التسوية ليست في خطر… الحريري “غير قادر” ونصرالله “غير راغب” في فرطها

 

بعد تصاعد تغريدات وزير شؤون الخليج في السعودية ثامر السبهان عن “حزب الله”، مع تزامن فرض عقوبات اميركية على اكبر مكون سياسي في لبنان، تبين ان مواقف الرجل ليست شخصية، بل تنبع من صميم سياسة المملكة. وتأتي في اطار الهجوم على ايران بعد الكلام الذي أطلقه الملك سلمان ضدها من موسكو، وقبله وزير خارجيته عادل الجبير. ولا يستغرب الفريق المناوىء للمملكة اطلاقها مثل هذا الهجوم، إذ لم يبق في نظره إلا بيروت للتصدي للحزب في ملعب لبنان بعد تراجع حضور الرياض في ساحات أخرى في سوريا واليمن، وقد فشلت في تحقيق مشروعها في الدولتين ولم تستطع وحلفاءها ازاحة الرئيس بشار الاسد، ولم تتمكن من القضاء على حضور الحوثيين.

رضوان عقيل
النهار
10102017

والقول إن “التسوية في خطر” كلام غير دقيق بحسب جهات غير بعيدة من فلك الحزب، فضلا ان الأب الشرعي لهذه التسوية، الرئيس نبيه بري، لا يزال يشكل صمام الامان لها، ويعرف جيداً أن استقالة الحكومة غير واردة لأنها محصنة بجملة من الثوابت المحلية، وهو على تنسيق مفتوح مع الحريري، وقد اطمأن أكثر بعد نجاحة في طي صفحة الخلاف بين الحريري والنائب وليد جنبلاط اللذين لا يخفيان بحسب متابعين انهما لا يتلقيان بارتياح تغريدات السبهان، لأن الاول غير قادر على الافصاح عن هذا الامر، والثاني ينتظر الدعوة للالتحاق في ركب المدعوين الى الرياض. ومعلوم أن أمام الحريري خيارا واحدا هو البقاء في رئاسة الحكومة او الابتعاد من جنة السلطة، على عكس حال الحزب وخياراته المفتوحة في هذا الشأن.

وكان العنصر اللافت في خطاب نصرالله تشكيله منصة دفاع متقدمة حيال الرئيس ميشال عون قبل ان يتلقى الرجل اي شظايا تصعيدية تحت عنوان سكوته عن سياسة الحزب. ولن تصفق رئاسة الجمهورية بالطبع للعقوبات الاميركية ضد الحزب وما ستحملة الايام المقبلة من قرارات للرئيس دونالد ترامب، وسط اطمئنان نصرالله الى ان عون يبقى في الموقع الذي يشكل “الضمان الوطني والحقيقي” للبلد. ويأتي التحرك السعودي من باب تحصين حضوره في لبنان من خلال الحلفاء والاصدقاء على مختلف الطوائف، وصولاً الى تحريك “الخلايا الشيعية النائمة”- التعبير للدكتور طلال عتريسي- مع اشارة “الثنائي الشيعي” الى حق هذه الشخصيات داخل الطائفة بالتحرك والمشاركة في الانتخابات النيابية والتعبير عن آرائهم. وتربط السبهان علاقة وثيقة بشخصية شيعية – شاركت في لقاء مونرو- ساعدته في فتح قنوات اتصال لا بأس بها مع جهات شيعية في العراق عندما كان سفيرا للمملكة في بغداد. ويبدو ان استعمال الورقة الشيعية اللبنانية التي تفيد المملكة، لن يؤدي الدور المطلوب منها، وهي غير قادرة على تحقيق خروق في الجدران الشيعية المحصنة عند “حزب الله” وحركة “أمل”، وهذا ما سيحققانه في المقاعد الـ 27 المخصصة للطائفة، فيما يطمح المعارضون الى إحداث خرق نيابي في البقاع والحصول على حاصل انتخابي استنادا الى نتائج الانتخابات البلدية الاخيرة، مع الاشارة الى ان الشقيق قد يقترع ضد شقيقه في البلدية ثم يلتقيان في النيابية. لذا سيرفع “الثنائي الشيعي” نسبة مشاركة الناخبين ليقضي على أي آمال تراود هؤلاء في الحصول على مقعد نيابي في دائرة بعلبك- الهرمل.

ويتزامن كلام السبهان التصعيدي مع خطاب التهدئة لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، فيما يتناغم كلام المملكة مع سياسة واشنطن في التحذير من مشروع الحزب في لبنان والمنطقة، وضرورة الحد من حضوره في اكثر من ملف اقليمي، والعمل على تقليم أظفاره. والواقع أن هذه المنظومة التصعيدية ضد الحزب، من الداخل والخارج، وصولاً الى الاسرائيلي، تأتي في اطار محور سيصب حممه أكثر كلما اقترب موعد الانتخابات في لبنان، بغية استهداف الحزب وبيئته من بوابة الاقتصاد هذه المرة، والتي ستصيب شظاياها جميع المواطنين واقتصادهم في حال تنفيذها. وأصبحت تصريحات السبهان ومواقفه في صلب يوميات الاعلام اللبناني في الآونة الاخيرة، ولم يعد يكتفي بالتغريد على قول احد المراجع، بل تحول “ديكاً محليا” يدلي بما لديه كل صباح في اتجاه لبنان، مع تصاعد سؤال كبير من نوع: هل ينعكس مثل هذا التصعيد بين الرياض و”حزب الله” على التسوية اللبنانية التي تشهد استقراراً وتعايشاً مقبولاُ بين الافرقاء المعنيين، ولا سيما على خط “حزب الله” و”تيار المستقبل”؟ وقد تصاعد الخوف على “صحة التسوية” بعد زيارات شخصيات لبنانية للمملكة، بدأها الدكتور سمير جعجع والنائب سامي الجميل، وسط حديث عن حضور شخصية سعودية الى بيروت في الايام الاخيرة وعقدها لقاءات جانبية مع مروحة من الشخصيات التي تناصب “حزب الله” العداء. لا خشية على التسوية الراهنة مهما تصاعدت موجة التصريحات، ولن يقدم “تيار المستقبل” على أي خطوة تهدد الحكومة. ويبدو أن الحريري غير قادر على مجاراة كلام السبهان بسهولة، لاعتبارت عدة، ولا خشية على “المساكنة” القائمة في الحكومة. ويرجع هذا السبب الى اختلال واضح في موازين القوى، فالحريري غير قادر على “قلب الطاولة”، و”حزب الله” غير راغب في تبدل الستاتيكو الراهن، ولا سيما أن أمينه العام لا ينفك يؤكد ضرورة تحقيق الاستقرار الامني وتفعيل عمل الحكومة وبقية المؤسسات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*