البرج (سابقاً البيت) الأبيض

18 كانون الثاني 2017

النهار

يدخل العالم، رسمياً، بعد يومين، عصر اللغط الذي دخله، مبدئياً، منذ فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية. لم يحدث أن أثار انتخاب رئيس أميركي في التاريخ، مثل هذه البلبلة. رجل يثير الحيرة والتخوف، وأحياناً، الازدراء، كيفما تحدث من خلف منصة، أو غرّد من على حامولة “تويتر”، بلا أي رادع أو اعتبار أو حساب لأحد، أو لشيء.

بعد يومين سوف يتعين عليه أن يقرأ نصاً مكتوباً، وأن يلتزم تاريخية الخطاب. وسوف يكون نصاً أدبياً، وربما خلاباً. وبعدها يعانق في حنوّ السيدة ميلانيا، كما عانق جون كينيدي جاكلين بوفييه، أو كما عانق باراك اوباما، أول سيدة أولى سوداء، وقادمة من هارفارد. سوف يتعين على السيدة السلوفينية، أن تقرأ شيئاً من تاريخ أميركا كي تعرف طريقها في البيت الأبيض، واختلافه عن أبراج الزوج.
بعد الآن، لن تبقى ميلانيا في الصفحات الاجتماعية، ولا دونالد في صفحات العماير والناطحات. “تويتر” واحد منه، وتنصتُ دور الحكم حول العالم مثل الأرانب: اذنان صاغيتان رعباً. ولا احد يستطيع أن يتكهّن بما سيقول الرئيس الاميركي الجديد. ولا بأي اسلوب. هو، فعل ما عليه، وأصبح رئيساً لأميركا، والآن على العالم أجمع أن يفعل ما عليه: أن يقرأ ماذا يريد، وأن يقرأ نفي ما قال إنه يريد، وأن ينفي هذا وذاك. لن يكون العالم مملاً مع ترامب، لكنه سيكون صعباً ومعقداً وسيئ الطباع.
إن الدنيا رُكّّبت هكذا، بحيث لم يعد في امكانك التصرف وكأن الأمر لا يعنيك. فقد تُقاطِع الاصغاء إلى نشرات الأخبار، ولكن ماذا يضمن أن إحداها لا تحمل صاروخاً بالستياً، أو شحن 10 ملايين مهاجر غير شرعي خارج كل بوابات اميركا. ما عدا المكسيكيين، فهؤلاء في الدفعة التالية من تنقية أميركا واعادتها “عظمى” تحت جناح الحبيب، الذي لم يكف عن الكلام يوماً واحداً، بما فيه أيام العطلة، منذ أن قرر ان يصبح رئيس أميركا.
العالم، هذا العالم، ليس ما نريد ولا ما نتمنى. في أقصى الحالات تستطيع أن تعزل نفسك في برج جميل، مثل مونتين، وتدوِّن ما شئت من افكار. نعدك بالاهتمام. ولكن في غضون ذلك، عليك أن تقرأ امثولات التاريخ، لا مطالعات ذلك الرجل النبيل. لقد كتب رؤيته من برج. أما الرئيس الجديد، فقد خلط الابراج وباعها في السوق. أنه الفارق بين النظري والعملي، إذا كنت لا تزال تتذكر النكتة، حفظك الله.
الفرد صاحب التجربة القليلة في قيادة الدول، ظاهرة خطرة. على اصدقائه واعدائه معاً. ربما كنت قد سئمتَ تكرار مَثَليّ ستالين وهتلر، ولكن ماذا نفعل إذا كانا المثلين الاكثر فداحة في التاريخ. صحيح أن ارادة الفرد وشخصيته تظهران ايضاً في نماذج اخرى كثيرة، ولكن عندما يطغى الشخص على المنصب، كما في حال ترامب، لا تعود من كَدَرِكَ وخوفكَ، ترى غيرهما. كلاهما لم يكن يصغي إلى احد. قرار هتلر بغزو روسيا، دمر نظامه ودمّر المانيا ودمّره. كان عاجزاً عن قراءة التاريخ أو فهمه. وثمة قول قديم جداً يبدو أنه لم يطلع عليه: “روسيا ليست قط القوة التي تبدو عليها، ولا بالضعف الذي تبدو عليه”.
لم يكن وحده يقلل أهمية “الجيش الأحمر”. ففي تقرير لرؤساء الاركان البريطانية والفرنسية، أن اداء الجيش الأحمر أقل مستوى من اداء الجيش البولوني. وأما هتلر نفسه، فقال للسفير البلغاري دراغونوف، إن “الجيش الأحمر ليس سوى نكتة سوف يصار الي تقطيعها تقطيعاً”. والعام 1940 قدّر أنه سوف يكون في بطرسبرج خلال ثلاثة أسابيع. الباقي معروف.
