الاعتداءات الجنسية داخل مؤسسات الفن والسياسة والمخابرات والرياضة: تشريح أركيولوجي

حسام الدين محمد
Nov 29, 2017
القدس العربي

بعد اتهامات عدد كبير من النساء للمنتج السينمائي الأمريكي هارفي واينستين باعتداءات جنسية عليهن، انتقلت موجة الاتهامات، نحو فئات أخرى كالسياسيين والقضاة والرياضيين لتنكشف مجموعة من الفضائح التي يمارسها بعض من كبار أصحاب النفوذ والمال والفن، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في موقع المتهمين والملاحقين الذين يجللهم العار بعد أن كانوا يشعرون بحصانة نفوذهم وأموالهم ومناصبهم التي تحميهم من نتائج أفعالهم.
يمكن القول، رغم اتساع الملاحقات وشمولها مخرجين وممثلين ومسؤولين سياسيين ونوابا وقضاة، إن الموجة لم تصل إلى نهايتها بعد، بانتظار أن تنكشف، ربما، الخطوط السميكة للعلاقات التي ينسجها أصحاب النفوذ بين بعضهم البعض، والتي تتجاوز أفرادا بعينهم، كما هو الحال مع واينستين، والمخرجين جيمس توباك وبريت راتنر، والممثلين جيرمي بيفن وداستن هوفمان وستيفن سبيسي، إلى فئة من المشاهير والأغنياء والسياسيين من أصحاب النفوذ والتأثير الكبيرين.
وكما في عالمي الفن والسياسة فقد توجهت الأضواء إلى عدد كبير من قضايا الاعتداء والتحرش في عالم الرياضة، والحصيلة هي تجذّر ثقافة الاعتداء الجنسي بسبب انتشار ثقافة الحدّ من المحاسبة القانونية للحفاظ على احتمالات الميداليات الذهبية ولو كان ذلك على حساب الأطفال والنساء.
بلغت هذه القضايا ذروة واقعية (ورمزية) معبرة جدّا مع انكشاف علاقة واينستين برئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك الذي اعترف بأنه عرّف المنتج الأمريكي على شركة تحقيق خاصة في تل أبيب عناصرها كانوا ضباطا وجواسيس في المخابرات الإسرائيلية «الموساد».
الموقع الإلكتروني للشركة التي تسمى “بلاك كيوب”  (مكعب أسود)، يصفها بأنها «مجموعة منتقاة من نخبة الوحدات الاستخبارية الإسرائيلية المتخصصة في تفصيل حلول لتحديات الأعمال والخلافات المعقدة».
واحد من عملاء «بلاك كيوب» تظاهر بأنه مدافع عن حقوق المرأة ليلتقي الممثلة الأمريكية روز ماكغوين التي اتهمت واينستين باغتصابها، وقامت «بلاك كيوب» خلال العام الذي عملت فيه لصالح واينستين بتجميع معلومات حول عشرات الأشخاص، حيث قدّمت توصيفا نفسيا لتواريخهم الشخصية والجنسية لكشف تناقضات متهميه، أو لتشويه سمعتهم أو إرهابهم، وقد تبيّن لاحقا أن واينستين وضع قائمة بأكثر من 100 اسم لأشخاص يريد الضغط عليهم ومراقبتهم وإرهابهم ليمنعهم من كشف اعتداءاته.
آسيا ارجينتو، إحدى المتعرّضات للتحرش من قبل واينستين، قالت في تغريدة لها على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي: «لماذا لم أتكلم أنا، وروز مكغوين، وأنابيل سكيورا، ورو أركويت، من قبل؟ لقد كنا ملاحقات من قبل عملاء موساد سابقين. أليس هذا مرعبا؟».
لكن المرعب، في الحقيقة، هو انكشاف هذا الخيط الذي يضع إسرائيل، ومخابراتها، في حلقة واحدة مع كبير أساطين الإنتاج الهوليوودي المتكشّف عن ذئب جنسيّ لا يكتفي باغتصاب الممثلات والاعتداء عليهن بل يسلط عليهن عناصر «الموساد» للتجسس عليهن وتضليلهن وإرهابهن، وهو أمر مذهل حقيقة لأننا نستطيع أن نتدرج من خلاله لاستكشاف قضايا عديدة، ومن ذلك، على سبيل، العلاقة المبطّنة بين تمجيد الموساد في أفلام هوليوود، مع ارتباطات واينستين، وأمثاله، بشخصيات سياسية أو أمنية إسرائيلية، أو صهيونية أمريكية.
القضية الأخرى التي يفترض تتبعها أيضا تتعلّق بالمنطق السياسي الكامن وراء ظاهرة كره النساء واحتقارهن، وارتباط ذلك مع الصعود الفني والسياسي والإعلامي للشخصيات المذكورة.

