الاكتظاظ السكاني في لبنان الاستقرار ليس مسألة وهمية والخوف من العدد لا ينحصر بمنطقة

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتب في “النهار” بتاريخ 12 تشرين الأول 1996 تحت عنوان: “الاكتظاظ السكاني في لبنان الاستقرار ليس مسألة وهمية والخوف من العدد لا ينحصر بمنطقة”.

اذا كانت بلدان كثيرة في العالم تعاني زيادة سكانية مطردة تواجه بدعوات الى ضرورة الحد منها، فان لبنان ليس غريبا عن هذه الظاهرة رغم ان عدد سكانه غير كبير قياسا بالبلدان الاخرى. فهو معني بضرورة تقليص الزيادة السكانية لانها تساعد في حل كثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. وفي ما يأتي دراسة تتناول هذا الموضوع بالارقام وتعلل اللجوء الى سياسة تحديد النسل: قدر عدد سكان الارض زمن يوليوس قيصر بأقل من 200 مليون. واعتبر هذا العدد، منذ فجر الانسانية ثمرة ملايين الاعوام. في العام 1800، بلغ عدد سكان الارض مليار نسمة، ويناهز هذا الرقم اليوم ستة مليارات.

ان هذه النسبة تتزايد اطراديا، اذ تضاف مئة مليون نسمة الى العدد المذكور كل سنة، او بمعدل مليار كل عشر سنين. كتب الرئيس حلو انه عندما كان في السادسة عشرة، قارب عدد سكان لبنان 800 الف، فيما قدر هذا العدد في “الدليل الازرق” عام 1954 ب00ر300ر1 نسمة. ويعتبر احد المعلنين حاليا ان في لبنان 4 ملايين نسمة، من دون احتساب عدد المغتربين. اذا رزق رجل وامرأة ولدين، يبقى العدد الاجمالي للسكان هو نفسه. وعندما يتوفى الوالدان يبقى ولدان، فلا يطرأ زيادة او نقصان على العدد الاصلي. اما اذا انجبا ثلاثة اولاد او اكثر، فتزداد النسبة. من هنا، اذا قرر بلد ما الحد من التزايد السكاني، فعلى الزوجين انجاب ولدين، كمعدل وسطي.

ويعتقد البعض ان الاكتظاظ السكاني وهمي في لبنان والخارج، ما دام هناك متر مربع من الاسمنت او الزفت جاهزا للبناء. وعلى العكس، يرى البعض الاخر من امثال الرائد كوستو ان الفائض السكاني واحد من المشكلات الاكثر خطورة التي تواجهها الانسانية. ولتفادي الجدل نقول ببساطة: على لبنان وبلدان العالم ان تعمل على تأمين الاستقرار السكاني في الوقت الراهن، ولو اعتبرت ان المسألة وهمية، فلن يكون لدينا ما نخسره. وفي المقابل، اذا وجدت المعضلة ولم نقم بشيء في المدى القريب، يصبح الحل اكثر تعقيدا وكلفة، انطلاقا من المثل القائل “الوقاية خير من العلاج”. وفي رأي باحثين انه من البديهي السعي الى الحد من الولادات في لبنان، نظرا الى تأثير الديانات التي تدعو الى التكاثر والتزايد.

ورغم ذلك تمكنت المكسيك التي تعتبر بلدا كاثوليكيا، من خفض معدل الولادات فيها الى النصف في العشرين عاما الاخيرة، كذلك فعلت اندونيسيا التي تضم اكبر عدد من المسلمين، اذ يلجأ اكثر من نصف النساء المتزوجات الى استخدام وسائل منع الحمل، اما في ايران حيث ارتفع عدد السكان بسرعة في الاعوام ال15 الاخيرة، فيتم ثني العائلات عن انجاب اكثر من ثلاثة اولاد. السكان والهجرة ولفت البعض الى ان اللبنانيين لا يعانون مشكلة الاكتظاظ السكاني بسبب الهجرة، وقد تكون هذه النظرية صحيحة، الا ان المؤشرات تظهر ان صمام الامان هذا قد يقفل في المستقبل القريب. وفي هذا الاطار، ذكرت الصحف الاجنبية ان سياسيين محافظين في الولايات المتحدة واوروبا عارضوا الهجرة.

