التدخل العسكري البرّي في الجنوب السوري يضع الأردن بين خياري الحسابات الداخلية الحساسة وضغوط الحلفاء

عمر عسّاف
عمّان
النهار
12052017

على قلق، وببطء، يتحسس الأردن مواطئ أقدامه شمالا، في ظرف قد يكون الأدق والأشد حساسية في تاريخ المملكة الهاشمية منذ أيلول 1970 وهو يراقب بحذر مرأى العين إحدى أكثر المناطق سخونة وتعقيداً في العالم: “جنوب سوريا”.

هناك، على جانبي الحدود مع سوريا، حيث أجناد من شتى أصقاع الأرض، بين حليف وعدو وما بينهما، يتبدل المزاج السياسي الأردني لحظيا وفق المتغيرات على الأرض والقرارات المتزامنة في عواصم القرار، وما يرافقها من توافقات معلنة ومخفية وضغوط، ربما كانت أخفها تهديدات دمشق الأخيرة لعمان.

ثوابت

وكان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين قد لخّص أخيراً، في لقاء وإعلاميين أردنيين، موقف المملكة من الأزمة السورية بقوله: “لا بديل من الحل السياسي، ولن يتم تحقيق ذلك من دون تعاون روسي – أميركي على جميع الملفات … ولن نسمح للتطورات على الساحة السورية وجنوب سوريا بتهديد الأردن، ونحن مستمرون بسياستنا في الدفاع في العمق من دون الحاجة الى دور للجيش الأردني داخل سوريا … والهدف هو العصابات الإرهابية وعلى رأسها داعش”. فالثابت هنا أن الأردن الرسمي، الذي يدعو منذ نشوب الأزمة السورية قبل أكثر من ست سنوات، إلى ضرورة الحل السياسي، لا يملك أن يفرض إيقاعه في ظل تصارع الإرادات بين الافرقاء الإقليميين والدوليين.

والثابت أيضا أن الأردن يصر، حتى اللحظة، على عدم التدخل المباشر في ما يحصل خلف حدوده، على رغم أن شظايا الاقتتال الدائر هناك تصيب قراه ومدنه الحدودية من وقت الى آخر، وقت لن يسمح للإرهابيين بالتعدي على أمن البلاد.

لكن الثابت كذلك أنه لا يستطيع أن يرفض حلولاً وإجراءات يقررها الأفرقاء، وخصوصاً حلفاؤه الإقليميون (الخليجيون) والدوليون (الولايات المتحدة وأوروبا)، وإن تكن سياسة التملص قد أفادته كثيراً في تفادي الوقوع في مستنقع الحرب الدائرة كما حصل مع الروس والأتراك والإيرانيين ومؤيديهم من عراقيين وأكراد و”حزب الله” اللبناني. لكن الأسابيع الأخيرة، التي بات الحديث فيها عن الحسم العسكري لما يسمى “الحرب الدولية على الإرهاب” المتمثل في “داعش” و “جبهة فتح الشام” (“جبهة النصرة” سابقاً) ومن يدور في فلكهما، تشي بأن مساحة المناورة والتملص والتوفيق تتضاءل وتنحسر. ولعل هذا ما يفسر الإرتباك الذي يحيط بموقف الأردن وهو يحاول التوفيق بين ثوابته (الحل السياسي وعدم التورط عسكرياً) والمتغيرات والضغوط المتلاحقة من حلفائه، في ظل وضع داخلي بالغ الحساسية سياسياً واقتصادياً.

تحديات

ويواجه صانع القرار الأردني جملة تحديات وهو يبحث في السيناريوات المحتملة حيال تطورات الأزمة السورية، وخصوصاً عقب نتائج “أستانا 4” التي يبدو واضحا أنها تأخذ طريقها إلى الترجمة أرضاً.

ويمكن إجمال هذه التحديات بخمسة، هي الأكثر إلحاحاً وضغطاً على عمان:

الأول: التحدي الداخلي، وهو ما ركز عليه عبدالله الثاني مراراً، بالقول إن “التحديات الخارجية” على الحدود مع العراق وسوريا لا تخيفه، وأن ما يهمه في الدرجة الأولى “تماسك الجبهة الداخلية وتمتينها”.

 لكن الواقع يشي بغير ذلك، فالمشهد سياسياً متشظٍّ حيال الموقف من العلاقة مع النظام السوري، وكذلك من التدخل العسكري، وخصوصا البري منه.

والأردنيون منقسمون بحدة منذ سنوات، الى حد التخوين المتبادل، على المستويين الشعبي والنخبوي، حيال الموقف من النظام السوري، بين من يعتبره مجرماً يجب إطاحته، وقومياً “آخر قلاع الممانعة” في وجه الصهيونية. ويرتبط بهذا الوضع السياسي المعقد، وضع اقتصادي خانق، زادته صعوبة أعباء استضافة مليون وأربعمئة ألف لاجىء سوري.

التحدي الثاني، كما يراه المحلل السياسي عريب الرنتاوي، “الجماعات الجهادية المتطرفة” من “داعش” و”النصرة” وأتباعهما، وخصوصا “فصيل خالد بن الوليد” المتمركز شمال نهر اليرموك قرب الحدود مع الأردن.

