“البيك” و”الحكيم” هل يحلّقان معاً في الجبل: “أيار 2018 موعدٌ موعود لن يكون كما قبله”

مجد أبو مجاهد
النهار
06082017

تعود بنا الحكاية الى أيار 2005، يوم اختار النائب وليد جنبلاط والنائبة ستريدا جعجع عيد ميلاد البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الخامس والثمانين، ليعلنا من دير القمر تحالفاً انتخابياً وسياسياً بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب “القوات اللبنانية” عبر المرشح في الشوف على لائحة “جبهة النضال الوطني” (آنذاك) النائب جورج عدوان. تلك اللحظة التاريخية، التي غدت بمثابة مدماكٍ اضافي في بناء المصالحة الوطنية التي رعاها الثنائي صفير ـ جنبلاط في المختارة عام 2001، كان لها زخمها في شبك الأيدي بين قطبي 14 آذار، “البيك” و”الحكيم”، اللذين ما لبثا ان سطّرا في تاريخ ساحة الشهداء أياماً ميمونة واشعلا المنابر بخطبٍ لا يزال صداها معششاً في أذهان اللبنانيين التوّاقين الى استحضار تلك الأيام مجدداً. واذا كانت لعبة الأيام قلبت ما قلبته في غضون اثنتي عشرة سنة، فكنست السياسة غبار الساحة وأعادت تموضع شملها، الا انها لم تنل من علاقة ركنَي الموارنة والدروز في لبنان. اثنتا عشرة سنة، وعلاقة “القوات” والتقدمي الاشتراكي الى مزيدٍ من العمق الناضج الذي نحتته دروس الحرب على تجاعيد وجهَي الطرفين. علاقة، لم تشهد اي انتكاسة، تجسدت آخر دعائمها في زيارة رئيس حزب “القوات” سمير جعجع الى دارة جنبلاط في كليمنصو قبل أيام. فهل يكون أيار 2018 موعداً موعوداً نحو مزيد من الثمار اليانعة؟

في صريح العبارة، ان مجرد حصول الزيارة في التوقيت الحالي بعد اقرار قانون انتخاب جديد هو أكبر دليل على طبيعة العلاقة التي تجمع الطرفين. هذا ما يؤكده لـ”النهار” مصدر “قواتي” رفيع واكب الزيارة. “انها نتاج التجربة المتراكمة بين الطرفين، والتي أثبتت ان العلاقة ثابتة ومبنية على التفهّم والتفاهم المتبادل”. اذا انه، وفق المصدر عينه، “في المحطات المفصلية المتزامنة مع النقاش حول قانون الانتخاب، حرص جعجع على الهواجس الدرزية، وكان يرفض اقرار اي قانون انتخاب يتعارض مع الوجدان الدرزي وتطلعات الموحدين الدروز. كما لم تشأ القوات الدخول في النقاش الدائر حول رئاسة مجلس الشيوخ، تلافياً لأي صدام او احتكاك درزي ـ مسيحي ينعكس على المصالحة والاستقرار في الجبل. وهذا ما انعكس ايجاباً على العلاقة مع جنبلاط الذي أيقن ان القوات حريصة على التمثيل الدرزي الصحيح، بقدر حرصها على التمثيل المسيحي الصحيح، وعلى دقّة العلاقة التاريخية التي تربط المسيحيين والدروز في جبل لبنان الجنوبي، وهي علاقة أزلية تتخطى البعد السياسي”. العوامل مجتمعة، “ساهمت في تطور العلاقة بيننا، ونحن ذاهبون في اتجاه تحالفٍ انتخابي سيترجم في الجبل بما يحفّز الوجود المسيحي والعيش المشترك الدرزي ـ المسيحي على السواء”، يتابع المصدر.

هل تؤشر هذه الأجواء الى تحالفٍ كامل أبعد من حدود المقعد النيابي الواحد؟ “طبعاً. المقعد النيابي الواحد ارتبط بحرص القوات على تحالف القوى المسيحية المنضوية تحت لواء 14 آذار سابقاً. اليوم كل شيء اختلف، والقوات ستحصد تمثيلاً كبيراً ينعكس من خلال توازن وطني. وهذا لا يعني اننا نتعامل مع النائب جنبلاط على انه يمثل الدروز فقط، بل لا بد له من أن يضمن تمثيلاً مسيحياً. لكن حجم القوات في جبل لبنان الجنوبي وقوتها واندفاعها سيترجم بأكثر من مقعد نيابي واحد”.

