الجامعات ومراكز البحث الأميركية في خدمة الدولة الأمنية

 

فيليب حتي (الانسيكلوبيديا الإسلامية)
البدر الشاطري
الحياة
17102018

علاقة المعرفة بالسلطة نالت اهتماماً كبيراً لدى الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمؤرخين. وقد شق الفرنسي ميشيل فوكو مناهج بحث جديدة لتحليل أو حفر بواطن المعرفة وعلاقتها بالسلطة، والعلاقة الجدلية بينهما. كما طور المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد هذه المنهجية في فهمه وتحليله ظاهرة خطاب الاستشراق، في كتابه الذي يحمل التسمية ذاتها، والذي نشر عام 1978.

الكتاب الذي في صدد مراجعته «قصر الأحلام الأميركية: الخبرة الشرق الأوسطية وبروز دولة الأمن القومي» لمؤلفه أسامة خليل، ينتمي إلى الدراسات المتعلقة بعلاقة المعرفة بالسلطة، بيد أن مقاربة الكتاب تختلف عن المقاربة الإبيستيمولوجية التي وظفها كل من فوكو وسعيد.

فمقاربة الكتاب يفترض أن تكون تاريخية تحلل ترابط وتوسع الاهتمام بالدراسات الشرق أوسطية في الجامعات الأميركية بعيد الحرب العالمية الثانية مع صعود الولايات المتحدة كدولة مهيمنة على النظام العالمي. والاختلاف بين المقاربتين هو في تفصيل الثقافة السائدة كأسس معرفية وعملية تاريخية تؤدي إلى إنتاج خطاب يخدم دولة الأمن الوطني في السياق الأميركي وتزعّمها النظام العالمي.

يقتبس الكاتب في العنوان مفهوم «قصور الأحلام» من ت. ي. لورنس ويستعيد فهماً أميركياً لحياكة شرق أوسط بتصور معين. والكتاب، وفق ما يقول المؤلف، هو «قصة بعثات التبشير، الجواسيس، الجنود، الديبلوماسيين، والباحثين وقصور الأحلام التي شيّدوها». ويضيف أن الكتاب هو تاريخ القرن الأميركي «في الشرق الأوسط، من الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية على الإرهاب». ويهدف إلى تفصيل تاريخ العلاقة المتبادلة بين السياسة الخارجية الأميركية ومؤسسة الأمن الوطني من جهة والمؤسسات الأكاديمية، في صقل الدراسات المعنية بالشرق الأوسط. ويتوخى الكاتب تأكيد الصلة المباشرة بدراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأميركية التي أضحت جزءاً متمماً من معرفة واشنطن للمنطقة. ولكن، مع أفول الحرب الباردة أصبحت الدراسات الإقليمية، ومنها الشرق الأوسطية، عديمة الجدوى. وبدأت مراكز الفكر والبحوث الاستراتيجية تحتل أولوية وتأثيراً واسعاً عند صانع القرار في واشنطن.

البدايات

برزت الحاجة إلى معرفة خاصة بمناطق عدة من العالم، لا سيما الشرق الأوسط، مع انخراط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى. ولجأت الحكومة الأميركية حينذاك، إلى مدارس النخبة في الشمال الشرقي للولايات المتحدة مثل جامعات هارفرد وييل وبرنستون، لكن جلّ الخبرات في تلك الجامعات كان يتعلق بالتاريخ القديم والآداب، وكانت هناك في المقابل ندرة في المعرفة المعاصرة في كثير من المناطق التي تحوز اهتمام صناع القرار في واشنطن.

وعندما انفجرت الحرب الكورية في 1950، استنفرت الولايات المتحدة قواها لصدّ ما رأته عدواناً وتوسعاً شيوعياً للسيطرة على العالم. وأدركت الخارجية الأميركية حينذاك، النقص في الكوادر الوطنية المختصّة في اللغات والمعارف بمناطق جغرافية تعتبرها واشنطن مهمة استراتيجياً. وباشرت الوزارة عبر معهدها «الخدمة الخارجية» وموظفي البحوث الخارجية بالتواصل مع المعاهد والجامعات ومراكز البحوث لاستقطاب المختصّين في الشؤون الخارجية واللغات الأجنبية.

وكانت استجابة الجامعات إيجابية لنداء الواجب، فقد بعث المؤرخ العربي الأصل، فيليب حتي، الأستاذ في جامعة برنستون، برسالة إلى الخارجية الأميركية يقول فيها أن قسم دراسات الشرق الأدنى «يقف مستعداً في هذه الطوارئ الوطنية للتعاون في توظيف موارده إلى اقصى حد مع أي وكالة في واشنطن، مدنية كانت أم عسكرية، لتقديم التدريب الأساسي في لغات مناطق العالم العربي الإسلامي».

وفي ما يبدو، فإن العلاقات بين المؤسسات التعليمية والحكومة الأميركية توسعت وتعززت مع بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وصعود ما يسميه الكاتب «دولة الأمن القومي». ومع تزايد أهمية المناطق الجغرافية المتعددة في العالم، خصوصاً الدول النامية، تزايد الاهتمام بما يعرف اصطلاحاً بـ «دراسات المناطق»، أي دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، إلى ما هنالك من مناطق تقع في صلب اهتمامات السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة.

