البترول والنقد ضد المواطن

26 كانون الثاني 2017
النهار

… ولكن إن فَسُدَ الملح فبماذا يُملّح؟ – إنجيل متّى

فلنبدأ بالتذكير بمبدأ أساسي يبدو أنه لم يعد قائماً في لبنان: إن الثروات العامة، بما فيها الأموال العامة، هي ملك جميع المواطنين اللبنانيين وليست ملك أي رئيس، أو وزير، أونائب، أو أي ذي سلطة آخر. الدستور والقوانين لم تعد تحمي المواطن، فلبنان أصبح بلداً بدون محاسبة سياسية أو قانونية. المسؤولون لم يعودوا مسؤولين أمام أحد.
السلطة التنفيذية في لبنان هي سلطة توافقية على مصالح مشتركة وبدون معارضة، المجلس النيابي في سبات إلى حين يُستدعى على عجل للموافقة على أمور تمّ الاتفاق عليها مسبقاً، الأحزاب موجودة في السلطة أو مدجّنة، المؤسسات الرقابية كما النقابات العمالية والمهنية… لا أحد يدري ما حلّ بها. أما وسائل الإعلام فقد أصبحت خبيرة في مساكنة وإطراء رموز السلطة. أين المحاسبة في كل هذا؟ من يتكلم باسم المواطن ويدافع عن مصالحه؟
حدثان كبيران حصلا في القطاع العام منذ وقت ليس ببعيد يؤكدان واقع التصرف غير المسؤول بالأموال والثروات العامة، والغياب التام لأي مساءلة أو محاسبة.
منذ بضعة أسابيع أقر مجلس الوزراء مرسومي الأنشطة البترولية (أي نفط وغاز)، بما فيها نموذج الاتفاقات بين الدولة والشركات ودفتر الشروط المتعلق بها. هذه مراسيم ذات أهمية قصوى إذ إنها تشمل واردات للدولة بمئات المليارات من الدولارات في حال إبرام اتفاقات لفترة طويلة تصل إلى 30 عاماً. إلا أن هذه المراسيم بقيت سرّية لأكثر من ثلاث سنوات، ولا تزال سرّية. أي أنه منذ أكثر من ثلاث سنوات لم يكن بمقدور أي مواطن أن يطلع على أي منها. حتى أعضاء المجلس النيابي لم يُعطوا فرصة الاطلاع عليها. لماذا بقيت هذه المراسيم لسنوات عدة خارج أي نقاش علني في حين أنها تنصّ على صيغة اتفاقات بمئات المليارات من الدولارات من الأموال العامة؟ لقد اشتكى العديد من الوزراء خلال جلسة الموافقة على المراسيم التطبيقية من أنّه لم يُتح لهم سوى بضعة أيام لقراءة مئات الصفحات من التفاصيل القانونية والتقنية واستيعابها. كما أنّه رُفض طلب وزراء عديدين الحصول حتى ولو على أسبوع إضافي واحد لدراسة دفتر الشروط. لماذا؟
وسائل الإعلام تناست مسؤوليتها الرقابية التي تكتسب أهمية استثنائية بغياب المساءلة والمحاسبة الرسمية والسياسية عامة، فلم يعلُ صوتها إلاّ لطرح بعض التساؤلات الوجيزة من باب رفع العتب. كما أن بعضها أعطى دعماً غير مبرّر لإقرار تلك المراسيم. من نوع أن صندوق النقد الدولي أصدر عن دفتر شروط الاتفاقات “… تقريراً إيجابياً جداً وكان تقويمه ممتازاً أيضاً. كذلك تمت مراجعته من البنك الدولي وتقريره كان بالأهمية ذاتها، وأيضاً من Extractive Industries Transparency Initiative وتبيّن أن دفتر الشروط يتماشى مع المعايير الدولية للشفافية…” (17-1-2017)
كل هذا غير صحيح على الإطلاق. لم يتم أي تقويم أو مراجعة لدفتر الشروط أو الاتفاقات من قِبل أي من المؤسسات الدولية المذكورة أعلاه. هذا ما أفاد به لهذه الصحف مسؤولون عن كل من تلك المؤسسات. إذن، لماذا تُعطى للناس تأكيدات قوية مطمئِنة عن مواضيع تتعلق بالأموال العامة غاية في الأهمية، وهي تأكيدات بلا سند؟
