار القذر قد نجح في تحطيم العائلات كما نجح في تحطيم المجتمع بكامله.

هذا هو اسوأ ما قام به في حربه علينا. لقد اطلق النار علينا بالرصاص وبقاذفات الصواريخ، لقد قصفنا بالدبابات والطائرات وبالغاز الكيميائي. الا ان الاسوأ هو ما فعله ببناتنا.

اعتقالي الثالث استغرق 18 شهرا قُتل خلاله زوجي وهو يحاول اطلاق سراحي مقابل مبلغ من المال سرقوه منه بالطبع. خرجت من السجن في كانون الثاني 2014 في اطار تبادل للسجناء.

خلال هذه الشهور الطويلة نُقلتُ مرارا من معتقل الى اخر، بينها مركز استخبارات سلاح الجو في مطار المزة، ووحدة الامن السياسي في دمشق. الا ان اسوأ ما عانيت منه وشاهدته، كان في الفرع 215 الذي ضم سجينات من مختلف المدن مثل درعا وحلب وحمص وادلب ودير الزور.

“تحولت الى قابلة في السجن”

شاهدت نساء يلفظن انفاسهن بعد تعرضهن لاغتصابات متتالية. شاهدت نساء يفعلن المستحيل للاجهاض فيقضين من النزيف. شاهدت طفلة في الثالثة عشرة من العمر معلقة من معصميها وقد تقطع صدرها. شاهدت حراسا يدخلون الى زنزانتنا ويفتحون افواه الفتيات بالقوة لاجبارهن على ممارسة الجنس الفموي. شاهدت امرأة وهي مغطاة بالدماء بسبب العادة الشهرية فأحضر الجلادون وهم يقهقهون جرذاناً اكلت فرجها. نعم لقد شاهدت هذا. والسيدة ماتت. حاولت مساعدتها. صرخت وطالبت بتغطية جسدها. الا ان احدا لم يستجب توسلاتي، وكان الجواب “لا لن نقدم لها هذه الهدية”.

اما النساء من المسيحيات والاكراد والعلويات – نعم كان هناك عدد منهن- فكن يتعرضن لاسوأ معاملة.

شاهدتُ اطفالا يولدون نتيجة الاغتصاب. نعم، اكثر ما كانت المعتقلات يخشينه اطلاقا كان يحصل: الحمل وولادة طفل في خضمّ هذه المأساة وسط الاوساخ والالتهابات على ارض الزنزانة.

وجدت نفسي اعمل قابلة لمساعدة النساء على الولادة. عندما تكون المرأة متحدرة من قرية تتدبر امرها، فحاولت القيام بما استطيع القيام به. كنت امسك الطفل الوليد بيدي وهو مغطى بالدم ولا اعرف اين اضعه فأصاب بالارتباك والذعر. لا توجد، لا ملاءات ولا اغطية. حتى انهم كانوا يمنعوننا من ان نولد السجينة قرب الحمامات حيث بالامكان ربما الحصول على الماء. لا شيء، لم يكن لدينا اي شيء. حتى ان سجينة مزقت حجابها واعطتني اياه لألف به الطفل الوليد، كما أعطاني احد الحراس يوما مقصاً لقطع حبل السرة، وسرعان ما اخذه مني كما اخذ الطفل. هذا الطفل التعيس الذي لم يطلب ان يأتي الى هذا العالم، والذي لن نعرف شيئا عن مصيره.

في البداية كانوا ينتزعون منا الطفل على الفور بعد ولادته. ثم ولاسباب نجهلها باتوا يتركون الطفل مع امه لثلاثة اشهر لارضاعه. بعضهن كن يشعرن برفض عفوي ازاء هذا الطفل المولود من اغتصاب الجلادين، قبل ان يعتدن عليه ويتعلقن به. هل كان احد يعرف من هو الاب؟ هل هو سوري؟ هل هو عراقي ام ايراني؟ هل هو احد عناصر “حزب الله”؟ كانوا موجودين هنا بين جلادينا. وسرعان ما يأتي اليوم الذي ينتزعون فيه الولد من ايدي والدته وسط صراخها وعويلها وهي تطلب الموت.

“سأكون اولى من تدلي بشهادتها”

بعض الاطفال كانوا يولدون ميتين، والبعض الاخر كانوا يموتون بعد ايام قليلة من ولادتهم بسبب الوساخة وعدم وجود ادوية، فيرمي الحراس جثثهم. اتذكر فتاة صغيرة السن بقيت ثلاثة ايام عاجزة عن الولادة وهي تتألم بشدة وكان لا بد من اجراء عملية قيصرية لها. لكن كيف؟ اجبرت على شق اسفل بطنها، الا ان الجرح سرعان ما التهب وتوسلت الحراس ان يساعدوها باي شيء… فأعطاني احدهم كمية من ملح الطعام لاضعه على الجرح…

خلال تنقلاتي المتعددة بين السجون شاهدت مئات النساء الحوامل. انا شخصيا ساعدت في ولادة ما لا يقل عن خمسين سجينة، شاهدت موت عشرة اطفال على الاقل بُعيد ولادتهم، كما كنت شاهدة على وفاة خمس امهات على الاقل خلال الولادة.

بعض النساء كن يحبلن مباشرة، مرة جديدة بعد إنجابهنّ. لديّ ابنة عم في العشرين من العمر ولدت صبيا في المعتقل، وهي لا تزال هناك بعد مرور اربع سنوات وثلاثة شهور على اعتقالها.هل رزقت باولاد اخرين؟ لا اعرف.

ارجو الا يكلمني احد عن الامم المتحدة وعن حقوق الانسان! هذا شيء غير موجود! العالم لم يفعل شيئاً من اجلنا. لقد تركنا نلقى مصيرنا. بناتنا يدخلن السجون طاهرات ويخرجن مدمرات ميتات، ولو انهن على قيد الحياة.

هل يوجد بالفعل صوت واحد في الغرب دافع عنا وطالب بإطلاق سراحنا؟ اعطوني اسما واحدا!

اريد ان يعرف العالم اجمع الى اين وصل بشار الاسد في فظاعاته وما هي الارتكابات التي قام بها في حق شعبه. لقد اتصل بي هاتفيا ضابط كبير من جيشه وانا هنا في الاردن وقال لي انني ساقتل في حال افشائي هذه المعلومات التي كنت شاهدة عليها. خيِّل اليه انه سيخيفني! هو الذي يجب ان يخاف ويرتعد مني. انني اتذكر كل شيء، اسماء الضباط والحراس ومرتكبي الاغتصابات وجلاّدينا. لدي أدلة واعمل على توثيقها لانني اريد ان اتمكن يوما من ان اخبر الاجيال الجديدة ما مر علينا، ولماذا تمردنا واجبرنا على سلوك طريق اللجوء.

اريد ان اواجه يوما طاغية دمشق وكل السفلة الذين عملوا معه وسأكون اولى من تشهد ضدهم امام محكمة دولية. الاولى. سأكون الاولى. سجلوا هذا، هذا ما يبقيني على قيد الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*