من واينستين إلى ترامب

رغم عدد الاتهامات الكبيرة بالتحرّش، والتصريحات التي تحتقر النساء التي قالها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، والتسريبات التي يتحدّث فيها، بصراحة، عن طرق تحرشه بالنساء، فإن كل ذلك لم يوقف نجاحاته التي انتهت به رئيسا لبلاده.
في مقابلة مع مجلة نيويورك، عام 1992، قال ترامب: «علينا أن نعامل النساء كما نعامل الزبالة»، وفي عام 1997، خلال حفلة بعد مسابقة جمال، قام ترامب، حسب تيمبل تاغارت، بتقبيلها من فمها، وأنه فعل ذلك مع فتيات أخريات.
يحمل الموضوع، عنصران، الأول احتقار النساء، والثاني إحساس أصحاب النفوذ والمال، كترامب، بأنهم قادرون على فعل ما يشاؤون بأجساد هؤلاء النساء، وهو ما قاله ترامب أيضا أكثر من مرة، واحدة منها كانت لبيلي بوش، أخو الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (وبالمناسبة فإن جورج بوش الأب اتهم أيضا بالتحرش بفتاة مراهقة).
خلال حملة الانتخابات الأمريكية تقدمت 17 امرأة بدعاوى تحرش جنسي ضد ترامب وكان رده أنهن كلهن كاذبات، وزعم، خلال اجتماع انتخابي لأنصاره، أنه سيقوم برفع دعاوى على كل هؤلاء النساء، وهو ما دفع أنصاره للهياج والزئير ابتهاجا. ترامب لم يقم برفع أي دعاوى لاحقا.

أركيولوجيا الاغتصاب

تفيد الحادثة الأخيرة (هياج الجمهور) في الإحالة إلى بضعة مسائل يفترض في الباحث تفحّصها بعمق، لأنها تكشف العلاقات المتشابكة بين القضايا الجندرية والسياسية والثقافية، ولتفحص جذور العلاقات علينا طرح أسئلة مثل: لماذا تركّزت السلطات، على مدى التاريخ، في أيدي الذكور، ولماذا ترتبط هذه السلطات، اجتماعية، سياسية أم مالية، بإخضاع الأنثى جنسيا. وهل إن السلطة، في جذرها، اغتصابية الطابع، وبالعكس: هل الاغتصاب هو عمل سلطوي؟
لعل أكثر أشكال التبادل بين مفاهيم السلطة (ذكورية أو سياسية أو اجتماعية) والاحتياز الجنسي وضوحا تتمثل في الطقس الذي كان فيه الملك أو رئيس القبيلة يقوم بفضّ بكارة العروس قبل أن يقوم زوجها بذلك، وهو طقس قام فيلم «القلب الشجاع» بتخليده على الشاشة السينمائية.
قد يعود الأركيولوجي المكين إلى تفحص الجذور العميقة لهذه الظاهرة عبر دراسة سلوك الثدييات التي تشارك البشر النسبة الكبرى من جيناتهم، كما هو الشمبانزي، الذي يفوز الذكر الأقوى في العشيرة بمعاشرة كل الإناث، كما يمكن لدارس السايكولوجيا الدماغية تقصّي جذور الظاهرة في الدماغ الذي ورثه البشر من سلفهم الصياد ولاقط الفواكه الذي جعلت المخاطر الكبيرة التي تحيطه وطرق تدبّر العيش الذكور مبرمجين أيضا على انتهاز الفرص مع أي امرأة تقع في دروبهم.
تقدّم أشكال الفن أمثلة لا حصر لها لكون الاعتداء على الأنثى هو ظاهرة متجذرة في الجنس البشريّ، ومن ذلك، مثلا، تمثال موجود في متحف تركيّ الذي يقدّم الامبراطور الروماني كلاوديوس وهو يذلّ امرأة تحته لتخليد احتلاله لبريطانيا، وتشهد ايّامنا الحالية أمثلة جليّة عن هذه الظاهرة، ومن ذلك اغتصاب آلاف النساء الروهينجيات في بورما (في ظل حكم تقوده امرأة)، وقبلها اغتصاب آلاف البوسنيات خلال الحرب الصربية ـ البوسنية في تسعينيات القرن الماضي.
تكشف مآلات المجتمعات الإنسانية القديمة اتجاها ثابتا فيها نحو إعلاء شأن الذكور على الإناث، وتمكينهم من السلطات الدينية والسياسية والمالية، وقراءة في القوانين الأولى للبشرية، كقانون حمورابي (وفي شرائع دينية عديدة لاحقة) تظهر اعتبار المرأة متاعا يتبع الذكر، فالتعرّض للمرأة، قتلا أو اغتصابا، كان يعدّ اعتداء على الذكر الذي تنتسب إليه، أبا أو زوجا أو أخا، ويفترض اعتداء مقابلا على نساء الرجل الذي قتل أو اغتصب وليس على الرجل نفسه.
تعرضت نظريات عديدة لمحاولة فهم أسباب هذا المآل الدوني الذي آلت إليه النساء، حتى في المجتمعات التي كانت معزولة عن العالم القديم، كما هو الحال في أستراليا وأمريكا، وإذا كانت مفاهيم السلطة الذكورية قد تعرّضت إلى تراجعات كبيرة، بفعل نهوض مفاهيم المساواة وحقوق الإنسان لكنّها، حتى في أكثر البلدان حداثة وديمقراطية وقانونية، ما تزال تشكّل جزءا من المنظومة القديمة للبشرية، والتي تجدد أشكالها بطرق عديدة.
لا تتجدد أشكال هذه المنظومة، على أسس النفوذ والسلطة والمال، بل إنها تمتحّ أيضا من تلك الأصول الغريزية القديمة جدّا، والتي تجد مراتع وخيمة لها في تيارات اليمين المتطرّف العنصريّ والكاره للغرباء والأقليات وللاختلافات السياسية والجنسية عموما (وفي أشكال عديدة من اليسار أيضا)، وهذا يمكن أن يفسّر أن جزءا من شعبية ترامب لدى جمهوره عائدة إلى تكافل أشكال احتقار السود والمسلمين واليهود مع عناصر احتقار النساء والتعامل الإخضاعي لهن والاعتداءي عليهن.

