البطريرك الأوّل… والارتباط بجبل لبنان

المطران منير خيرالله
جريدة الجمهورية
الخميس 02 آذار 2017
يكتسب عيد مار يوحنا مارون، البطريرك الأول للموارنة وشفيع أبرشيتنا، معنى مميزاً هذه السنة، إذ يندرج في بداية سنة الشهادة والشهداء التي أعلنها صاحب الغبطة والنيافة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، والتي بدأت في 9 شباط الفائت في عيد أبينا مار مارون وتنتهي في 2 آذار، عيد أبينا مار يوحنا مارون.

الكنيسة المارونية، بعد مارون ويوحنا مارون ومع سلسلة البطاركة العظام والنسّاك، هي كنيسة الشهادة والشهداء، إذ تبنّت على خطى مار مارون، الروحانية النسكية التي تتميّز ببعدين متكاملين: البُعد العمودي في العلاقة مع الله والبُعد الأفقي في العلاقة مع البشر، وهي روحانية الزهد في العالم للارتقاء إلى الله، والانفتاح على الانسان لعيش المحبة في التضحية حتى بذل الذات.

وعيش الشهادة لإيمانهم بالمسيح، ابن الله المتجسّد إنساناً ليساوي الإنسانية بألوهيته، والمائت على الصليب ليفتدي البشرية ببذل ذاته مَحبةً بها، والقائم من الموت ليجعل من كل انسان ابناً لله محرّراً من عبودية الخطيئة والموت.

انتشر تلاميذ مارون في منطقة قورش وأفاميا وأنطاكيا وبَنوا الكنائس والأديار، ومن أكبرها وأهمها على الإطلاق دير مار مارون على العاصي. ومنهم من قصد جبال لبنان واستوطنَ جرود جبيل والبترون وجبّة بشري سالكين مجرى نهر العاصي، وهو النهر الوحيد العاصي على الطبيعة، بعكس مساره؛ إذ انطلقوا من مصبّه في البحر شمال سوريا صعوداً شرقاً ثم جنوباً إلى منبعه قرب الهرمل، وبَنوا أديرتهم على ضفافه قبل أن ينتشروا مع يوحنا مارون في كل الاتجاهات، ويكَوّنوا «شعب مارون» ويُكنَّوا «ببيت مارون».

إلى أن أتى يوحنا مارون في أواخر القرن السابع وأسّس الكنيسة البطريركية المارونية ونظّمها وأمّن لها استقلالاً ذاتياً في قلب الكنيسة الانطاكية وضمن نطاق الامبراطورية العربية الإسلامية، من دون أن تتقوقع على ذاتها أو تتعدى على الآخرين.

أما لماذا اختار أبناء مارون المجيء إلى جبل لبنان؟ فذلك لأنه «الجبل الذي يسكن فيه أولياء الله تلبيةً لدعوة منه؛ وقد أتوا إليه لا كلاجئين ومضطَّهدين، بل كمُرسلين يستخدمون النسك في الرسالة»، كما يقول البطريرك اسطفان الدويهي.

لقد ارتضى الموارنة، في تبنّيهم الحياة النسكية بعد مارون ويوحنا مارون، أن يخوضوا المغامرة مع الله حتى النهاية من دون أي غشّ، وقبلوا التضحية بالذات لأنّ روحانيتهم النسكية هي روحانية الصليب. فهموا أنّ التضحية بالحياة ليست خسارة لها بل هي على العكس ربح جديد لها بقدر التضحية بها.

وكانوا يقصدون «الارتفاع حيث يشخص نظرهم إلى ذاك الجبل الذي أراده الله لهم موطناً»، كما يقول الأب ميشال الحايك، ولكي يكونوا في علاقة روحية عمودية معه. فحملوا صليبهم مع المسيح وراحوا يرتفعون به صعوداً حتى التضحية بالذات، والارتقاء إلى الله.

تخلّوا عن أمور الدنيا وزهدوا بها. ولم يرضوا التعامل معها إلّا من خلال علاقتهم مع إخوتهم البشر إلى أي دين أو طائفة أو جنس أو عرق أو ثقافة انتموا. إنه البُعد الأفقي والرسولي في روحانيتهم النسكية. ما سمح لهم بالانتشار السهل إلى الوديان، ثم إلى السواحل وإلى أبعد من البحر، إلى كل أصقاع العالم حيث هم منتشرون اليوم.

أردتُ هذه المناسبة دعوةً تُلاقي مسيرة مجمعنا الأبرشي الذي يهدف إلى التجدّد وقد اتخذنا له شعاراً: «على خطى مار يوحنا مارون نتجدّد ونتقدّس بالمسيح». وانطلقنا معاً في الورشة التجددية بالعودة إلى اكتشاف جذورنا الروحانية والتعرّف إلى تاريخنا واستعادة عناصر روحانيتنا النسكية المُستوحاة من حياة مار مارون وتلاميذه.

نصلّي معاً إلى الله لكي يمنحنا القدرة على الشهادة للمسيح في عالمنا مع خليفة مار يوحنا مارون السابع والسبعين بالانفتاح والمحبة والسلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*