التعايش اللبناني بين الديموقراطية المتخلِّفة والحزب “العسكري” الحاكم

محمود حدّاد
النهار
21082018

ليست المسألة الأهم فيما يجري نقاشه حول تأليف الحكومة اللبنانية العتيدة هو شكلها وألوانها وحصصها. فهي قبل كل شيء و بعد كل شيء “حكومة ظل” تملك و لا تحكم تماماً مثل ملكة بريطانيا ومثل الحكومات التي سبقتها في السنوات التي تلت اتفاق الطائف وبعد اتفاق الدوحة. ويعرف القاصي والداني أن السلطة في لبنان محسومة لـ”حكم عسكري” من خارج المؤسسة العسكرية الرسمية يمسك به فريق يملك من مقوماته الذاتية، ماديا وعسكرياً، ومن تحالفاته الإقليمية، سياسياً وعسكرياً، ما يُسبغ عليه صفة ” الحزب الحاكم” فعلياً، لا فرق كبيراً إذا كان له حصة رمزية أم حصة وازنة في الحكومة القادمة. فالحكومة بزينتها ونياشينها وسياراتها الفارهة وصورها اللماعة ومفاسدها شبه العلنية شيء والحكم بملابسه المرقطة وسياراته الداكنة الزجاج ومفاسده شبه الخفية شيء آخر. فنحن نعيش قي الواقع في ظل نظامين لا نظام واحد: نظام الديموقراطية المتخلفة ونظام الانقلاب العسكري الذي يحكم من وراء ستار. ولقد كان المألوف في دول العالم الثالث أن يتناوب على الحكم إما ممثلو الديموقراطية المتخلفة المؤلفة من مراكز سياسية واقتصادية ومالية متنافسة أو ممثلو الانقلاب العسكري الذي يأتي بحجة مقاومة فساد الديموقراطية المتخلفة إلى أن يفسد هو نفسه فيمهد الطريق لعودة الديموقراطية المتخلفة وهكذا دواليك. أما في الوضع اللبناني الراهن، وبسبب تعقيدات الخارطة الطائفية اضطرتنا الظروف إلى القبول بالتعايش بين الديموقراطية المتخلفة والانقلاب العسكري غير الرسمي معاً.

أما كل هذه التجاذبات الجارية حول توزيع الحصص الوزارية فهي من ضرورات “اللعبة الديموقراطية” التي تحولت، وبامتياز، فعلاً إلى “لعبة” باهتة بلا لون أو رائحة أو طعم منذ نحو عقدين من الزمان حيث تتكرر حكاية ” إبريق الزيت” كلما وصلنا إلى استحقاق حكومي أو اضطررنا إلى اتخاذ قرار سيادي.

على الرئيس الحريري أو على أي رئيس وزراء محتمل أن يكون حذراً و حذراً جداُ. فالمطلوب منه حمل كل الواجبات وتجريد نفسه، كما فريقه، من كل الحقوق. المطلوب منه حل كل مشاكل لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية من دون أن يكون لديه تفويض بالحصول على الإمكانات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تخوله حل جزء يسير من هذه المشكلات. وبالتالي، فإن الحكومة الجديدة ستتحمل مسؤولية أوضاع لم يكن لها يد في ولادتها ولن يكون لها يد في توفير مقومات حلها اللهم إلا تلك المبالغ المالية التي تعهدت بها المجموعات الدولية لتخفيف بعض الضغوط الخدماتية على المواطن اللبناني. أضف أنه إذا كان الخارج البعيد يعطي الرئيس المكلف غطاء دولياً فلأنه يريد الابقاء على صورة الشرعية الشكلية كي يحافظ على علاقاته الملتبسة بما يجري في الاقليم وحصر هجرة النازحين إلى شواطئ المتوسط الشمالية. فالمطلوب كثير والإمكان قليل.

أما المواطن اللبناني والجماعات – السياسية والاجتماعية – التي ينتمي اليها فتتميز بازدواج الشخصية الفردية والجماعية على حد سواء: فهو يريد وهي تريد الشيء وعكسه: يريد وتريد حرية وتحرراً كاملاً من مؤسسات الدولة واستقلالية كاملة عنها على أساس أن لبنان بلد ديموقراطي ذو نظام اقتصادي حر لا يحق للدولة التدخل في شؤونه، لكنه ولكنها تطالب الدولة في نفس الوقت، وعند أية عثرة، تقديم كل الدعم وبدون حساب لتغطية أية خسارة عابرة. وهو يعتبر وهي تعتبر ذلك حقاً غير منقوص يستدعي النزول إلى الشارع وإرباك المرافق العامة دون داعٍ في كل مناسبة من هذا النوع. والواقع أن تشجيع بعض عناصر النظام اللبناني لهذا النوع من التصرف لزيادة أعداد مناصريه في ادارات الدولة جعل لبنان دولة بيروقراطية من الطراز الأول حيث تراجع وزن القطاع الخاص النسبي تراجعا كبيرا وأصبح بالإمكان اطلاق عليه تسمية ” جمهورية الموظفين الفائضين” بعد أن كان يشار اليه بـ”جمهورية التجار المستوردين”. ولنا في أزمة المولدات الكهربائية الخاصة الأخيرة مثال واضح. فالذي تابع المؤتمر الصحفي الذي عقده أصحاب المولدات واللهجة الفظة للناطقين بإسمهم فهموا فوراً من هم أصحاب القرار الفعلي: وزارة الكهرباء أم أصحاب المولدات؟ وقد تأكد الأمر بعدما ردت الوزارة على التهديدات القبيحة لأصحاب المولدات بعدم الالتزام بتعرفة الوزارة، لا بحقها في تسيير دوريات أمنية وفرض ضرائب على قطاع لا يدفع أية ضريبة، بل بنقل المسؤولية من على كتف هذه الفئة الرثة من “القبضايات” (المتحالفة مع فئة سياسية نافذة) إلى كتف المواطن المغلوب على أمره مناشدة إياه عدم الخضوع لمطالب أصحاب المولدات دون الوعد بتوفير أية حماية أمنية له!

على كل حال، فإن عملية حسابية بسيطة تكشف رصيد ما يتبقى في الخزينة اللبنانية بعد دفع المصروفات الثابتة تظهر أن الأموال التي يمكن أن تُصرف على الشؤون الانمائية ضئيلة جداً ولا تفي لا بالمطالب المتضخمة للسياسيين وأزلامهم ولا بما تحتاجه البلاد لتجديد بنيتها التحتية المتهالكة. أما القطاع الخاص الذي يحثه الرسميون على زيادة استثماراته غير المصرفية وغير العقارية فيقف حائراً وهو يسأل عن الأمن والأمان اللازمين كي يغامر بأمواله السائلة في البنوك وتحويلها إلى وجهة انتاجية ما.

لا ضرورة للقلق. ستولد حكومة جديدة، بعد تجاذبات كثيرة شهدناها ومللناها من قبل، وعلى أساس تمثيل الجميع أو تمثيل الأغلبية لا فرق، إلا أن هذه الحكومة ستكون معرضة للانكشاف الاقليمي أكثر من الانكشاف المحلي أو الدولي. وستتمحور المهمة الأساس، على ما نعتقد، على كيفية السير بالبلاد بين نقاط الديموقراطية المتخلفة ونقاط الحزب العسكري الحاكم في آن معاً.

أستاذ في جامعة البلمند 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*