ترك العصر الرقمي أثراً بالغاً على صناعة الموسيقى حول العالم. يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن تبدّل هذا المجال بفعل التحوّل باتجاه الأشكال المختلفة من الاستماع عبر الإنترنت (أهمّها الـ «ستريمينغ»)، فيما يُستثنى التمويل الجماعي عبر المنصّات الإلكترونية ــ بإيجابياته وسلبيّاته ــ من المعادلة!

الشهر الماضي، دخلت المغنية السورية الشابة فايا يونان (1992 إلى موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية كـ «أوّل فنانة تنتج عملاً أوّل بواسطة التمويل الجماعي». جاء ذلك، بعدما لجأت الصبية الحلبية إلى الـ “كراود فندينغ” لإنجاز أغنيتها المنفردة الأولى «أُحِبّ يديك» (كلمات مهدي منصور، ولحن وتوزيع ريان الهبر) في عام 2015 عبر موقع «ذومال». صحيح أنّ هذا الأسلوب حقّق نتيجة لافتة لفايا، إلا أنّها ليست الوحيدة التي اعتمدته بين فناني العالم العربي. فقد سبقتها إليه الفنانة اللبنانية تانيا صالح (1969) التي موّلت ألبومها «شوية صوَرْ» في عام 2014 عبر المنصّة نفسها، وكذلك فعلت منذ سنوات فرقة «مشروع ليلى» اللبنانية، وفرقة «المربّع» الأردنية، والأوركسترا الفلسطينية «خلص»، بالإضافة إلى فرقة 47″كراود فندينغ” المؤلفة من شباب فلسطينيين وأردنيين، والمغنية والمؤلفة الموسيقية وعازفة الأكورديون المصرية يسرا الهواري.

لجأت تانيا صالح إلى هذه الطريقة لإنتاج ألبومها «شويّة وغو”صُوَرْ»

التمويل الجماعي ليس مفهوماً جديداً، بل يعود إلى عام 2008. ومنذ ذلك الحين، صار من شأنه تبديل قواعد اللعبة بتحوّله إلى متنفّس للمبدعين المستقلين والفنانين وروّاد الأعمال والحملات الإنسانية. فهذا المفهوم أسهم في تأمين هامش أكبر من الحرّية المالية، كما أنّه ساعد في تقليص سلطة المستثمرين. المبدأ بسيط للغاية وقائم على تبرّع عدد من الأشخاص بمبالغ متفاوتة من أجل بلوغ سقف مالي معيّن يضعه صاحب المشروع، ضمن فترة زمنية محدّدة. أما أنواع الـ “كراود فندينغ”، فتنقسم عموماً إلى أربع فئات: «نظام الجوائز» (بعد نجاح المشروع، يقدّم صاحبه جوائز للمتبرّعين)، و«القروض» (يتوجّب على صاحب المشروع إعادة أموال المتبرعين بعد مدّة معينة متّفق عليها)، و«الاستثمار» (يلجأ إليه عادة روّاد الأعمال الراغبين في جمع رأس مال لتأسيس شركة ناشئة)، و«دون مقابل» حيث لا ينتظر المتبرّعون شيئاً من الشخص الذي يحصل على الأموال. هذا النوع الأخير هو الأكثر شيوعاً في أوساط الفنانين والمبدعين، كما يتم اللجوء إليه في حالة الكوارث والحروب والنزاعات المسلّحة. أما لائحة المواقع الإلكترونية المتخصّصة في التمويل الجماعي فطويلة، نذكر منها: إندياغ، و”كيكسستارتر”، و”غو فند مي” ، و”روكيت هاب”، و”بير باكرز”، و«ذومال»، و”أورييكا”، وغيرها.
في ظل سيطرة شركات الإنتاج الكبرى وتحكّم رأس المال في سوق صناعة الموسيقى إلى جانب عقود الاحتكار، يجد الفنّانون الراغبون بتقديم أعمال مستقلّة أو غير تجارية مختلفة عن السائد في الـ “كراود فندينغ” وسيلة مُثلى لوضع مشاريعهم على سكّة التنفيذ. رأي توافق عليه تماماً الفنانتان تانيا صالح وفايا يونان. في حديث مع «الأخبار»، تشدّد الأولى على أنّه عند إعداد «شويّة صُوَرْ» لم يكن أمامها سوى التمويل الجماعي في ظلّ «افتقاري إلى الأموال الطائلة، وغياب الموارد الأخرى، وعدم تجاوب أي جهة قصدتها لهذه الغاية، لا سيّما أنّ الشركات تدعم عادةً الفنانين الشباب وعمري ربّما ليس مناسباً، ناهيك عن أنّ المصارف لا تأبه لنوع الموسيقى الذي أقدّمه». وضع يونان مشابه إلى حدّ بعيد، إذ إنّ اللجوء إلى الـ “كراود فندينغ” كان الحلّ الوحيد لأنّ العروض التي تلقّتها لم ترُق لها: «أردت أن أشتري حريّتي، وبعدما اقترح عليّ مدير أعمالي حسام عبد الخالق الموضوع، أعجبني الفكرة ورُحنا ندرس الموضوع واحتمالات النجاح والفشل». توضح صاحبة أغنية «في الطريق إليك» أنّ خوض هذه التجربة في بداية رحلتها المهنية كان «صرخة» حقيقية في وجه مقولة «الجمهور عاوز كده» بما أنّ «الناس الحلوين موّلوا الـ «سينغل»… 120 شخصاً تحديداً. إنّها فرصة مهّمة للناس ليقولوا ماذا يريدون ويشعروا بأنّهم منخرطون أكثر في العملية الفنية».

