البندقية ٧٥ – “بيترلو” لمايك لي: أنشودة الحريّة

البندقيّة هوفيك حاباشيان
النهار
03092018

“بيترلو” لمايك لي.

ينطوي الاختيار الرسمي لموسترا #البندقية هذا العام (29 آب – 8 أيلول) على العديد من الاتجاهات السينمائية والـ”جانرات”. وهذا طبيعي ضمن برنامج يتضمن 21 فيلماً في المسابقة تحمل تواقيع سينمائيين يأتون من خلفيات ثقافية مختلفة. هناك كلّ هؤلاء، وهناك في المقابل المخرج الانكليزي مايك لي الذي يتسابق على “الأسد الذهب” بفيلمه “بيترلو”.

كلهم في كفّ ولي في كف! المعلم البالغ من العمر  75 عاماً يعمل بأسلوب كلاسيكي بليغ، محاولاً قول الكثير من خلال القليل، أي باستخدام الحد الأدنى من الموراد السينمائية. والمتذوّق للسينما لن يستغرب أنّ هذا الأسلوب يستهدف العقل مباشرةً. يختلف لي عن زميله ومواطنه كن لوتش في مقاربته للسينما، ولو أنّ أفكار الرجلين تتقاطع؛ فكلاهما يساريّ مقتنع بأهمية الاستسلام إلى إرادة الشعب. غير أنّ ما إن يقف أحدهما خلف الكاميرا، حتى “يتصرف” نقيض الآخر.

4 سنوات بعد “مستر ترنر” الذي عُرض في كانّ، يقدّم لي ملحمة تاريخية انطلاقاً من فصل مهم من سيرة بلاده: “مجزرة بيتلرو” التي مضت قرابة 200 سنة على حدوثها. تنطلق الأحداث غداة معركة واترلو، في العام 1819، وتحملنا إلى مانتشستر. من خلال سلسلة من اللوحات، يوثّق لي للغضب الشعبي المتصاعد نتيجة الفقر والتهميش وعدم توزيع الثروات بطريقة متساوية. المواطنون يدفعون الضرائب، ولكن لا تمثيل لهم في البرلمان. هذا كلّه سيؤدّي إلى تجمّع كبير في ساحة القديس بطرس (بيتر) في مانتشستر للمطالبة بحقّ الانتخاب واصلاحات برلمانية. هذا التجمّع يعتبره البريطانيون التمهيد لديموقراطيتهم.

نتيجة الارتباك، لن يتوانى المسؤولون عن قمع التظاهرة الحاشدة (نحو 60 ألف شخص) وإرسال البلطجية لفعل فعلتهم بالناس العزّل الذين امتنعوا عن حمل السلاح كي لا يُعطوا ذريعة للحكومة التي تعتبرهم حثالة البشر وتنعتهم بالراديكاليين. الحادثة التي ستؤدي إلى مقتل 15 شخصاً ووقوع عدد من الجرحى (700)، ستُعرف باسم “مجزرة بيترلو”، تسمية وُلدت من اللقاء بين اسم ساحة القديس بيتر (بطرس) وواترلو، وهي المعركة التي انتصرت فيها بريطانيا على نابوليون فأعطت القادة “شرعية” لقطع الطريق على ما يُسمى ثورة فرنسية كانت بدأت قيمها تغوي كثراً خارج فرنسا. لا يزال هؤلاء القادة يحكمون بقوانين الدين والكنيسة.

مايك لي في البندقية أمس.

قد تبدو أفلام كهذه مستهلكة ومكرّرة، ولكن مايك لي يقدّم شيئاً مختلفاً، هادئاً، مسكوناً بالجمال والفضيلة والنعمة والبساطة والصرامة. وأيضاً مشبّعاً بالكلام الوفير الذي كان رأسمال السياسة
في تلك الحقبة (مشهد السجال بين اللوردات بديع). يبدأ الفيلم بالسياسة والشعارات، وينتهي كأنشودة للحرية تذكّرنا بأنّ الانسان من دونها كائن يحفر قبره يبده. السرّ، كلّ السرّ، في أنّ الفيلم لا يشبه سائر الأفلام التاريخية يكمن في المقاربة والأسلوب والنحو الذي ينحت به لي كلّ لحظة. كلّ مشهد، كلّ شخصية، كلّ تفصيل، كلّ كلمة لها مكانها في هذه الملحمة التي تمتد على ساعتين ونصف الساعة، قبل الانزلاق التدريجي إلى المقتلة التي سيصوّرها المخرج على عكس ما هو رائج، أي بأقل عنف ممكن، وبأقل قدر من اللقطات الدموية المهمومة بالواقعية التي تمنحنا إحساساً بأننا على أرض المعركة، وقد تخترقنا رصاصة أو يشطرنا سيف إلى قطعتين في أي وقت. وفي الحقيقة، اشتقنا الى هذه #السينما القديمة التي ترى بأنّ التأثير في المُشاهد لا يكون بالضرورة عبر تعذيبه.

“بيترلو” هو قبل أي شيء آخر فيلم عن الإصلاح. هذه الكلمة التي تبدو بلا معنى اليوم، ولكنها كانت أساس انتقال الشعوب من الأنظمة الجائرة والمستبدة إلى دول تضع الإنسان فوق كلّ اعتبار التي يعيش هؤلاء في ظلها (لا يُمكن مشاهدة الفيلم من دون ان يخطر في بالنا ما نحن عليه في العالم العربي). لي يعود إلى لحظة زرع بذور الحقوق السياسية والمواطنة والوعي، وهذه أشياء لا تزال مسلوبة من المواطن في بقع كثيرة من العالم. ويفعلها بمناقبية سينمائية مشهودة له. يعطي كلّ شخص ضحّى من أجل الحريّة مساحته المستحقة على الشاشة، من دون أن يهمين أحدهم على الآخر، جاعلاً من البطولة جماعية لا فردية. حتى الخطيب البارع هنري هانت، وهو الشخصية الكاريزماتية التي يمكن تخصيص فيلم كامل لها، يذوب في الحكاية. ولا ينسى الفيلم دور الصحافة المكتوبة التي شهدت على الفظائع وخلقت مدرسة جديدة في نقل الخبر. ليس “بيترلو” فيلماً اختزالياً، فهو يأخد كلّ ما يحتاجه من وقت للاطلاع على صفحة سوداء من تاريخ أمبرطورية قيل إنّ الشمس لا تغيب عنها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*