وتجدر الاشارة الى ان وسائل تحديد النسل مكلفة، خصوصا اذا تولت الحكومة تمويلها. عام 1994 ورد في مجلة بيئية اميركية يصدرها كوستو ان التكاليف اللازمة لتأمين خدمات لسكان العالم تعنى بتحديد النسل تبلغ 11 مليار دولار سنويا. الا ان المسألة لا تتعلق بالعنصر المالي، مقدار ما ترتبط بالأولويات التي تضعها الدول. وفي هذا الاطار نشير الى ان الدول المصنعة للسلاح باعت عام 1992 سلاحا من البلدان المختلفة، قاربت قيمته 27 مليار دولار. ويرى بعض الباحثين ان الفائض السكاني يرتبط ارتباطا وثيقا بمستوى التعليم. وتكفي الاشارة الى ان الفتيات اللواتي امضين 8 اعوام على مقاعد الدراسة، كحد ادنى، ينجبن اقل من اللواتي دخلن المدرسة لفترة زمنية قصيرة.

بند العنف والاقناع ويعتقد كثر ان عملية الحد من الولادات تخضع لنظام قمعي على الطريقة الصينية. في الواقع، تلاحظ ان مبدأ اللجوء الى القوة غير ضروري، اذ يمكن الحصول على نتائج افضل من طريق التعليم (في المدرسة او بواسطة التلفزيون) وتوفير خدمات لتحديد النسل، الى اكبر عدد ممكن من الاشخاص. وتتبع بعض الدول وسائل اقناع مختلفة. ففي اندونيسيا اقتنع رجال الدين بأن الحد من الولادات واجب قومي من شأنه القضاء على الفقر، لذا تطرقوا في عظاتهم الى هذا الموضوع، فامتثل المؤمنون.

واقترح البعض تسوية الضرائب بحيث تدفع العائلات التي تنجب 3 اولاد او اكثر رسوما تفوق تلك المفروضة على العائلات التي تنجب ولدين او اقل. ان الشق السياسي المتعلق بالاكتظاظ السكاني اساسي، وخصوصا في البلدان التي تضم مجموعات غير متجانسة مثل لبنان. ومن المتوقع في المدى الطويل الا تتمكن المجموعتان الكبيرتان، المسيحية والمسلمة، من العيش في تناغم، خصوصا ان الاولى تخشى ان تفوقها الثانية عددا الا انه في استطاعتنا توزيع السلطة بالتوازي من دون أن نأخذ في الاعتبار حجم كل مجموعة، على طريقة مجلس الشيوخ الاميركي. فكل مقاطعة تتمثل بشيخين، بغض النظر عن مساحتها، أكانت شاسعة مثل تكساس ام صغيرة مثل رود ايلند.

ورغم ذلك يبقى الخوف من العدد مسيطرا. ومن الحلول المقترحة، ان تتوصل المجموعتان الى اتفاق يقضي بالحد من الولادات وفقا لنسبة معينة تقارب الخمسين في المئة مثلا… الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا، توصلا الى اتفاق للحد من التسلح النووي. ويعتبر الفائض السكاني من الاسباب الرئيسية التي تؤدي الى حروب، وقد تذرع به هتلر لتطبيق سياسة “المدى الحيوي” التي اتبعها. ان الثروات المتوافرة في منطقة معينة او في العالم قد تنضب.

لذا، نادرا ما نشاهد مجموعتين يتضاعف عدد سكانهما وتتقاسمان بالتوازي موارد محدودة. ففي غالب الاحيان، يلجأ فريق الى العنف للحصول على حصة اكبر. واذا لم نقم بخطوات عملية في السنين العشر المقبلة، للحد من الولادات في لبنان والعالم، يمكننا ان نتوقع نشوب حرب جديدة في لبنان وفلسطين ورواندا وفي بلدان اخرى تعاني الكثافة السكانية. من هنا ضرورة استخدام وسائل للحد من النسل بدل اللجوء الى الحروب، فتتخذ المسألة طابعا اكثر انسانية وفاعلية وتنخفض التكاليف.

لنفكر في الاكتظاظ السكاني في لبنان عندما “نعلق” في شرك الازدحام: ان نسبة العجقة تنخفض خمسة اضعاف اذا قابلها الانخفاض نفسه في نسبة السكان، كما في ايام الرئيس شارل حلو، بغض النظر عن وسائل النقل العامة المحدودة وحال الطرق المتردية وغياب الحس المدني. الدكتور حبيب رطل (طبيب اطفال في الولايات المتحدة الاميركية)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*