لن ندخل في التفاصيل التقنية العديدة الواردة في دفتر الشروط، كنِسب الإتاوة المتدنية ونِسب تقاسم الإنتاج أو الأرباح، إلخ…، التي يرى خبراء بترول دوليون معروفون كالدكتور نقولا سركيس أنها مجحفة بحق لبنان، بل نكتفي بالإشارة إلى أمر أكثر دلالة من كل ما سبق يتعلق بالمؤسسات المؤهلة للمزايدة على العقود البترولية التي أقرها مجلس الوزراء منذ بضعة أشهر. إن قائمة هذه المؤسسات تتضمن على الأقل شركتين أُنشِئتا حديثاً (Petroleb و Apex Gas)، لا تملكان أي خبرة في مجال النفط أو الغاز، ولا يبلغ رأسمال كل منهما إلا ما يقارب ألف دولار! هذا أمر يتنافى مع القانون 132/2010 الذي يتطلب كشرط للتأهيل خبرة طويلة ومقومات كافية لمزاولة الأنشطة البترولية. لا أعتقد أن أياً من القراء في حاجة إلى تفسير إضافي لمعرفة سبب إدراج تلك الشركتين على قائمة الشركات المؤهلة. وبالرغم من هذا التصرّف الفاقع، فلا مساءلة ولا محاسبة حتى الآن.
نأتي إلى الحدث الثاني المتعلق بما يُسمّى “هندسة مالية” قام بها مصرف لبنان، وتمّ جلّها ما بين أيار وآب 2016. هدف عمليات مصرف لبنان كان ولا يزال استجلاب ودائع بالدولار لديه، وخلاصة “الهندسة المالية” هي كالآتي: نجح مصرف لبنان في الحصول على ودائع إضافية وصلت إلى حوالي 5 مليار دولار. ومقابل هذه الودائع الإضافية التي أتت بها مصارف لبنانية دفع مصرف لبنان لتلك المصارف “عمولة” بالليرة توازي حوالي 5 مليار دولار، وهي، حسبما صرّح حاكم مصرف لبنان (انظر المرجع أدناه)، “توازي مساهمة المصارف في جلب ودائع بالدولار”. نعم، 5 مليار دولار، أي حوالي 100% عمولة! ولقد أخذت هذه العمولة – الأرباح للمصارف، التي دفعها مصرف لبنان فوراً وبالكامل، شكل مبالغ دفعها إضافة على قيمة الحسم الذي قام به على سندات وشهادات إيداع بالليرة تحملها المصارف. إنها تفاصيل تستند إلى حديث لحاكم مصرف لبنان إلى جريدة لوريان – لو جور (3/12/2016)، وإلى وثائق ذات صلة بلجنة الرقابة على المصارف نشرها الصحافي محمد زبيب في تحقيق له في جريدة الأخبار (13/1/2017).
يبرّر مصرف لبنان هذه العمليات بكلام عن قيود وُضعت على جهة استعمال هذه الأرباح، ويتجنب الكلام عن المسألة الأساس، أي الأرباح نفسها وضخامتها الصارخة. ومن التبريرات الأخرى التي يعطيها مصرف لبنان لهذه الأرباح “تعزيز ميزانيات المصارف” و”إعادة رسملتها” (جريدة الحياة، 18/10/2016 وجريدة الأخبار، المصدر أعلاه). في هذا السياق، نودّ التذكير بأن وظيفة أي مصرف مركزي لا تكمن إطلاقاً في تعزيز رساميل المصارف، فهذه مسؤولية أصحاب المصارف التي هي مؤسسات تجارية بحتة. أما إذا كانت ثمة مصارف بحاجة إلى “إعادة رسملة” فيتدخّل المصرف المركزي عند الضرورة لإعطاء قروض لتلك المصارف، على أن تكون مدعومة بكفالات عينية، كما حدث مرات في الماضي في لبنان. في كل الأحوال، إن هذه “الهندسة المالية” لم تعطِ انطباعاً جيداً عن وضع المصارف، إنما أعطت بالأخص مؤشراً عن مدى يأس السلطة النقدية ما أجبرها على دفع تلك العمولات غير الاعتيادية بأي مقياس.
ماذا كان رد الفعل الرسمي على هذا الحدث الكبير والمهم؟ لا شيء. ولكي نعطي القارئ حساً موضوعياً عن أهمية حجم العمولة التي دفعها مصرف لبنان من خلال هندسته المالية، يكفي الإشارة إلى أن مبلغ 5 مليار دولار يؤمن قروضاً، كلاً منها بقيمة 100,000 (مئة ألف) دولار، ﻟ50,000 (خمسين ألف) مؤسسة صغيرة ومتوسطة في لبنان، والعدد الإجمالي الفعلي لهؤلاء أدنى بكثير. أي أن القروض تكون تقريباً لكل الاقتصاد اللبناني، ولكانت أيضاً قروضاً قابلة للاسترداد بدل أن يكون المبلغ كلّه مجرّد هبة لعدد ضئيل من المصارف والأفراد.
من المواقف الأكثر ثوروية في لبنان حالياً أن تسمي الأشياء بأسمائها. إلا أنه يجب ألا نتوقع أو ننتظر أن يكون لتبيان الوقائع، مهما كانت خطورتها، أي أثر فعلي على المستوى الرسمي أو على الرأي العام. هذا أمر أكيد.

كاتب وخبير اقتصادي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*