هل لمستَ هذه الأجواء من قبل التقدمي الاشتراكي؟ “لم نكن لنشهد هذا الاجتماع لو ان القناعة لم ترسخ في ان نائباً واحداً غير كافٍ”، يقول المصدر عينه، مضيفاً ان جنبلاط “يشعر ويدرك ان القوات لن ترضى بنائب واحد، وان معادلة 2009 انتهت. هذا لا يعني ان القوات تتجه الى احتكار التمثيل المسيحي لكنها تتوخّى تمثيلاً عادلاً يوازي حجمها في الجبل”.

وعن امكان انخراط الكتائب في التحالف، يرى المصدر “القواتي” إياه ان مقعد عاليه الكتائبي “تبلور نتيجة التحالف مع 14 آذار. لكن الحزب أعلن اليوم معارضته لجميع القوى السياسية المنضوية في اطار السلطة، وما من اعتقادٍ يشير الى انه سيلجأ الى التحالف مع جنبلاط في الجبل”. وماذا عن خصوصية النائب دوري شمعون في دير القمر؟ “المميز في مواقف الريس دوري، أنه لم يتطرّف في خطابه ضد الطبقة السياسية، أو المصالحة المسيحية. أما الكتائب فتموضع في مكان آخر، وله الحرية في الخيارات التي اتخذها”.

وعن تموضع “التيار الوطني الحر” في هذا الإطار، يأمل المصدر ان تتظهر علاقة جنبلاط التحالفية مع الرئيس ميشال عون من جهة و”القوات اللبنانية” من جهة ثانية، “خصوصاً ان جنبلاط لم يقف في وجه مصالحة الثنائي المسيحي، ولم يعارض الارادة المسيحية الساعية الى تحسين ظروف قانون الانتخاب”. لذلك، يتابع المصدر عينه، “لا بد للمسيحيين من ان يتمتعوا بالارادة نفسها للتعاون مع جنبلاط على قاعدة تمثيل فعلي صحيح لشخصيات مسيحية تنتمي الى تكتلات حزبية تستطيع ان تقدّم توازناً وطنياً”. وفي حال لم يتم التوافق بين جنبلاط وعون، أين ستتموضع “القوات اللبنانية”؟ “بالتأكيد سنكون الى جانب جنبلاط، ذلك أننا لن نخوض الانتخابات على لوائح واحدة مع عون في شتّى الدوائر الانتخابية”.

وبالأرقام، يشرح المصدر الصيغة الأولية التي لا بد لها من ان تتظهّر على لوائح انتخابات أيار 2018: مرشّح “قواتي” في الشوف، ومرشح في عاليه وآخر في بعبدا، مقابل 3 مرشحين مسيحيين لجنبلاط في كلٍّ من الأقضية الثلاثة. فيما تتشكل المقاعد المسيحية المتبقية من وجوهٍ مقرّبة جامعة بين جنبلاط وجعجع. وفي الجنوب والبقاع الغربي، يتجه الخيار حكماً نحو تجيير الأصوات الانتخابية وتبادلها، لتتجاوز الشركة حدود جبل لبنان الجنوبي وتتشابك في كلّ الدوائر التي تحظى بوجودٍ درزي.

من جهته، يؤكد أمين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر لـ”النهار” ان “التواصل دائم، ولم ينقطع يوماً مع القوات اللبنانية، والكوادر على تنسيق كامل في ما بينها والزيارات متبادلة. فيما الحرص الأول يكمن في ترسيخ مصالحة الجبل وحمايتها. وزيارة جعجع الأخيرة الى دارة جنبلاط في كليمنصو تثني على التواصل الوثيق القائم بين الطرفين”. ويقول: “اننا في المرحلة الأخيرة تقاطعنا والقوات اللبنانية في مفترقات جمّة من الحكومة وصولاً الى قانون النتخاب، والعلاقة الطبيعية في ما بيننا تساهم في تحصين مصالحة الجبل وحمايتها، ونحن منفتحون على أي تعاونٍ في ما بيننا”.

اذا كانت الدلالات السياسية منها والانتخابية تشير حتى الساعة الى “تحليقٍ” مشترك لجعجع وجنبلاط في سماء الجبل، فان السؤال يتمحور على هوية اولئك الذين سينضمون الى سرب الصقور نفسه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*