التحصين الأمني يواكب “حرب المراسيم”

لعلها لم تكن مفارقة غريبة ان تتقدم الاولويات الامنية وتطغى على التأزم السياسي، في حين حصلت مأساة دراماتيكية على طرق التهريب بين سوريا ولبنان أودت بـ13 سورياً معظمهم من الاطفال والنساء قضوا صقيعاً، الامر الذي جعل هذه المأساة المريعة تعيد تسليط الاضواء على جوانب خطيرة من ملف اللاجئين السوريين الذي تراجع نسبيا في الفترة الاخيرة أمام تقدم ملفات وأولويات أخرى.

وأفادت مراسلة “النهار” في زحلة دانييل خياط ان المأساة حصلت أمس في جبل الصويري الحدودي مع سوريا حيث عثر على 13 جثة لثلاثة أطفال، 8 إناث بينهن مراهقات، ورجل مسنّ، الى “الراعي” الذي كان يقود المجموعة المنكوبة، وجميعهم سوريون، قضوا متجمدين لدى محاولتهم الدخول خلسة الى لبنان، في ليلةعاصفة ومثلجة، ضمن مجموعة من 30 شخصاً.

في غضون ذلك، اتخذت الاولويات الامنية طابعاً استثنائياً في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي، اذ بدت مجموعة التطورات والتحركات التي سجلت أمس بمثابة اختراق من نوع آخر أرادت عبره الدولة والحكومة حرف الانظار عن الازمة السياسية المتفاقمة الى انجازات امنية تؤكد عبرها جهوزيتها لملاقاة الانتخابات النيابية من جهة واطلاق رسائل طمأنة الى المجتمع الدولي عن تحصين الاستقرار الامني على مشارف الاستعدادات الجارية لعقد ثلاثة مؤتمرات للدعم الدولي للبنان في الاشهر المقبلة. كما ان رسالة أخرى اطلقت في شأن عدم تهاون لبنان مع اتجاه اسرائيل الى اقامة حائط حدودي ينتهك القرار 1701. وفي هذا السياق عقد اجتماع للمجلس الاعلى للدفاع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون واستدعت انعقاده التحضيرات المفترض انطلاقها لبنانياً تمهيداً لـمؤتمر روما- 2 لدعم الجيش اللبناني والقوى الامنية، والمتوقّع عقده مبدئياً في 28 شباط المقبل بمشاركة 43 دولة. وعلمت “النهار” ان المجتمعين عرضوا الخطة التي يقترحها الجيش والتي قدمها نائب رئيس الاركان للتخطيط العميد جوزف سركيس تحت عنوان “خطة تطوير قدرات الجيش من 2018 الى 2022″، وتتناول الاهداف والحاجات والامكانات وما هو متوافر وما يجب توفيره والآلية والتمويل، إضافة الى المبلغ المالي القابل للتبديل. كما قدّم قائد وحدة معهد قوى الامن الداخلي العميد أحمد الحجار خطة قوى الامن الداخلي واستراتيجيتها التي بدأ تنفيذ قسم منها، فيما يحتاج تنفيذ القسم الآخر الى تمويل. وتقرّر في الاجتماع ان يقدّم كل من الأمن العام وامن الدولة والجمارك ورقته لاحقاً لتجمع كل الاوراق في ورقة لبنانية واحدة الى المؤتمر.

وتطرق المجتمعون الى الجدار الذي تبنيه اسرائيل على الحدود مع لبنان، وأطلعهم رئيس الجمهورية على نتائج لقائه قائد القوة الدولية العاملة في الجنوب مايكل بيري ومطالبته بالبحث في النقاط الـ 13 التي يتحفّظ عنها لبنان على طول الخط الازرق، الذي لا يعتبره حدوداً نهائية، بل هو تدبير موقت اعتمد بعد تحرير الجنوب عام 2000. وفي سياق المناقشة لهذه المسألة تقرر اتخاذ قرارات واجراءات وتدابير، اضافة الى تحرك ديبلوماسي، لمنع اقامة هذا الجدار الذي يعتبره لبنان خرقاً للقرار 1701.

وعلمت “النهار” ان الجيش الذي عرض معلومات لديه عن انشاء الجدار وطوله وعرضه، أبلغ المجلس الاعلى للدفاع ان اعمال اقامته ستبدأ في 22 كانون الثاني الجاري وان اجتماعاً سيعقد في مقر القيادة الدولية في الناقورة للجنة الثلاثية التي تضمّ ضباطاً لبنانيين واسرائيليين للبحث في مسألة الجدار وموقف لبنان منه.