وأكد الرنتاوي لـ”النهار” أن لا مناص من مواجهة هؤلاء “بالحديد والنار” ضمن “حلف دولي واسع ومتعدد، تحت مظلة القطبين الروسي والأميركي، لاستئصالهم من جنوب سوريا”.

في المقابل، يبرز التحدي الثالث، استناداً الى الرنتاوي، وهو “الميليشيات الصديقة للنظام السوري والموالية لإيران، وخصوصا حزب الله” والميليشيات العراقية، والإيرانيون أنفسهم.

ويعتقد أنه يمكن “تحييد” هذه الميليشيات “عبر القناة الروسية، التي “أظهرت فاعلية في كل مرة قررت فيها موسكو ان تلقي بثقلها خلف موقف معين”. وهو، أي الرنتاوي، لا يحسب أن تصعيد الموقف بين إسرائيل أو الأردن وهذه الجماعات، أمرُ “يندرج على أجندة الكرملين، أو أن دمشق متحمسة لخيار كهذا”. كما أن الأردن لا يرى مصلحة له في تصعيد أمني وعسكري إسرائيلي مع هؤلاء الأطراف على مقربة من حدوده.

التحدي الرابع، الذي ينتظر الأردن جنوب سوريا، وهو “مضمر” على حد قول الرنتاوي، “يتعلق بالدور الإسرائيلي في محيط القنيطرة وأطراف درعا”.

وهو يعتقد أن لإسرائيل مصلحة في “منطقة آمنة شبيهة بجيب سعد حداد وشريط أنطوان لحد الحدودي في لبنان، وإسرائيل قد تقترح لنفسها أدواراً في مناطق بعينها، ترى فيها متطلباً ضرورياً لنظريتها الأمنية”. لكنه يحذر من أن “أي تداخل بين الأدوار، وأي اختلاط في الأجندات، سيعرض الأردن لما هو في غنى عنه، من اتهامات وحملات وتهديدات”.

التحدي الأخير يكمن في مقدرة المملكة على الاستجابة للضغوط الأميركية والخليجية للتورط، التي لا تتطابق أهدافها، إذ لا تتشدد واشنطن في الموقف من بقاء الرئيس السوري بشار الأسد بقدر ما تلح العواصم الخليجية على إطاحته.

هذ الضغوط مصحوبة بسياسة “العصا والجزرة” عبر بوابة الدعم الاقتصادي للبلد الذي يرزح تحت ضغط مديونية غير مسبوقة تجاوزت، استناداً الى تقرير أخير لصندوق النقد الدولي، 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (35 مليار دولار أميركي).

الخيارات

ويتفق المحللون على أن الأردن لا يملك ترف رفض دور له في جنوب سوريا، خصوصا أنها إحدى “مناطق “تخفيف التصعيد” الأربع، التي أقرتها “أستانا 4″، وقد لا يستطيع كذلك فرض شكل هذا الدور وكيفيته.

ويذهب الفريق المتقاعد موسى العدوان إلى أنه “إذا كانت خطط التحالف تقضي بالقيام بعمليات قتال برية ضد داعش على الأراضي السورية، فإن الأردن لا يستطيع التخلف عن المشاركة فيها انسجاما مع القرارات الدولية”.

ويشاطره الرأي كل من الرنتاوي، والباحث السياسي جمال طاهات الذي قال لـ”النهار” إن الأردن أمام “إما أن يقوم بدوره بترتيبات، وإما أن يواجه احتمال القاء الاطراف المركزيين (روسيا وسوريا وإيران) عبء الجنوب السوري بأكمله على كاهل المنظومة الامنية والعسكرية الأردنية، دونما حاجة الى ازعاج أنفسهم بالتنسيق مع عمان”.

ويعتقد العدوان أن مشاركة الأردن “لن تتم بقوات برية ثقيلة، لحساسية الموقف الداخلي شعبياً وأمنياً، وأنه سيقصر مشاركته على حماية حدوده، ومنع اختراق أية قوة عسكرية أو عمليات تسلل لها”. لكنه لا يستبعد المساهمة بعمليات جوية، وبعمليات خاصة محدودة الأهداف، وتقديم القواعد الجوية البرية، والإسناد اللوجستي للقوات المهاجمة.

ويحذر من أن إشراك القوات البرية الأردنية بعمليات عسكرية برية داخل العمق السوري، إذا حصل، سيكون “بعيداً من الحكمة”، لأنه، في نظره، “سيغرق الأردن في المستنقع السوري، ويتطلب استمرارية الدعم لمواصلة العمليات العسكرية، وهو أمر خارج قدرة البلاد وقواتها المسلحة، وسيتسبب بإضعافها والحد من قدراتها القتالية، فضلا عن رد الفعل الشعبي حيال سقوط الضحايا المحتمل”.

وما يقوله العدوان يقترب كثيرا من تحليل الرنتاوي بأن المسألة بعد “أستانا – 4” باتت مختلفة عمّا قبلها، إذ “لن يكون مطلوباً إرسال قوات كبيرة لآجال طويلة الأمد في جنوب سوريا، وليست وظيفة هذه القوات الاصطدام بالجيش السوري وحلفائه ولا بفصائل مسلحة جنوبية”.

فالصورة، من منظور الرنتاوي “تختلف الآن تماماً من حيث طبيعة المهمة وتفويضها وآجالها وسياقاتها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*