ولعبت المؤسسات البحثية كمؤسسة فورد وروكفلر وكارنيغي دوراً أساسياً في دعم دراسات المناطق، مقدمة المشورة والكوادر المختصّة لتعزيز دور واشنطن العالمي. وكتب أحد المراقبين لدور المؤسسات البحثية وعلاقاتها بالحكومة الأميركية، أن المؤسسات الكبرى ساعدت في تعبئة الأكاديمية الأميركية لتعضيد أهداف السياسة الخارجية. بل إنها «لعبت دوراً مباشراً في تمدد هيمنة الولايات المتحدة حول العالم وتقويتها، خصوصاً أثناء الحرب الباردة».

مأسسة العلاقة

كان إطلاق القمر الاصطناعي السوفياتي «سبوتنيك 1» في 1957، بمثابة الصدمة للصحافة والرأي العام في الولايات المتحدة، إلا أن إدارة الرئيس دوايت آيزنهاور اعتبرته فرقعة إعلامية من موسكو، لكن إطلاق القمر الاصطناعي الثاني والأكبر حجماً لفت انتباه الإدارة إلى تقدم الاتحاد السوفياتي في مجال الفضاء، واضطر البيت الأبيض للقيام بعمل يسدّ الهوة بين واشنطن وموسكو.

وقام الكونغرس بتمرير قانون التعليم للدفاع الوطني، لتمويل الحكومة في دعم تعلم اللغات الأجنبية في المناطق الاستراتيجية وخلق مراكز في الجامعات لدراسات الأقاليم ذات الأهمية لواشنطن. كما زاد القانون في شكل كبير الإنفاق على العلوم والرياضيات، بذلك أصبحت العلاقة بين الدراسات الشرق الأوسطية ودولة الأمن القومي محكومة بتبادل منفعي لتأمين الدعم المالي وإنتاج محترفين يوظفون في الوكالات المتعددة للحكومة، كوزارتي الخارجية والدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية.

ومع بداية انتشار مراكز الدراسات الشرق الأوسطية في الجامعات الأميركية، لعب المستشرقون الدور الأكبر في تشكيل هذه المعاهد لخلو الساحة لهم. ولكن، مع تطور العلوم الاجتماعية، مثل العلوم السياسية والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، بدا تأثير هذه العلوم في دراسات الشرق الأوسط يتعاظم. ولعل أشهر المدارس الفكرية التي طوّعت العلوم الاجتماعية لدراسات الشرق الأوسط هي مدرسة التحديث التي قالت أن المجتمعات كافة تمر من مرحلة المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، وأن على مجتمعات العالم العربي والشرق الأوسط أن تحدث هذه النقلة لتواكب الغرب وتتطور.

وكان هدف هذا التنظير توجيه مجتمعات الشرق الأوسط إلى الغرب وعدم الاكتراث بالتحديث عبر أيديولوجيات العالم الثالث وخيار التطور غير الرأسمالي. وعندما بدأت الاضطرابات تضرب إقليم الشرق الوسط وبدا النفوذ السوفياتي يتعزز، كان لا بد أن تتغير التوجهات نحو تمكين الحكومات في هذه المنطقة من القضاء على الحركات السياسية المعادية للاستقرار التي تنشده واشنطن.

يقول الكاتب أن دراسات الشرق الأوسط لم تكن محصنة من التيار الواسع الذي اكتسح المجتمع الأكاديمي الأميركي عقب حرب فيتنام. وكان لكتاب إدوارد سعيد «الاستشراق» في 1978، أثر كبير في هذا المجال. وبدأت فعلاً ثورة إبيستيمولوجية في دراسات الشرق الأوسط وتعدته إلى دراسة المجتمعات ما بعد الكولونيالية، خصوصاً في الدول النامية. وسرت سجالات في الدراسات الأكاديمية حول التخفف من الارتباط بدولة الأمن القومي.

لكن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الإرهابية قلبت الموازين في مجال دراسات الشرق الأوسط ودراسات المناطق في شكل عام، وقد أشهر أعداء التغيرات في الدراسات الشرق الأوسطية سيوفهم بدعوى أن هذه الدراسات فشلت في التنبؤ بأحداث أيلول الإرهابية. ويعود إخفاق هذه الدراسات إلى مواقفها السياسية التي غطت على أخطار الإسلام السياسي في الشرق الأوسط. وقد قاد الحملة المحافظون الجدد وحلفاؤهم من اليمين المتعاطف مع إسرائيل، لإدانة دراسات الشرق الأوسط على أنها متحاملة على السياسة الأميركية في المنطقة ومعادية لإسرائيل.

وكانت هناك حملة لتمرير قانون في الكونغرس لقطع الدعم المالي عن مراكز الدراسات الشرق الأوسطية التي لا تدعم توجه واشنطن في المنطقة. ودعت الحملة إلى تحويل الدعم المالي دراساتٍ عن الإرهاب ستفيد الولايات المتحدة وتقي من «الهجمة الإرهابية الإسلامية المقبلة من الشرق الأوسط».

* كاتب إماراتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*