حفلت مرحلة الانتخابات النيابية بكلام كثير عن مستوى التمثيل المسيحي وخلفيات اختيار التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية لمرشحي كل منهما في الدوائر التي خاضوا فيها الانتخابات. بين عامل المال والانتماء الحزبي والتاريخ «النضالي» لبعض المرشحين، لعبت عناصر أخرى تأثيرات مباشرة في اختيار المرشحين، ولا سيما أولئك غير الحزبيين الذين لم يكونوا في تاريخهم مؤيدين لهذا الطرف أو ذاك، وانضووا لاحقاً في كتل حزبية صافية.

وإذا كانت عملية انتقاء المرشحين للانتخابات النيابية خضعت للعديد من المصافي في الدوائر الحزبية وتحكمت فيها قرارات رئاسة الحزبين، ظهر أن القوى المسيحية الرئيسية لم تخرج من دائرة اختيار مرشحين يكون سقفهم الاساسي موالاتهم المطلقة بالمعنى الحرفي للكلمة. يكفي ما حصل في المعركة الكلامية بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ونواب تكتل لبنان القوي الذين سارعوا بكبسة زر إلى الرد جماعياً عليه، لتقديم نموذج عن الشخصيات التي اختيرت ونوعية خطابها.
ومع بدء مشاورات تشكيل الحكومة، طرح النقاش مجدداً حول هوية الاسماء المطروحة للتوزير، لا سيما مع تشكيلات تحدثت أيضاً عن مستوزرين من صنف رجال الاعمال والمتمولين وأصحاب الثروات، كما في الانتخابات النيابية، علماً بأن الاطراف المعنيين بالتأليف يتحدثون عن حكومة طويلة الأمد، ومواجهة استحقاقات كثيرة، تفترض الإتيان بوزراء على قدر المرحلة، لأن إقامتهم ستطول في وزاراتهم.
ثمة إشكالية تتعلق بهذا الشق من الحياة السياسية، لأن بعض الاحزاب إما يذكر بمراحل سابقة قبل الحرب حين كان كل حزب يقدم وزراءه، أو بالتمثل بالحكومات الغربية على قاعدة ان الاحزاب يجب أن تسمي حكماً حزبيين لتمثيلها في الحكومة. لكن بما أن للبنان تجارب مغايرة تماماً في مقاربة أسلوب الحكم، وبما أن القوى المسيحية قدمت نفسها منذ عام 2005 حتى اليوم على أنها أحزاب تغييرية وتريد عدم تكرار تجارب حصلت في الزمن السوري، إلا أن ما بدأ يتسرّب من لوائح أوّلية بأسماء مرشحين للوزارة أو حتى استناداً الى التجارب القليلة التي حصلت في السنوات الاخيرة، لا يظهر أن القوى المسيحية مقبلة على تغيير جذري في رؤيتها للعمل الحكومي ولا في تقديمها شخصيات، من داخل الكادر الحزبي أو من خارجه، تتمتع برؤية سياسية وعلمية بعيدة عن الاطار السياسي الضيق.
حتى إن العودة الى ما قبل الحرب الأهلية تظهر أن الاحزاب الرئيسية قدمت نماذج متقدمة ورائدة وذات كفاءة عالية لا تزال تتردد حتى اليوم، إن لجهة الكفاءة أو الخبرة السياسية.

تجربة اختيار الوزير شربل نحاس وخروجه من الحكومة كافية ووافية ومعبرة

مهما كانت الملاحظات السلبية التي تعطى لأداء حركة أمل ودورها المزمن في إدارة الدولة، والذي طرحت عليه علامات استفهمام، إلا أن الكوادر الذين قدمتهم الحركة أو حزب الله، والحزب التقدمي الاشتراكي، في الإطار الوزاري، أثبتوا أن هذه الاحزاب قدمت شخصيات، وآخرها الوزيرة والنائبة الحالية عناية عز الدين، لعبت دوراً سياسياً وتركت بصمتها السياسية. في المقابل، قد يكون مفيداً استعراض الكثير من الاسماء التي قدمتها القوات والتيار الوطني الحر في الحكومات الماضية، لا سيما أن هذين الفريقين يبالغان أحياناً في تقديم إنجازات وزرائهما، إن بتعبيد طريق أو بحفر بئر، أو إضاءة عمود كهرباء، أو بلائحة دواء أو تشجيع مهرجانات، من أجل طرح أسئلة جدية عن هوية الوزراء المحتملين في الحكومة الجديدة. فهل سيكون التوزير بمثابة جوائز ترضية لخدمات أو لأعمال قدمت إلى الحزب، أم أنه واجهة حضارية لطبقة من الوزراء يتمتعون بشخصيات سياسية مستقلة قادرة على النقاش وخوض معارك سياسية وتقديم أداء وزاري بعيد عن البروباغندا الحزبية، ولو كانوا ممثلين للقوى التي تسميهم.
في خضم المواجهة الاقليمية والتحديات التي يقبل عليها لبنان مع حكومته الجديدة، وفي ضوء التنافس بين القوى السياسية على عناوين جذابة كمحاربة الفساد وملفات الكهرباء والنفط والاصلاح الاقتصادي، تصبح هذه الكتل أمام تحدّ، يتعدى الحصول على الحقائب، في إنتاج طبقة وزارية بعيدة عن الشبهات وعالية الكفاءة، ونماذج سياسية تكون عليمة بملفات تطرح في مجلس الوزراء، وفيها ألف فخ وفخ.
وبين التأرجح في الفصل بين النيابة والوزارة ومحاباة مرشحين خاسرين أو نواب سابقين أو موظفين أصبحوا برتبة وزراء، تبدو مهمة هذه الاحزاب سهلة، لتقديم مجموعة وزراء يضافون الى سجل من لا يتركون بصمات في تاريخ الحكومات ولا القوى السياسية. فالخروج عن المألوف والمبادرة الى اختيار شخصيات سياسية مستقلة ذات كفاءة أو اعتماد منهجية علمية في انتقاء وزراء على قدر الآمال، ليست أموراً تستسيغها الاحزاب المسيحية التي تريد شخصيات طيّعة ونظامية. تجربة اختيار الوزير شربل نحاس وخروجه من الحكومة كافية ووافية ومعبّرة.