“الثأر” الماروني في الجامعة العربية


جهاد الزين
14122017
النهار

يمتلئ خطاب وزير خارجية لبنان جبران باسيل الأخير أمام وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة (9-12-2017) بما يمكن أن نسميه الخبرة التاريخية للأقلية المارونية المسيحية في التعامل مع العالم العربي خصوصا والعالم المسلم بالأعم.

فتاريخ الدولة اللبنانية التي تضطلع النخبة المارونية – المسيحية بدور واجهي (من واجهة) دائم فيها مهما تقلّبت تأثيرات ممثليها في هذه الدولة، ولاسيما رئيس الجمهورية، هو تاريخٌ صعب ومعقّد من حيث أن هذا المحيط كان موضوعيّاً مصدر عدم استقرار في الداخل اللبناني. وكان هذا المحيط ينجح دائما رغم تعدّد وتنافر قواه وسلطاته في أن يفرض على الدولة اللبنانية توازنات أو اختلالات كانت النخبة المارونية المسيحية تتعامل معها بصعوبة فائقة إلى حد يمكن إضافة تعبير “الدولة الدائخة” أو “الدولة المصابة بدوار” في وصف الدولة اللبنانية من حيث علاقتها بهذا المحيط.

قد لا يجوز لي أن أختصر تاريخ لبنان منذ العام 1920 وقطعاً منذ العام 1943 بهذا الابتسار الشكلي والمضموني. ولكن المنحى اللغوي السياسي الذي اتخذه خطاب باسيل يمكن القول عنه أنه خطاب بسبب هذه الخبرة التاريخية يحمل بشكل مختلف فهما لـ”اللعبة” مع العالم العربي طالما كانت المدرسة التقليدية بين نخب هذه الأقلية المارونية – المسيحية تنحى عكسه.

في خطاب باسيل فهمٌ مثير ل”اللعبة”:

ممثلو “العرب” تحدّث معهم باسيل بلغتهم التعبوية. تحدّث معهم عن يسارهم لا عن يمينهم. أي أنت لست فقط جزءا عضويا منهم في طموحاتهم التحريرية اللغوية والتعبوية بل أنت أيضاً أكثر منهم إصرارا على هذا الموقع المنفعل بنكبات المنطقة.

أتحدث هنا عن الخطاب الرسمي أو الخطاب باسم الدولة كما تعبِّر عنه نخب مارونية رسمية أو غير رسمية ولكن ما تفترضه أنه تماهٍ مع مصالح الدولة.

لذلك شكّل التأنيب الذي وجهه خطاب باسيل لوزراء الخارجية العرب من موقع وحدة الحال المقدسية المسيحية الإسلامية معهم عنصرَ الجاذبية الأكثر نجاحا فيه. لقد انقلبت الأدوار. كان التوبيخ يُوجَّه للدولة اللبنانية، وإذا لم يكن توبيخا فهو تحريك عقدة الذنب الذاتية اللبنانية القديمة تجاه قضايا المنطقة ولاسيما القضية الفلسطينيّة. في خطاب باسيل ولهجته “النادرة” باسم الدولة اللبنانية وعمليا باسم رئيس الجمهورية يتحول المؤنَّب (بالفتحة على النون) التقليدي أي ممثل لبنان إلى مؤنِّب (بكسر النون) لممثلي العرب!

يقول:

“لذلك أنا لست هنا بإسم لبنان لأستنكر عملية سلب، ولا لأستذكر هوية عربية نحن من صناعها، ولا لأستفسر عن إنتماء عميق يُراد إضاعته في نزاعات إلهائية، تريد تقسيمنا الى ملل ومذاهب، الى قبائل وعوائل، وتحويلنا أمة مفتتة يُستسهل إهانتها وسرقة رموزها، وإغتصاب أرضها، بدل أن تكون رابطة تشارك، يجمعنا فيها العلمُ والتطور والحوار. وأنا بالطبع لست هنا لإستصدار بيانٍ عقيمٍ، أو إدانة رمزية يُمحى حبر ليلها ويُستهزأ بِها من سامِعيها”.

الكلمات: بيان عقيم. إدانة يستهزئ بها سامعُها.

يقول:

“نحن من هوية القدس، كرامتنا لا تمس وهويتنا لا تخطف، بل تعود لتتحرر فتنطلق من لبنانيتها الى مشرقيتها الى عروبتها… نحن هنا لنستعيد عروبتنا الضالة ما بين سنة وشيعة….. وخلق قوى تكفير وتعرضٍ لوجود أقليات وكلنا بمعنى ما أقليات”.

