الانفتاح على النظام في ميزان الداخل

روزانا بو منصف
النهار
10082018

في زمن الرئيس الياس الهراوي الذي تسلم الحكم بعد اتفاق الطائف، كان يشكو الرئيس الذي كان مدعوما من سوريا ووصل الى الرئاسة بهذا الدعم من مكوكية السياسيين الى سوريا للقاء المسؤولين هناك، وكان يعلن صراحة في محطات مختلفة أن ارجل السياسيين قد “بريت” على طريق بيروت – دمشق، ساعيا الى إيصال شكواه الى الرئيس السوري آنذاك حافظ الاسد على قاعدة أن هيبة الدولة لا يمكن ان تستعاد اذا كان يتم تجاوز المرجعيات الاساسية في لبنان نحو العاصمة السورية. ولعل الحرب السورية لجمت او خففت زيارات المسؤولين لدمشق، ولو انها لم تنقطع بالنسبة الى من يدعم النظام، وهؤلاء استأنفوا زياراتهم علنا على رغم أن الامر يثير اشكالية عميقة تتصل بما إذا كان ذلك يتناقض مع ما كان يشكوه الرئيس الهراوي، خصوصا في ظل وجود رئيس للجمهورية هو العماد ميشال عون يحرص على اعتبار رئاسته قوية بما يفترض انها مرجعية يجب ألا تعلو عليها اي مرجعية، او ان تنسج من ورائها علاقات للسياسيين مع دولة اخرى او مسؤولين في دول اخرى حتى، خصوصا اذا كانت سوريا هي الجارة الطامعة دوما بلبنان. ويعتقد كثر ان الجانب المتعلق باعادة الواقع السياسي الراهن الى زمن العلاقات السابقة، زمن الوصاية السورية وحتى ما بعد انسحاب قواتها في 2005، يساهم في ضرب صورة الدولة ورأسها حتى لو كان الاخير يوفد اسبوعيا الى دمشق مساعديه للتشاور او التنسيق!

يقف لبنان الرسمي راهنا امام اشكالية “تشريع” عودة العلاقات مع النظام تحت ذرائع واسباب مختلفة غالبها يكتسب طابعا اقتصاديا وانسانيا يتصل بإعادة النازحين السوريين. ولفت الموقف الصارم الذي أعلنه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري من عدم امكان “تطبيعه” العلاقات مع النظام السوري، في حين ان رئيس الجمهورية عبر مع فريقه عن استعدادات ايجابية في هذا الاطار، وكذلك وجه “حزب الله” دعوة الى “الاتصال السياسي بحكومة سوريا”، واعتباره “الممر الالزامي الوحيد لعلاج الامور العالقة، واي حل آخر مضيعة للوقت”. ويتضح من هذا المنحى كما من منحى الضغوط على الرئيس المكلف التي ينطق بها من هم محسوبون حصرا على النظام السوري ولم يغادروا موقعهم ولا التصاقهم به، ان ثمة الكثير على المحك بالنسبة الى انطلاق الحكومة وعملها من اجل اعادة التطبيع مع بشار الاسد. والواقع ان ثمة من لا يعير اهتماما كبيرا لهذا الموضوع على خلفية ان هناك استعجالا في غير محله من اجل اعادة حكم بشار الاسد الى الحياة، تزامنا مع اعادة سيطرته بمساعدة حلفائه على مناطق مؤثرة كان خسرها في الاعوام الماضية. فهؤلاء يعتقدون ان النظام ليس موجودا في اي سلم للاولويات حتى الآن، باستثناء الاحتفاء به اسرائيليا من أجل ضبط الحدود مع اسرائيل وابعاد ايران عنها، وباستثناء محاولة حلفائه في لبنان استحضاره الى الواقع اللبناني للاستقواء على خصومهم وخصومه، وتاليا محاولة تسجيل نقاط لمصلحتهم. وفي رأي هؤلاء أن محاولة تسجيل المكاسب من جانبهم هي من اجل استباق ما يمكن ان يبت بالنسبة الى سوريا وموقع الاسد فيها في السلطة او خارجها، وهذا ينتظر الاتفاق الاميركي – الروسي والترجمة الاقليمية له حتى لو ان هناك اقتناعا بأنه تم تلزيم الواقع السوري لروسيا. الا ان هذه الضغوط السياسية وطبيعة حصولها والتي تستخدم في اطار حرب نفسية توحي بانتصار فريق او محور وتسعى الى استثمار “هذا الانتصار” تحجب في الواقع السؤال الاساسي الذي يجب طرحه والذي يجب ان يكون تاليا على طاولة مجلس الوزراء هو مصلحة لبنان وكيفية تحقيقها اكانت في تحديد نوعية الاتصالات مع سوريا في هذه المرحلة وطبيعتها وحجم هذه الاتصالات كما يجري حتى الان عبر المدير العام للامن العام عباس ابرهيم مثلا لكن من دون ان يتم تصديع وحدة لبنان المهتزة اصلا ومن دون اثارة المزيد من المشكلات الداخلية. فالصراخ القائم على النازحين يتخذ في جانب منه تبرير التطبيع مع النظام وفتح الخطوط العريضة امامه وكذلك بالنسبة الى تصريف انتاجه الزراعي علما ان لبنان يملك من الاسباب ما يبرر ذلك. لكن في المقابل فان هناك اثمانا قد يدفعها لبنان على خلفية ادراج نفسه من ضمن محور النظام ليس في علاقاته الداخلية بل في علاقاته مع الخارج ايضا العربي والدولي الذي يعاند روسيا في الانفتاح او المساهمة في اعادة الاعمار حتى الان في انتظار الحل السياسي ومصير الاسد وموقعه، وهو الامر الذي لم يتضح بعد. وذلك علما ان افرقاء لبنانيين كثر يثقون بان الاسد لن يبقى في نهاية الامر ايا يكن واقع مساعدته لاعادة السيطرة من روسيا او ايران وتنظيماتها. لكن المغزى انه اذا استطاع لبنان ان يصمد ابان الحرب السورية ولا ينفجر او ينزلق الى حرب مماثلة فان التحدي ان يستطيع التماسك في انتظار ان تنتهي هذه الحرب في جواره ولا يفرط توازيا على رغم ان تماسكه يبدو صعبا اذا ما اخذ نموذج تأليف الحكومة مثلا في الاعتبار والسقوف المرتفعة والتي لا توحي حتى متى تألفت الحكومة ان تؤمن هذا التماسك في ظل محاولة استعادته الى فلك النظام السوري او اعادة الاعتبار لهذا الاخير عبر اعادة ضخ نفوذ حلفائه في السياسة اللبنانية.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*