التملّق للجيش ضد الديمقراطية

منير الربيع|الأربعاء02/08/2017
Almodon.com

مهمّة الجيش واضحة أرفع من حفلات الزيف والزجل (Getty)

نمونا على ثقافة أن الدماء التي تجري في عروقنا هي ملك للأمة متى طلبتها.. وجدتها، أو أن كل ما فينا هو من الأمة وكل ما فينا هو للأمة. تزرع هذه الشعارات القومية الاجتماعية بعضاً من حماسة، تنشأ مع أشبال الأمة، وتصبّ في خانة الموت والتشظّي على طريق تكوينها. هو المفهوم المتأخر لقرون عن تطور الدولة القومية أو الدولة/الأمة. وبعكس ما يراد لهذه الشعارات وتطبيقها أن تزرع في الفرد المنتمي لهذه الأمة عنفواناً مدنياً ودرباً نضالياً، تخلق في النفوس شعوراً خانعاً غير واثق، يضطر دوماً إلى الخضوع لاختبارات وطنية، والدفع من قيمته الإنسانية لشراء صكوك الغفران.

في نمو التجربة، وبداية تكوّن مراحل نضجها، يثبُتُ العكس، ليتعزز مفهوم النظرة الشوفينية لهكذا نظريات أو عقائد. يأتي التكوّن متأخراً، يعود إلى زمن كانت فيه الصراعات القومية (حقيقتها صراعات دينيّة بمضامين مصلحية)، خرجت منها أوروبا بثورات متعددة وحروب عالمية، حتى وصلت إلى دولة الرعاية الاجتماعية.

وبذلك انقلبت آية التبجيل بالأمة، أو بجيوشها، لتنصبّ على الاهتمام بالإنسان، أو المواطن. فتكتشف أن القاعدة الأمثل، تتمثلّ بالقدر الذي تخدم فيه مصالح الإنسان، وأن الأمة أو الدولة يجب أن تكون في خدمته. هكذا طوت أوروبا مرحلة تمجيد العسكر، وخرجت من معسكرات الإنقسام والحروب العبثية.

قد يجد العربي في مؤسسات القوة لديه، والمتمثّلة بالقوات المسلّحة، جزءاً من الاستعاضة عن نقص يعتريه. وهذه قد تكون مبررات لدى أركان السلطات، لحجب التنمية وتبرير القمع والحرمان، لأن الوطن السليم بالجيش السليم وفق رؤية الأنظمة العربية، لا بالإنسان الكريم. شكّلت سوريا على مدى أكثر من أربعين عاماً، نموذجاً يحتذى للاستدلال على هذا الكلام. طيلة تلك العقود، كان تبرير النظام لسوء أحوال مواطنيه، وحرمانهم من أدنى حقوق التنمية، الاجتماعية والإقتصادية، بأن نسبة تسعين في المئة من موارد الدولة كانت تصرف على الجيش، لتعزيز قدراته في إطار سباق التسلّح في منطقة ملتهبة وعلى التخوم مع عدوّ ينتهز فرصة مؤاتية للإنقضاض عليه. كان المفهوم العسكري لهذه الشعارات، بأن الحاجة إلى تسليح الجيش وتخصيصه بمقدرات الدولة، يهدف إلى حماية الشعب. وكما انقلبت مقولة الأمة التي تمتلك الدماء، ما لبثت أن انقلبت هذه الآية، حين خرج الجيش ليحمي أركان سلطته بوجه شعبه.

قد يتعمم النموذج السوري على مختلف الأنظمة العربية، فيما لبنان يبقى خارجاً على هذا التعميم. ولكن ثمة من يريد زجّ الجيش وتكبيله بخيوط من قماشة تلك الجيوش أو الأنظمة. ليس المقصود هنا، بأهداف سياسية، أو نظريات المؤامرة، لا بل الأمر أسهل بكثير. يتعلق بتلك المغالاة المشهودة التي تدفع الجيش إلى هذه الخانة. أدنى قواعد التبسيط تفيد بأن المغالاة بحبّ شخص ما أو جهة ما، إنما تنطوي على سببين، إما أن المغالي يشعر بذنب ويريد التكفير عنه، أو أنه يطلب ما هو غير مباح. وهذا أيضاً قد ينطبق عن قصد أو غير قصد على المغالى تجاهه، بأنه يطلب محبة زائدة، شعارات رنانة، لتثبيت كسب العطف أو الشرعية، كمن يبحث عن شيء يفتقده.

لا يمكن معاينة مشاهد مشابهة لما يحصل في لبنان في دول أخرى. تمر الأعياد الوطنية لتلك الدول أو أعياد جيوشها بسلاسة وهدوء. فاعلية الجيوش وإنتاجيتها، تتثبّت بهذا الهدوء، لأن عملها يقتصر على توفير الأمن والأمان، وليس إحداث الجلبات والاستعراضات. فعل الاستعراض يقترفه من يفتقد غاية وجوده، أو يعجز عن تحقيق مهمته. وهنا الأكيد أن الجيش في ما قدّمه ويقدّمه يبقى بعيداً عن زاوية يريد المغالون حشره بها. خلف مغالاة هؤلاء، سواء أكانت هشّة وسطحية، أم استعاضة عن ضعف، هناك أمر خبيث، وهو إثبات أن الجيش يحتاج إلى داعمين ومدافعين، في الوقت الذي يكون هو فيه المدافع عن الجميع، ولا يحتاج إلى من يدافع عنه، لأنه غير عاجز عن ذلك.

تتلخّص الطامة الأكبر في الإجبار على عسكرة المجتمع. لا شك في أن هذه أفعال تملّق من البعض، لكنها في عمقها تؤدي إلى ما هو اخطر. وهذا ما برز في حملات رفع الأحذية العسكرية فوق رؤوس البعض. وحالات التسخيف هذه لا تخدم الجيش ولا الأهداف التي يعمل على تحقيقها وهي حماية الدولة- الوطن، بمكوناتها ومجتمعها. فحين ينحدر المجتمع تنحدر القيمة المثلى للجيش، تماماً كما عانى الجيش على مرّ سنوات من الإنقسامات السياسية والطائفية، التي قادته إلى التفكك.

مهمّة الجيش واضحة، وتبقى أرفع من كل حفلات الزيف والزجل. والغنى عنها يبقى أفضل، لأنها تسهم بدلاً من تفككه في تبجحه. وهذه أخطر من تلك، لأنها تقود إلى عسكرة المجتمع، التي تقضي على ما يتغنى به لبنان في هذه البقعة، بأنه الدولة الديمقراطية الوحيدة فيها. في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يسطو على ذلك، حين وصف كيانه الغاصب لدى استقباله رئيس وزراء الهند بأنه يرحّب به في الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. ومواجهة العدو، سواء أكان إسرائيل أم الإرهاب، لا تحصل إلا بتعزيز مدنية المجتمع والحفاظ على تنوّعه، وليس بعسكرته وارتكازه على مفهوم القوة، لأنه يعزز ما يريده الأعداء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*