موّلت فايا يونان أغنيتها المنفردة الأولى «أُحبّ يدَيْك» عبر «ذومال»

لا شكّ في أنّ للتمويل الجماعي إيجابيات، لكن لا يمكنه أن يشكّل العمود الفقري لنشاط الفنانين، خصوصاً العرب منهم.
«لا أخفي أنّ الشعور أقرب إلى شحذ المال. في مقابل تجاوب كثيرين، هناك ردود فعل سمجة ومُحبطة. ربّما يتعلّق الأمر بأنّ المفهوم ليس شائعاً في العالم العربي بقدر ما هو في الغرب»، تقول تانيا صالح. ثم تؤكد أنّها لن تكرّر التجربة مستقبلاً لما ينجم عنها من «إرهاق وضغط وإجهاد نفسي وعاطفي، من دون أن ننسى القلق من الإخفاق في جمع المبلغ المطلوب في الوقت المحدّد، أو من فشل المشروع بعد التمكّن من الإنتاج». وعلى أي حال، ترى تانيا أنّ المنطق يقول إنّ على الفنان أو المبدع أن يكون قادراً «على شق طريقه بمفرده بعد هذه الخطوة، وأن يمتلك الأدوات التي تساعده على ذلك، كالانتشار الأوسع بسبب الحفلات والمهرجانات…».
لا يختلف موقف فايا عن زميلتها. «التكرار لا ينفع في هذه الحالة»، تقول ضاحكة. وتشرح أنّه «نطلب المساعدة لمرّة واحدة في سبيل الانطلاقة. ففي ما بعد، يُفترض أن يكون فنّي مصدراً لرزقي. أعتقد أنّ طلب المال مجدّداً يُعطي انطباعاً بأنّ أعمالي ليست مُربحة أو غير قادرة على العيش، الأمر الذي سيُنفّر كثيرين». في هذا السياق، تلفت الصبية التي عاشت جزءاً كبيراً من حياتها في السويد إلى أنّه نظراً لأنّ أساسيات العيش مفقودة في بلادنا المنكهة بشتّى أنواع المشاكل، وبما أنّ الفنّ في مجتمعاتنا «للأسف» ثانوي مقارنة بالهموم الأخرى، قلّة تفهم الدور المهمّ الذي يمكن تأديته في حيواتهم. وتتابع صاحبة أغنية «بغداد» موضحةً أنّ «من الصعب جداً إقناع أشخاص غير مستعدين لإنفاق المال لشراء ألبوم، مفضّلين القرصنة مثلاً، بدفع المال للمساعدة في ولادة مشروع فني». لأن التمويل الجماعي يتيح للفنانين كسب المال من موسيقاهم حتى قبل أن يصنعوا تلك الموسيقى، جادل البعض بأن الموسيقيين الشباب يستخدمونها لتخطي العمل الشاق الذي يتطلبه تطوير مهنة في الصناعة.

صعوبة في العالم العربي بسبب هموم الناس والنظر إلى الفن كعنصر ثانوي

على خطٍ موازٍ، تشير بعض الآراء إلى أثر سلبي للـ “كراود فاندينغ” على صناعة الموسيقى اليوم. في مقال نشره قبل أربع سنوات، تحدّث موقع “نوازي” التابع لمجلة «فايس» الأميركية ــ الكندية عن مشكلة تتعلّق بلجوء فنانين شباب إلى هذه الوسيلة لإطلاق أعمال ضخمة في الوقت الذي لا يزالون فيه بحاجة إلى الكثير من «التمرين والثقافة»، وكذلك الأمر بالنسبة لمَن يريدون إقامة حفلات في فضاءات ضخمة للغاية وهم يفتفرون إلى الخبرة. الموقع الذي تأسس في عام 2011، تخوّف كذلك من استخدام التمويل الجماعي من قبل عدد لا يستهان به من الفنانين في سبيل الترويج والتسويق حصراً من دون التركيز أو تكبّد عناء صناعة الموسيقى والفن. غير أنّ نوازي” شدّد في النهاية على أنّه طالما أنّ هذا الأسلوب يُستثمر لدعم الفنانين المستقلّين وعلامات التسجيل الصغيرة على الاستمرار وإنتاج أعمال جيّدة، فـ «لا يمكننا” الاعتراض»!


تجارب إيجابية

أمثلة عدّة يمكن ذكرها في سياق الحديث عن تجارب إيجابية ولافتة مرتبطة بالتمويل الجماعي. فبعد صراعات طويلة ومنهكة مع شركات الإنتاج وقلّة الموارد المالية، واجهت فرقة الـ«هيب هوب» الأميركية “دو لا سول” (الصورة) مصاعب لإنتاج أعمال جديدة. في ظل هذا الواقع، لجأت الفرقة التي تأسست في لونغ آيلاند في عام 1987 إلى موقع “كيكستارتر” في بداية 2015 لتمويل لألبوم جديد. وبعد فترة وجيزة، أبصر “أنينايموس نوبادي”… النور بعد الحصول على أكثر من 600 ألف دولار أميركي في وقت قياسي.
وفي سياق منفصل، لجأ المعجبون بـ  فوو فايتر في ريتشموند في ولاية فيرجينيا الأميركية في عام 2014 إلى موقع “كراودتلت” لبيع بطاقات لحفلة لم تكن موجودة أساساً، أملاً منهم في حثّ أعضاء الفرقة على الرضوخ للأمر الواقع بعد بيع كل التذاكر. وهذا ما حدث بالفعل، لتكون أوّل حفلة لها في هذه المنطقة منذ 16 عاماً.