التوحّش ضد اللاجئين والهندسة السياسية الجديدة للعالم

 

رأي القدس
Jun 21, 2018
القدس العربي

 

تناظر اليوم العالمي للاجئين في العالم مع مجموعة من القرارات والتصريحات والأحداث التي لا تصبّ في صالح اللاجئين أبداً.
كان معبّرا كثيراً أن تظهر شرائط الفيديو والصور المؤثّرة لأطفال المهاجرين إلى أمريكا الذين فصلوا عن عائلاتهم ووضعوا في معتقلات على شكل أقفاص حديد كبيرة مثل الحيوانات، نتيجة قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثير للجدل والذي تلخّصه تغريداته المحقّرة والمجرّمة للمهاجرين، رغم أنه هو نفسه حفيد مهاجر من ألمانيا.
جدير بالتأمل إن هذا القرار، وتلك الصور المؤثرة، أدّت لغضب سياسي كبير في الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن الديمقراطيين والجمهوريين معا، لكنّ قرارا أكثر توحّشاً صادرا في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، المجر، يجرّم المنظمات غير الحكومية التي تساعد المهاجرين، حظي بتأييد 160 نائباً مقابل 18، وهو ما يعني أن هناك اتجاها شعبياً كاسحاً في ذلك البلد للتعامل مع المهاجرين ومن يساعدهم على أنهم مجرمون.

أما في إيطاليا، وهي البلد التي نشأت فيها النهضة الأوروبية وديمقراطية المدن الأولى، فإن ماتيو سالفيني، وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، يريد إقامة «إحصاء استثنائي» للغجر لطرد من ليس يحمل الجنسية منهم، مضيفاً إن من يحملون الجنسية «للأسف» بإمكانهم أن يبقوا، وهذا التصريح يدلّل على أن الاتجاه الفاشي والعنصري الذي يمثّله سالفيني هو مشروع للاستئصال الداخليّ ضد الأديان والإثنيات «غير المتجانسة» (وهو مصطلح ابتدعه الرئيس السوري بشار الأسد)، يستعيد الاتجاهات النازية والفاشية لثلاثينيات القرن الماضي.

الضعف الكبير الذي عاناه تيار اليمين المتطرف بعد سقوط ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية القرن الماضي، يبدو أنه بدأ باستعادة أمجاده، عبر الاستيلاء على الحكم في أكثر من بلد أوروبي، فهناك فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، والمستشار النمساوي سيباستيان كورتز، والتحالف الجديد الحاكم في إيطاليا الذي تشاركت فيه الرابطة اليمينية للشمال وحركة النجوم الخمس، إضافة إلى تسجيل أحزاب أخرى نجاحات انتخابية كبيرة كما هو حال «البديل» الألماني (الذي استعار وزير الداخلية الألماني الآن خطابه ضد المهاجرين ودخل في مواجهة مع المستشارة أنغيلا ميركل)، و«الحرية» الهولندي، و«الجبهة الوطنية» الفرنسية التي نافست زعيمتها على رئاسة الجمهورية، وكذلك حزب «يوكيب» البريطاني الذي قلب موازين القوى وأدت اندفاعته الشعبية الكبيرة لنجاح استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وشارك زعيمه نايجل فراج في دعم صعود دونالد ترامب، الذي يعتبر، عمليّاً، الراعي الكبير لهذا الاتجاه الشعبوي الكاسح في أوروبا.

كراهية هذا التيار اليميني المتطرف للمهاجرين، وللأقليات الإثنية والدينية (وخصوصا المسلمين)، تتناظر مع ميل متعاظم للاستبداد والحكومات الشمولية الطاغية، (في بلدانهم نفسها، كما حصل في المجر)، وهو ما يفسّر هذه الجاذبية الكبرى التي تمثّلها روسيا، والعلاقات المتزايدة، السياسية والمالية، بين الكرملين، وتلك النخب والأحزاب، كما يفسّر هذا الغرام بالتعامل مع الطغاة والجنرالات، كما هو الحال مع الأسد، الذي لا تنفكّ وفود تلك الأحزاب عن زيارته، وعبد الفتاح السيسي، الذي قامت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي بزيارته وامتداح سياساته، وصولاً إلى قادة الإمارات (والسعودية، الضيف المستجدّ على نادي «الأقوياء» بقيادة وليّ العهد محمد بن سلمان)، الذين انقلبوا، في عين ساسة اليمين واللوبيات الإسرائيلية، من متخلفين، كما كانت التنميطات العنصرية الإعلامية الغربية تصورهم، إلى قادة حداثيين ورواد تقدم ومدافعين عن المرأة!
صعود اليمين المتطرّف الغربي هو إذن مشروع جديد متكامل، وإذا كانت خطورته وبطشه موجهين نحو المهاجرين، فإن طموحاته تتجاوز أولئك، الذين هم كبش الفداء، إلى إعادة هندسة سياسية جديدة لفضاء العالم الديمقراطي تسير به نحو جولة جديدة من العنف والحروب والانقسامات الكبرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*