التأجيجيون ورابطو النزاع: عن محور الاستحقاق اللبناني الموشك


وسام سعادة
Feb 19, 2018
القدس العربي

هل من «محور» للانتخابات التشريعية المؤجلة منذ خمس سنوات في لبنان، والمقررة في أيار المقبل؟

قبل تسع سنوات كان هناك مثل هذا. كانت انتخابات «مع» أو «ضد» (سلاح) «حزب الله». لم يغب عن كثير من الذين أدلوا بأصواتهم فيها، بالضد من الحزب وحلفائه، ان التطابق ضعيف بين شعار «العبور إلى الدولة» وبين عدد من الوجوه الذين اقترعوا لها تحت هذا المسمّى. فالمحور لم يكن في أصل وفصل هذه الوجوه، ومنها الكالح ومنها المستهلك، وانما التفتيش عن طريقة للاستفتاء حول «سلاح الحزب».
بالنتيجة، حرمت صناديق الاقتراع معطوفة على النظام الانتخابي الساري في حينه (قانون الستين) التحالف الذي يتزعمه «حزب الله» من حصاد أكثرية المقاعد، وانفاذ شعاره الانتخابي، «اعادة تشكيل السلطة». لم يحتفل «المنتصرون» على الحزب في الانتخابات، بما حققوه وفزعوا أمامه، وتشظّت أكثريتهم في أيام معدودة بعد النتائج، بدءا من انعطافة وليد جنبلاط.
اكتفى الحزب الخميني بالتمييز بين الاكثرية النيابية التي لم يحصدها وبين الاكثرية الشعبية التي تأولها لحلف 8 آذار بقيادته، وبشرطية الثلث المعطل الذي عاد واستخدمه في آذار 2011 لتطيير حكومة سعد الحريري الأولى.
لو ان حلف 8 اذار كسب الاستحقاق في حينه، لكان حظه من الاقتراب من شعاره، «اعادة تشكيل السلطة»، أوفر من حظ قوى 14 آذار، التي فازت ثم تاهت، من الاقتراب لمضامين الحد الادنى من شعار «العبور إلى الدولة». فحتى اسلوب الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية للبنان، والذي كان ممكنا بشكل رمزي قبل حرب تموز، لم يعد مطروحا بعد هذه الحرب، في الوقت نفسه الذي اوجد فيه القرار 1701، اطاراً لصياغة هكذا استراتيجية، بما يقتضيه من انسحاب مسلحي «حزب الله» إلى شمال الليطاني، وانتشار كل من «اليونيفيل الموسعة» والجيش اللبناني في المنطقة الحدودية.
لم يستطع استحقاق حزيران/يونيو 2009 ان يلغي تبعات عملية 7 أيار 2008 الأمنية في بيروت، ولا ان يتفلت من «صلح الدوحة» فيما يتعلق بالثلث المعطل، بل توسع حلف «حزب الله» في استخدام هذا الثلث، ليس فقط لتعطيل قرارات، بل لتطيير الحكومة نفسها على خلفية مواجهة المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الحريري والاغتيالات المترابطة، رغم ان الحكومة التي شكلها نجيب ميقاتي عام 2011، واعتبرها «تيار المستقبل» و14 آذار حكومة «القمصان السود»، عادت وأقرّت تمويل المحكمة.
في المقابل، منع هذا الاستحقاق الحزب من صياغة غزوة 7 أيار كنظام سياسي. ليس فقط حين تشكلت حكومة بأكثرية مناوئة له، وله فيها الثلث المعطل، بل أيضا حين استخدم هذا الثلث، وانقلبت الأكثرية النيابية لصالحه.
بعد حزيران/يونيو 2009، لن يعود ممكنا رؤية استحقاق انتخابي يتمحور مباشرة حول «مع» أو «ضد» (سلاح) «حزب الله». ولعل هذا هو السبب «الجوفي» لتأجيل الانتخابات كل هذا الوقت. تسع سنوات عاصرت أكثرها فترة الربيع العربي، وتجاربه الانتخابية، والانقلاب على هذه التجارب، كما اتساع نطاق الحروب الاهلية في الاقليم، وتدخل جزء من اللبنانيين فيها، وانقسام معظم اللبنانيين حولها، دون ان ينتقل الفتيل إلى العمق اللبناني.