وسبق اجتماع مجلس الدفاع الاعلى وزير الداخلية نهاد المشنوق في مؤتمر صحافي في مقر المديرية العامة لقوى الامن الداخلي كشف عملية “لبنان الآمن” التي قامت بها شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي وقبض خلالها في حزيران الماضي على احد قادة تنظيم “داعش” الارهابي ويدعى ابو جعفر العراقي، وقد تم تشغيله بعدها لمدة خمسة أشهر. وقال المشنوق: “من أبرز نتائج هذا الانجاز الحؤول دون حصول أي عملية ارهابية وخصوصاً خلال فترة الاعياد الاخيرة في لبنان”. واوضح ان “الرسالة من وراء الاعلان عن هذه العملية ان لبنان آمن، والتأكيد للبنانيين والعرب خصوصاً الذين لديهم تخوف من المجيء الى لبنان أن هناك قدرة أمنية فاعلة وعالية وأن الوضع الأمني ممسوك في لبنان”. واستشهد الوزير بقول الداعشي الموقوف “إن العمل في لبنان صفر”، معتبراً ذلك دليلاً على فاعلية “الاستنفار الدائم لكل القوى والاجهزة الاستخبارية اللبنانية سواء في الجيش أو الأمن العام أو شعبة المعلومات”.

كما برز لاحقا تطور أمني آخر تمثل في معلومات عن تمكن شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي من ضبط خلية متورطة في تفجير صيدا الاخير الذي استهدف مسؤولاً في حركة “حماس” الفلسطينية هو محمد حمدان وان الشعبة كشفت اسماء اعضاء الخلية وصادرت سيارتين استخدمتا في تنفيذ التفجير. وبثت محطة “المستقبل” انه تبين ان الخلية تابعة للاستخبارات الاسرائيلية.

نصرالله 

وتزامن ذلك مع دعوة الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الحكومة الى اتخاذ الاجراءات اللازمة اذا ثبت ان اسرائيل تقف خلف تفجير صيدا الاخير. واعلن في موضوع الجدار الاسرائيلي على الحدود ان “المقاومة جاهزة لمواجهة أي اعتداء ووقوفها الى جانب الجيش والحكومة داعياً اسرائيل الى اخذ التهديد اللبناني على محمل الجد”. وعن الانتخابات قال: “لا نعتقد ان أحداً في لبنان من القوى السياسية يريد تطيير أو تأجيل الانتخابات” ورأى “من الطبيعي ان تعمل كل جهة على تحسين ظروفها واننا في حزب الله لا نتهم احداً بأنه يعمل على تأجيل الانتخابات… وانه في لبنان لا يجوز ان يعزل فيه أحد وان من مميزات النظام النسبي ان يتمثل كل من له حجم شعبي جدير بالتمثيل”. وجدّد رفضه العزل “حتى لمن يصنف نفسه خصماً سياسياً”.

الحريري وجعجع… قريباً 

في سياق سياسي آخر التقى أمس رئيس الوزراء سعد الحريري وزير الاعلام ملحم الرياشي في حضور وزير الثقافة غطاس خوري استكمالا للنقاش الدائر حول العلاقات بين “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية”. وأوضح الرياشي ان “هذه العلاقة ليست أمراً جديداً ولا حديثاً، لكن بالتأكيد كانت هناك شوائب تشوبها، غيمة وبإذن الله مرت، والمحادثات على قدم وساق بانتظار وصولها إلى خواتيمها السعيدة”. واضاف ان “البحث ليس لتوضيح الصورة، وإنما يقوم على دراسة تفاصيل متعددة وملفات مرتبطة بمصالح الطرفين ونشاط الحزبين والتيارين، والأمور تتجه نحو الخير بإذن الله”. واكد ان لقاء سيضمّ قريبا الرئيس الحريري ورئيس حزب “القوات اللبنانية ” سمير جعجع “وسيكون تتويجا للمحادثات”.

حرب المراسيم  

لكن تقدم الاولويات الامنية لم يحجب استمرار التأزم السياسي، اذ سجل تطور جديد في الساعات الاخيرة يمكن ان يدرج في اطار “حرب المراسيم”، علماً ان جديد هذه الحرب يتصل هذه المرة بالاستعدادات للانتخابات النيابية. فقد علمت “النهار” ان وزير الداخلية كان ارسل الى رئاسة الجمهورية مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ليوقعه رئيس الجمهورية. لكن المرسوم ردّ الى المشنوق بحجة انه يحتاج الى توقيع وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل نظراً الى وجود ناخبين مغتربن. وطلب المشنوق على الاثر استشارة مجلس شورى الدولة، فكان الرأي ان لا حاجة الى توقيع وزير الخارجية، فارسل وزير الداخلية المرسوم مجدداً الى الرئاسة بتوقيعه وحده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*