البكالوريا الفرنسية الجديدة… ولبنان؟


إبراهيم حيدر
النهار
08112018

 

لم يتقدم لبنان منذ أكثر من 20 سنة بأي خطوة لتطوير بنيته التعليمية. فنظامه ومناهجه وبرنامج امتحانات البكالوريا عناوين لا تزال على حالها، لا بل تراجعت عما كانت عليه للمرحلة ما قبل الجامعية، فسقطت كل مشاريع النهوض التربوي والإنماء في فخ السياسة والخلافات والحسابات الضيقة، إلى حد بتنا نمارس سياسة الهروب عن اي إصلاح تربوي حقيقي. فها نحن ممنوع علينا تحديث نظام الامتحانات الرسمية، فنقر بديلاً من ذلك البكالوريا الدولية، إلى مشاريع لا تخدم التربية، بل تزيد من مأزقها.

وبينما نغرق في مشكلاتنا، نكتشف مثلاً أن تلامذة في المرحلة الثانوية لا يستطيعون تسجيل أولادهم في الثانويات الرسمية، فلا يستطيعون تأمين رسم التسجيل ولا الكتب ولا وسائل النقل، فيما تصرف أموال كثيرة على مشاريع تربوية غير منتجة، وعلى مؤسسات تمول مشاريعها جهات مانحة دولية، لكنها لا تقدم أي جديد في عملية التحديث التربوي وتطوير بنيته التعليمية واعداد المعلمين وتدريبهم، طالما أن الفساد ينخر حتى العظام ويكتسح المؤسسات من طريق الحصص والمصالح السياسية والطائفية.

ثم نكتشف مثلاً أن بلداً مثل فرنسا، قرر إصلاح نظام البكالوريا الفرنسية، على رغم برنامجها المتقدم، لتدخل حيز التنفيذ سنة 2021، بعدما بدأ العمل بتطويرها مطلع 2018. حتى الفرنسيين شعروا بضرورة تحديث برامجهم التعليمية، فيما نحن نتمترس خلف اصطفافات جعلت التعليم مجرداً من غاياته النقدية والتحصيل والاختبارات. وللمفارقة أن كل التغيير في نظام البكالوريا الفرنسية استثنى الفلسفة وجعلها عنواناً للإنطلاق نحو التفكير النقدي في نظام متعدد الاختصاصات، فيما نحن في لبنان وضعناها على الهامش، وزدنا عبر تكسير محاورها الضحالة في التفكير والهشاشة في التعليم.

كانت فرنسا تمثل مرجعنا التعليمي ونستدل من نظامها خريطة طريق لبرامجنا التربوية، فلماذا لا نستفبد من إصلاح نظامها للبكالوريا؟ لنعترف مثلاً كما اعترفت التربية الفرنسية أن امتحانات البكالوريا لا تساعد التلامذة بفاعلية في التعليم العالي، علماً أن نسب النجاح في بلدنا تخطت التسعين في المئة. ثم الاهم ان الفرنسيين اكتشفوا أن عدد الاختبارات يرهق المرشحين مقارنة مع أنظمة الدول الأوروبية. لذا اختاروا مبدئياً إلغاء أقسام الآداب والعلوم وعلوم الاقتصاد، بحيث يصبح المرشح ملزماً باختيار مادتين أساسيتين ومادتين ثانويتين. المادتان الأساسيتان قد تأخذان شكل اختيارات تصل إلى 17 مادة وفق مجالات الدراسة. في حين يبقى التعليم الثانوي ملزماً بمواد مشتركة أهمها، الفرنسية، الفلسفة، التاريخ والجغرافيا، الآداب والتربية على المواطنة، اللغتان الحيتان، علوم الإنسان والرقمنة. ولا يخجل الفرنسيون من الافادة من البرنامج الفنلندي لتخفيف عدد الاختبارات، إلا أن هناك اختباراً إلزامياً لجميع التلامذة بمادة الفلسفة، لما لها من دور في بناء التفكير والتحليل النقديين والتساؤل.

كيف نستفيد من هذه النقلة الفرنسية؟ آن الأوان لوقف المشاريع غير المنتجة ورفع راية الإصلاح؟

ibrahim.haidar@annahar.com.lb / Twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*