التشيُّع والتشييع: سوريا مثالاً

 

 

في إحدى قرى ريف حماه ينزح الأهالي تاركين منازلهم وأرزاقهم وحقولهم إما الى لبنان او إلى تركيا. اما من تعييه الحيلة فيكتفي بالوصول الى إدلب، على اعتبار انها المحطة الأخيرة قبل النزوح الكبير النهائي، على ما يرددون.

الحال في قرى ريف حماه ليست سوى صورة مكررة عما يحصل في أماكن كثيرة في سوريا، حيث يتوضح المشروع وتزداد حدته وقاحة ووحشية وإجراماً. الهدف إخلاء هذه الأماكن من سكانها وتنظيفها تماماً للشروع بضمّها الى مخطط التشيُّع المتواصل لإستعادة أمجاد الأمبراطورية الفارسية، حيث يحارب الحزب ليس دفاعاً عن نظام الأسد ولكن استرداداً لحقوق “أهل البيت” التاريخية، على ما قال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله في لقاء كشف تفاصيله موقع “فردا نيوز” الإيراني.

لا يهم نفي ما ورد في التصريح او المسارعة الى إخفائه عن الموقع الإيراني، لأن ما ورد يحصل ويمكن رصده بالعين المجردة التي تتابع تفاصيل الحرب الوسخة على السوريين الذين في لحظة تخلٍّ او تجلٍّ، صرخوا: حرية حرية.

صحيح ان نصر الله لم يتحدث عن التكتيك والاستراتيجيا، لكن الوقائع اليومية للابادة الدائرة في سوريا، سواء على أيدي مجرمي محور الممانعة، او مجرمي التطرف في المقلب الآخر، او البلطجية والشبيحة ومنتهزي الفوضى، تتحدث بما لا يقبل الجدل عن تنظيف الأرض السورية من السوريين غير المؤمنين بالتشيُّع ومحوره الممانع. فقط أعمياء القلوب والضمير يبحثون عن أسباب هامشية تبرر المجازر المتواصلة بحجة او بأخرى.

فالسوريون يواجهون الموت او النزوح منذ عسكرة الثورة تمهيداً لاغتيالها. النزوح الجماعي لأهالي ريف حماه، بعد ثمانية أعوام من الحرب الدائرة على هذه الثورة إثر تلويثها وتفخيخها، سببه ان الأهالي يسمعون كثيرا هذه الأيام عن نية القوات الروسية إبادتهم بالطائرات. هكذا قال لي احدهم، مضيفاً ان همّه الان اخراج زوجته وابنائه الثلاثة من القرية التي تكاد تفرغ من كل سكانها.

وبعد ذلك؟ سألته.

بعد ذلك، رحمة الله وعوضه، فالمنزل الذي خصصت لبنائه كل ما حصّلته خلال 20 عاماً ولم أره يكتمل، لم يعد لي. القرية سيحتلها أتباع إيران بعد إخراج أهلها منها كما جرى في مناطق مجاورة.

آثرتُ الصمت لأن الأسئلة تنبش معاناة المسكين وخوفه ويأسه.

ولأن جواب ما بعد ذلك، لدى الأمين العام لـ”حزب الله”، الذي قال: “نحن لا نقاتل من أجل بشار الأسد، نحن نقاتل من أجل التشيع، ولولا حزب الله وإيران لسقطت سوريا، الشيعة اليوم في ذروة قوتهم بالمنطقة”.

ذروة القوة التي يتفاخر بها نصر الله متجاهلاً جثث الأطفال وأمهاتهم وآبائهم الذين سقطوا إما بالبراميل المتفجرة او الغاز السام او القصف المتواصل، يعكسها ما يجري في الغوطة، وهو لا يختلف عما سيجري في ريف حلب وعما جرى في القصير وفي القلمون وفي حمص وفي السيدة زينب وفي شرق دمشق، حيث يتم التهجير الجماعي للسكان باستثناء من كانوا من المنضوين تحت جناح المشروع الإيراني، والنظام الاسدي من ضمن المنضوين، والا لكانت تمت تصفيته.

ذلك ان حملات التشيُّع تصبح أسهل بعد اعتماد سياسة الأرض المحروقة. وبعد ذلك يحصل التغيير الديموغرافي من دون وجع رأس او تعب قلب. لا لزوم لإقناع الناس بالانضمام الى محور مَن صادر بيت النبي محمد لصالح خطه السياسي واحتكر وراثة أهله. مصادرة الأرض تفي بالمطلوب ما دامت البراميل المتفجرة موجودة وما دام غاز السارين متوفراً وما دام الطيران الروسي قادراً على قلب المعادلة لأن لا أحد في المجتمع الدولي يريد ان يبلّ يده لنجدة الشعب السوري، الذي لن يحييه الشجب، والذي يقتله أكثر فأكثر كل فيتو في مجلس الامن. لن يتوقف الامر عند الأرض السورية او الأرض العراقية او الأرض اللبنانية او اليمنية او البحرينية. كيف لا، والاعلان واضح وجلّي: المتشيعون إيرانياً هم أسياد شعب الله المختار للقرن الحادي والعشرين، ونصر الله لم يترك أي شك في مقاصده، فقال: “ولدنا مع الثورة الإيرانية، لقد حصلنا على حياتنا ووجودنا من خلال الثورة، وأهم تجربة لولاية الفقيه في الخارج كانت في لبنان، وإذا كنا الآن أحياء ونعيش بعزة وكرامة، فذلك ليس بسبب السلاح والمال، بل بسبب اعتقادنا بولاية الفقيه”.

لكن ذلك بسبب السلاح والمال، ولا عزة او كرامة فيه، بل استغباء للعقول واستثارة للغرائز واستقواء بالمال يدفع للمقاتلين والسلاح يبيد ويرعب. المعادلة بسيطة، حتى انها تقليدية. شهدنا مثلها عندما استورد المشروع الصهيوني يهود العالم بالعقيدة والمال والسلاح لإبادة الشعب الفلسطيني وتهويد الأرض بعد حرقها، بحيث أصبح هدف إقامة دولة يهودية فوق القوانين والدساتير وحقوق الانسان. وكما في الحال الفلسطينية، كذلك في الحال السورية، فقد المجتمع الدولي ضميره وتعامى وتكاذب وتواطأ.

فاعتبار مكانة ولاية الفقيه فوق الدساتير والقيم والحق والعدالة، وتنفيذ أوامر ولي الفقيه على انها واجب اجباري، لا يختلف في مساره عن مسار “شعب الله المختار وأرض الميعاد” وما الى ذلك من الأفيون العقائدي الذي يبرر كل الفظائع، كذلك لا يختلف في أسلوبه مع وسائل أشد إجراماً بأشواط.

لا أحد يعرف الى أين سيقود مشروع التشيُّع في سوريا والى أين سيقود مخطط تنظيف الأرض من ناسها. لكن المعروف ان التشيُّع المفروض بالدم لن يستمر الا بتشييع أكبر عدد من السوريين إما الى قبورهم وإما الى حيث يستطيعون سبيلاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*