الترويكا الجديدة… تجديد ثقة وتقاسم دوائر النفوذ في سوريا

موناليزا فريحة
النهار
24112017

سرع الرئيس الروسي فلاديمير #بوتين الخطى لايجاد حل سياسي للنزاع السوري. بعد جولات خارجية، أَحضر الرئيس السوري بشار #الاسدسراً الى سوتشي، وشبك يده بيدي لاعبين رئيسيين آخرين في الميدان السوري، موجهاً أكثر من رسالة للحلفاء والخصوم، بما فيها عزمه على تزعم عملية السلام في البلد المنهك من الحرب، بعدما نجح في تحقيق النصر العسكري للنظام.منذ مطلع تشرين الثاني، أطلق بوتين حملة ديبلوماسية خاطفة لتحرك مسار التسوية السياسية مع اللاعبين الابرز في الحرب السورية. زار إيران في الاول من تشرين الثاني الجاري والتقى الرئيس الايراني حسن روحاني والمرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي. والتقى نظيره التركي ثلاث مرات، وألزم نظيره الاميركي دونالد ترامب ببيان مشترك على هامش قمة أبيك في فيتنام اعتبر القاعدة الأساسية التي سيبنى عليها الحل السياسي لسوريا بتطوراتها المقبلة.

وفي يوم واحد، قدم سيد الكرملين ايجازات هاتفية عن تفاصيل خططه لزعماء دوليين، بينهم الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وامير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقد توج هذه الاتصالات واللقاءات باحضار الاسد سراً الى سوتشي عشية قمة لا سابق لها بينه وبين روحاني وأردوغان وصفها الباحث الروسي في مركز “تشاتام هاوس” نيكولاي كوزانوف بـ”الترويكا الجديدة” في اشارة الى قمة الترويكا في يالطا عام 1945 بين الزعماء السوفياتي جوزف ستالين والبريطاني ونستون تشرتشل والولايات المتحدة بزعامة فرنكلين روزفلت لتقسيم دوائر النفوذ في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

بتقدير متابعين روس أن بوتين ينوي انهاء العملية العسكرية الروسية في سوريا والتي بدأت مطلع أيلول 2015، قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية السنة المقبلة 2018. فالكرملين مصمم على طي صفحة هذه الحرب التي قد تشتت الانتباه خلال الحمة الانتخابية.

ولا شك في أن تسوية سياسية قابلة للحياة وبشروط روسية لتعزيز الوجود العسكري لموسكو  في سوريا واعادة تأكيد دورها الجيوسياسي كقوة عظمى في المنطقة، يعززان موقع بوتين في معركته الرئاسية المقبلة، كما في الساحة الدولية.

ولا يمكن قراءة لقاءات سوتشي الثلثاء والاربعاء الا في هذا السياق. ويقول كوزانوف لـ”النهار” إن موسكو بدأت تركز على العملية السياسية لانهاء الصراع السوري، بعدما أوشكت الحرب على “داعش” الانتهاء، وهي تعتبر أنه حان الوقت للبدء في بناء سوريا الجديدة على أنقاض الدولة القديمة الممزقة، لكن ” الكرملين يدرك أنه إذا رغب في المحافظة على الوجود الروسي في سوريا لما بعد الصراع، فلا بد من أن يتصدر قيادة هذه العملية”.

وفيما لفت العناق الحار بين بوتين والاسد انتباه العالم، أقر الديبلوماسي الروسي السابق بطابع العلاقات العامة التي يتسم بها الاجتماع، إذ أراد الروس القول إن العملية العسكرية توشك الانتهاء، وأن على العالم الاستعداد للعملية السياسية التي تتحضر موسكو لتزعمها، بعدما حقق النصر للنظام. وفي ظل اقتناع موسكو بأن العملية السياسية ستكون صعبة وأن الاسد شخص يصعب التعامل معه، يلفت كوزانوف إن “لقاء سوتشي كان أيضاً محاولة لمعرفة مدى استعداد الرئيس السوري للتعاون واخباره في الوقت نفسه ما عليه القيام به”، وإن يكن كوزانوف لفت الى أن ما يقوله الاسد في سوريا ليس هو بالضرورة ما سيقوم به لاحقاً.