الحضارة الثالثة

تعود أغلب مفاهيم البشر القديمة عن الذكورة والأنوثة إلى العصر الزراعي، موجة الحضارة الأولى، التي شهدت نشوء المدينة ـ الدولة والأديان والقوانين، وقد تعرضت هذه المفاهيم لتآكل كبير مع مدّ الحضارة الثانية، الصناعية، التي شهدت ظهور الدولة ـ الأمّة، وأغلب المفاهيم الحديثة عن المساواة بين الجنسين، وحقوق الإنسان والقوانين الوضعية الحديثة.
خلال الحضارة الأولى، وفي أغلب مراحل الحضارة الثانية، كان وصول امرأة إلى المنصب الأول، كما هو حال كليوباترا المصرية، وحال وو زيتيان الصينية، واليزابيث الأولى الإنكليزية، تأكيدا لقاعدة سيادة الذكورة وليس العكس، فخلال حكم 45 سنة لإليزابيث الأولى، على سبيل المثال، كان كل ضباط البحرية والجيش رجالا، كل القضاة والمحامين، كل البطاركة ومساعدوهم، كل اللاهوتيين والرهبان، كل الأطباء والجراحين، كل الطلاب والبروفسورات في كل الجامعات، كل محافظي المدن وضباط الأمن، والأغلبية الساحقة من الكتاب، المهندسين، الشعراء، الفلاسفة، الرسامين، الموسيقيين والعلماء، كلهم من الرجال، وهذا ينطبق على الأغلبية الكبرى من الحضارات البشرية.
الحضارة الثالثة، على حد تعبير ألفن توفلر، وقوامها المعلومات وليس الصناعة، ستشهد تغييرا جذريا في العلاقات الإنسانية سينعكس بالضرورة على العلاقة بين الذكور والإناث، وهو أمر يمكن وضع ما يحصل حاليّا ضمن المؤسسات السياسية، وهي خلاصة التطوّر الإنساني، ضمنه، كما أنه يحصل ضمن كافة المؤسسات البشرية التي تقوم الحضارة الجديدة بفكّها وإعادة تركيبها من جديد، بما في ذلك العلاقات العائلية التي ستخرج من نمط العائلة النووية إلى أشكال أخرى كثيرة.
لكن هذه التغييرات لن تمرّ من دون مقاومة هائلة جدا داخل وخارج المنظومات القديمة للحضارتين السابقتين، كما داخل الدماغ البشريّ نفسه، الذي ما زال أسير برمجته المرتبطة بمرحلة تعود إلى 200 ألف سنة.
حسب كتاب «عقل جديد لعالم جديد» فإن الإنسان تطور حضاريا وبيولوجيا بشكل غير كوكب الأرض لكننا «لا نزال نعمل بعقل لا يناسب إلا القرن الثامن عشر»، وجهازنا العصبي لم يعد ـ مع تزايد تعقيد الحياة المعاصرة ـ متلائما مع واقع عالمنا اليوم. تطرح هذه المسألة طريقتين للجواب، الأولى تقترح أن الإنسان يستطيع، عبر القوانين، ووسائل التعليم، والتوعية الخ… أن يتغيّر، والثانية تقول إن الإنسان غير قابل على التغيّر، وبالتالي، في ما يخص رؤية الذكر للأنثى، فإن محاولة تغيير الدماغ البشريّ هو محاولة عبثية.
لا يتعلّق الأمر، في الحقيقة، فقط، بالقضايا الجندرية، بل بكل قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد، فما نشهده حاليّا هو استخدام منظومات التفكير القديمة للآليات المعلوماتية الحديثة للانقلاب على كل ما أنجزته البشرية من تطوّر علمي، ومثال انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وتبعاته العديدة شديد البلاغة.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*