رأى صدام حسين نحو 700 الف عسكري بينهم نصف مليون أميركي، يحشدون لتحرير الكويت، ومع ذلك قرر المضي في الحرب. وسوف يقول وزيره طارق عزيز في ما بعد، إن السيد الرئيس لم يصغ الى أحد في موضوع الكويت. وكاد يقول، إنه لم يصغ إلى احد في أي موضوع. والذين يعتقدون – مثلنا – ان في الدولة الاميركية ضوابط وانظمة واحكاماً، تحول دون مثل هذه المغامرات المدمرة للذات، عليهم ان يراجعوا الوثائق المكشوفة حديثاً، والتي تؤكد ان ريتشارد نيكسون ترك حرب الفيتنام تستفحل وتطول لاسباب انتخابية فقط، كالتي تقدم الآن في تدخل روسيا لحساب ترامب.
يصبح العالم أكثر هشاشة، وأقل أمناً، وأكثر ارعاباً، عندما يكون الفرد وحيداً في موقع واسع التأثير. ونحن في هذه المنطقة من الأرض، نعيش وكأن كل براكين العالم همدت إلا براكيننا. وما كنا نسميه تحبباً “الوطن العربي الكبير”، يقع في أكثر القارتين تخلفاً، آسيا وافريقيا. واكثرها هبوباً وحروباً وقبليات. ونحن اليوم الجزء الوحيد فيهما الذي لا يزال يغلي بالدم والقتل والتخلّف. نحن الجزء الوحيد المشتعل في هذا الكوكب. وجميعنا ننتظر درساً خصوصياً في “كيف نعامل ترامب”، و “كيف نعامل بوتين”. الوطن العربي الكبير مجموعة حروب كبيرة وازمات كبرى. عينكم الآن على الجزائر، فقد بدأت أخبار الطاعون بالخروج منها. ليس “طاعون” البير كامو والدكتور ريو، بل ما هو اسوأ وأكثر عمى. وحتى المغرب، ذلك المثال على تجاوز الازمات، يتعثر منذ اشهر في تشكيل حكومته: ليبيا، تونس، الجزائر، والآن المغرب، أي الشمال الافريقي العربي. وفي المقابل التأزم المعلن في الصومال ومصر والسودان. وحمَ الله موريتانيا. وفي الجزء الآسيوي من “الوطن العربي الكبير”، العراق وسوريا واليمن. أما غير العرب في القارتين، فعلى درب المستقبل. الصين الآسيوية، واليابان، وسنغافورة، والآن اندونيسيا. ولا يزال جزء كبير من افريقيا في الغابة، لكنها اقل توحشاً بكثير من غاباتنا. واقل ظلمة.
لغط. بعد يومين يدخل الرجل البيت الأبيض، واللغط يعم العالم. يحكي وينفي. يؤكد ويبدد. والذين تحدثوا حتى الآن من أعضاء ادارته، نقضوا مواقفه في امور كثيرة، وكأن المسألة مسألة حكومة ترينيداد وتوباغو، وليست مسألة عالم يقف برمّته على مجموعة حافات واخطار من اقتصاد وحروب وارهاب وهوس وجنون.
نحن، في هذه المهنة، تعلمنا أن نخاف على عالمنا من المُكابرين. المُكابر لا يسمع ولا يرى. يتطلع في المرآة ولا يرى سوى نفسه. تطوقه الدهماء بالحماسة، ثم بالخنق، لأنها لا تعرف الفرق. ولا يهمها ان تعرف. لم يعش ستالين يوماً واحداً بعد وفاته. ولم يقر الماني واحد بأنه كان مع هتلر. وعندما طعن بروتوس القيصر، تأكدت الجماهير من برودة قدميه، ثم خرجت تهتف للقيصر الجديد.
سميناه عصر اللغط، لأننا أمام برج بابل، لا أمام أبراج ترامب. بلبلة. رجل لا ذكر في سيرته إلا للتشاطر على القانون. لا مكان في خطابه للهدوء، أو المحبة. كاوبوي يهدد بالسجن بدلاً من ان يهدد بالإحالة على المحكمة، تاركاً لها أن تحكم بالبراءة أو بالإدانة. سوف نتعب كثيراً إذا لم يتعجل دونالد الأمر: المجيء بمدرّب يلقنه أصول السلوك في البيت الأبيض. بعد بوش الأصغر، كان باراك اوباما فاصلاً بائساً في المسيرة البشرية. رجل أمضى ثماني سنوات من غير ان يبلغه ساعي البريد أنه اصبح رئيساً. والآن الرعب اكبر بكثير: من يستطيع أن يبلغ ترامب انه اصبح رئيساً؟ قليلاً من الهدوء يا “دون”… إذا امكن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*