الكلمات: كرامتنا لا تمس… لا تُخطف. العروبة الضالة. كلنا أقليات.

 يقول:

“هل يمكن للمصيبة أن تجمعنا؟ أن تصفعنا لنفيق من سباتنا؟ فالقدس أم وأخت، شرفنا من شرفها، وهي تنادي وتستنجد بنا. فهل نخذلها؟ أم نستنهض هممنا لنصرتها؟ فالتاريخ لن يرحمنا، وأولادنا في المستقبل لن يشعروا بالفخر مما فعلنا، والمرآة حين ننظر اليها سوف تنظر الينا بإستحقار. الويل لنا إذا خرجنا اليوم بتخاذل، فإما الثورة وإما الموت لأمة نائمة”.

الكلمات: شرف القدس. الخذلان. المرآة التي “تحتقرنا”. التخاذل. الأمة النائمة.

كلمات تأنيبية وغيرُها تتدفّق من فم الشاب البتروني بأخطاء قواعدية غير كثيرة، ولفظٍ واضح، وقافٍ كان من الأفضل أن يتدرّب على لفظها بشكل أفضل.

كلها كلماتٌ تُرمى على العرب بدل أن ترمى على لبنان. لعبة لغوية جديدة. واللعب بالنتيجة كلُّهُ لغويٌ على هذا المستوى! حتى بات من الضروري أن نعرف “المطبخ” الذي تشارك مع جبران باسيل في صياغة هذا الخطاب؟ وهذا لا يضير الوزير بشيء. (بالمناسبة: البيعة الفرعية العابرة ضد “ربيع عربي” كان يمكن أن تتم بطريقة اكثر توازنا بين نقد نتيجته التفتيتية المريعة – ما عدا تونس- وبين احترام قيمه أو أوهامه الأصلية!).

دخل هذا الخطاب في تاريخ باسيل. هذا أكيد.

بل دخل هذا الخطاب في تاريخ عملية “تأهيل” سياسي لباسيل بشكل جدّي. ربما.

دخل هذا الخطاب في تاريخ تَخاطُبِ الدولة اللبنانية مع المنتدى الرسمي العربي. هذا أكيد. لكنه حتى اللحظة خطابٌ عربيٌ حماسيٌ آخر لبنانيتُه هي غير المألوفة فقط.

بهذا المعنى اسْتعرب باسيل وتلبنن العرب داخل قاعة اجتماعات جامعة الدول العربية.

أختم بالإشادة الجادة بما تضمنه الخطاب من الإشارة إلى الدور المسيحي في المساهمة بصناعة “الوعي الوطني” في المنطقة والرموز المذكورة جادة وجدية جدا. وهو نَفَسٌ يُضاف من الناحية السياسية إلى معنى ما يمثله عهد الرئيس ميشال عون من “صحوة” مسيحية في التوازن الداخلي اللبناني (وليس الإقليمي).

هذه هي الخبرة التاريخية التي تكمن في قلب نمط التخاطب، والتي تحمل معها بشكل تلقائي ثأرا من تاريخ اتهامي.

تعلّم الموارنة الرسميون أخيرا أصول اللعبة! للإنصاف يجب القول أنهم حاولوا التكيّفَ معها دائما مثل تجربة الرئيس سليمان فرنجية في الأمم المتحدة التي “تحطمت” نتائجها على مذبح الانفجار الذي أصبح مستحيل التلافي عام 1975. فضلا عن أنها حقبة كان فيها الخطاب الرسمي اللبناني دفاعيا بل متّهَماً كالعادة منذ الخمسينات تحديداً بعد تولّي كميل شمعون الرئاسة الأولى وطلاقِه مع لعبة “فتى العروبة الأغر” حين انتقلت العروبة السائدة من معايير جيل الهاشميين إلى معايير جيل جديد يومها أكثر صعوبة مع عبد الناصر.

يعرف لبنان حجمه السياسي الصغير. لكن هذا الاتقان اللبناني (المسيحي) الجديد للّعبة الهجومية يدخلنا بشكل شرعي إلى السوق السائدة، وبطريقة متكافئة تمنع أو تؤجِّل على الأقل تهديدنا بحروبنا الأهلية تحت الشعار المستهلَك عن “تقصيرنا”. وهذا، ما تشارك فيه أحيانا، أي التهديد، قوى محلية لبنانية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*