“الترويكا الجديدة”

اما قمة “الترويكا الجديدة” فلها هدفان في رأيه، أولهما إظهار استعداد روسيا لقيادة العملية السياسية لتسوية النزاع في سوريا، والثاني تأكيد التحالف بين الدول الثلاث في المنطقة، وأن روسيا لن تتخلى عنهما، وخصوصاً بعد “التقارير التي وردت في الاسابيع الاخيرة عن مشاورات بين روسيا والولايات المتحدة وبين مسؤولين روس واسرائيليين والتي اثارت قلقاً في طهران “.

من هذا المنطلق، يقول إن القمة هي جزء من مساعي بوتين لتحضير الحوار السياسي. فمن جهة  أراد التأكيد على استمرار مسار استانة العسكري، ومن وجهة أخرى دمج المسار السياسي فيه، وهو ما تجلى باصرار موسكو على تنظيم مؤتمر للمصالحة الوطنية. وقد أكد الكرملين اليوم الخميس انه يبذل جهودا مكثفة لتنظيم اجتماع في روسيا بين النظام السوري والمعارضة رغم “تحفظات” انقرة التي تعارض مشاركة فصائل كردية مقاتلة في عملية تسوية النزاع سوريا.

هذه التحركات التي تزامنت مع مؤتمر “الرياض 2” للمعارضة السورية تندرج كلها في اطار التحضيرات لمؤتمر جنيف، لا الحلول مكانها، برأي الديبلوماسي الروسي السابق.

مع ذلك، يقول إنه لا يمكن لمحادثات جنيف أن تكون نقطة انطلاق جيدة في العملية السياسية الجديدة، فهناك كثير من القوى الضالعة فيها. لذلك، يمكن لعملية جنيف أن تلعب دور المرحلة الأخيرة من العملية السياسية، والمعنية بصياغة واعتماد الدستور الجديد وتشكيل وجه الحكومة السورية الجديدة.

وفي هذا السياق، يقول إن مؤتمري المعارضة في الرياض والمصالحة الوطنية المتوقع في سوتشي هما تحضير لمؤتمر جنيف. ومع الاصرار الذي لا تزال تبديه مجموعة الرياض على رحيل الاسد، يشير الى ان مؤتمر المصالحة الوطنية في سوتشي هو لتعزيز موقع المعسكر المؤيد لموسكو والمعارضة المؤيدة لها ومحاولة تشكيل بعض التوازن مع مجموعة الرياض.وأَضاف أن “لا أوهام أصلاً في روسيا بأن البعض سيتمسك برحيل الاسد، وهي أعطت الضوء الاخضر للسعودية لاعادة تنظيم هذه المجموعات “. من هناك، يبرز أهمية مراقبة تطور مجموعة الرياض ،خلال  الاشهر المقبلة، متوقعاً ” تغييرات”.

نتائج متواضعة

وعلى رغم الدلالات الكبيرة للقمة، تبدو الاتفاقات التي امكن التوصل اليها متواضعة برأي المحلل السياسي الروسي فلاديمير فرولوف، إذ لم تصدر أية مسودة للتسوية السياسية لسوريا. كذلك، لا تزال التفاصيل المتعلقة بمؤتمر المصالحة السورية (في ظل معارضة تركيا على مشاركة الاكراد) غير واضحة.

 ومع ذلك، يقول إن ثمة أمراً واحداً ثابتاً وهو أن مؤتمر سوتشي سينتج دستوراً جديداً لسوريا وجدولا زمنياً لانتخابات برلمانية ورئاسية في سوريا. ومع أن خطوات كهذه تختلف عما تضمنه بيان جنيف للسلام في سوريا، فإنها تخرج مسألة الدستور من أيدي الاسد ، ويمكن أن تؤدي الى تقليص كبير لسلطات الاسد.

الى ذلك، توقع فرولوف أن تحاول روسيا تنصيب نائب الرئيس السوري السابق فاروق الشرع رئيساً لمؤتمر سوتشي، وهوما يتيح له القيام بدور قيادي في مستقبل سوريا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*