سبب تعذّر «الاستحقاق التشريعي – الاستفتائي» مجدداً حول سلاح الحزب، يتصل بنتيجة اختبار ذلك في الاستحقاق السابق، قبل اي شيء آخر. الانتخابات «لا تصحح» غلبة أهلية أمنية، لكنها، تساهم في صد السبيل أمام هذه الغلبة «لتصحيح» النظام السياسي بمعرفتها.
واليوم، يجري الاستعداد للاستحقاق المؤجل منذ خمس سنوات، وفقا لقانون انتخابي جديد يعتمد النسبية لأول مرة في تاريخ لبنان، ولوائح مقفلة وبالصوت التفضيلي. هذا بعد ان مدد للمجلس النيابي نفسه مدة تتجاوز مدة ولايته، وبعد ان عرف البلد تجربة فراغ في رأس الدولة عامين ونصف العام، جرى فيها تطيير جلسات انتخاب الرئيس العتيد، قبل ان تتوب معظم القوى الممثلة نيابيا لـ»نظرية ميشال عون»، وبعد ان انقسمت قوى 14 آذار شرّ قسمة على نفسها، وصارت تكفّر بعضها بعضا من يخدم «حزب الله» أكثر، كما لو ان حالتها الاجمالية هذه لا تخدمه، وبعد ان خرج التنافر بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري إلى الشارع، وتداخل هذا مع احتمالية «ولاية العهد» لجبران باسيل، في ظل تقاطع مروحة من القوى، متباينة في الموقف السياسي، على رفضها.
لم يعد محور الانتخاب اليوم، مع او ضد سلاح حزب الله، اقله ليس بهذه المباشرة. ليس السبب ان الحزب يمنع ذلك، بل السبب ان كل من يريد الاستحقاق هكذا عليه ان يخبر الناس لماذا خاض الاستحقاق الماضي على هذا الاساس، وربح، وتوسعت فيها تحكمية وتغلبية «حزب الله»، ومن دون اللجوء إلى 7 أيار اخرى، وفي فترة توقف فيها الاغتيال السياسي في السنوات الاربع الماضية، والمسلسل الذي وجهت قوى 14 آذار الاتهام بارتكابه للنظام السوري و«حزب الله»، ورغم انهماك الحزب في الحرب السورية والأنشطة الإقليمية.
قبل تسع سنوات، كان يمكن للناس الذهاب للاقتراع لوجوه لا ترى فيها طموحاتها، انما ترى فيها لوحة استفتائية مجملة حول سلاح الحزب. اليوم، لم تعد المسائل هكذا. صار هناك محوران لا واحد للاستحقاق.
المحور الاول هو الموقف «مع» او «ضد» عهد الرئيس ميشال عون. عنصر الاحتدام في هذا المحور يتركز حول «ولاية العهد» لجبران باسيل، صهر الرئيس ورئيس تياره ووزير الخارجية وشاغل الناس بتصريحاته الاشكالية في الفترة الاخيرة، والذي يمكن المجازفة بالقول، انه الاكثر شعبية بين المسيحيين بعد عمّه، لكنه لا يحظى بنفس الشعبية في دائرته التي رسب فيها مرتين حتى الآن.
يمكن لصياغة اللوائح والتحالفات ان تقلل او تزيد من هذا البعد، الاستفتاء على العهد، لكنه محور لا يمكن استبعاده، ولعلّه في الفترة التي تفصلنا عن الانتخاب مرشّح للازدياد.
المحور الثاني للاستحقاق يشبه ان يكون «انتخابات 14 آذارية داخلية»، في زمن صار فيه أخوة «المشلح الأبيض والأحمر» يكفرون بعضهم بعضا. فريق ميال لاعادة «تأجيج» الصراع مع الحزب، والذهاب به إلى «خواتيمه». وفريق يراهن على «ربط النزاع» مع الحزب، والتأسيس على «مواكبة العهد» لبلورة متغيرات ملموسة مع الوقت. التأجيجيون ورابطو النزاع يخوضونها كانتخابات للترجيح فيما بينهم.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*