الاستثمار في شباب لبنان هو وحده الأمل

فضلو خوري
رئيس الجامعة الأميركية في بيروت
النهار
08022018

أتطلّع إلى زمن ما بعد التعايش، وأعني الوصول عبر نموذج اقتصاديّ – اجتماعيّ (النهار).

على مرّ الزمن، كان أثمن ما لدى لبنان من موارد هو شبابه، نظراً لتلقّيهم التعليم العالي لفترات طويلة. وهذا التعليم هو أساس نجاح لبنانيي الاغتراب، وهو نجاح فائق ومتميز. ويتمتّع لبنان كذلك بالسكّان الأكثر تنوّعاً، ثقافياً ودينياً، في كامل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. اعتماداً على هاتين القوّتين، وفي خضم العديد من الصراعات المزمنة، تعاظم الرحيل عن لبنان منذ أواخر القرن التاسع عشر باطّراد، ما أدى إلى هجرة مستمرة لكثير من أفضل وألمع شبابه. ومع ذلك، فإن وجود مؤسستين ممتازتين للتعليم العالي: الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف، طوال ما يناهز قرناً ونصف قرن، أسفر عن تزويد سوق العمل في لبنان وخارجه بشباب موهوب ومتعلم ومُبدع.

في خمسينات القرن الماضي، تأسست الجامعة اللبنانية وتبعها عدد قليل من المؤسّسات ذات المستوى المقبول التي فتحت أبوابها في نهاية الحرب الأهلية. وشهدت فترة ما بعد الحرب تطوير خيارات تعليمية إضافية قابلة للتطبيق للطلاب، مثل الجامعة اللبنانية الأميركية، ولكنها شهدت أيضاً انتشار جامعات في لبنان بات عددها الآن يقارب خمسين جامعة، منها ما لم يتمكن من تقديم المستوى المطلوب للتعليم العالي.

لقد عمل لبنان إلى حد كبير بعكس النموذج المتّبع في الولايات المتحدة في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية ورأس المال البشري. في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة الأميركية قوة علمية متواضعة. ولكن التدفّق المستمر للمهاجرين من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، جعل منها على مدى عقود عديدة القوة المهيمنة، علمياً وعسكرياً وصناعياً، ترفُدُها موجات جديدة من المهاجرين الكفوئين. ولبنان، كما سبق ذكره، صدّر باستمرار أفضل وألمع أبنائه سعياً لفرصٍ في أماكن أخرى. ومن الواضح أن الوقت قد حان للاستثمار في أفضل الموارد في لبنان، شعبه.

تشير معظم المعلومات إلى أن السوق اللبنانية، وبالواقع السوق الإقليمية والسوق الدولية أيضاً، مُشبعة إلى حد ما، ولكن أصحاب العمل يواصلون التعبير عن قناعاتهم من خلال فرص العمل التي يوفّرونها. وعلى وجه التحديد، فإن خريجي أفضل الجامعات في لبنان يحقّقون النجاح في الحصول على فرص العمل. أما خريجو الجامعات المتبقية فيحقّقون نجاحات أقل بكثير. ولكن يجب خلق فرص أُخرى من خلال الاستثمار في نوع من الاقتصادات الصغيرة التي أنعشت دولاً عدة إقليمية مؤخرّاً، وهذه الاقتصادات هي تلك المتعلقة بالإبداع البشري. ولا يمكن توفير هذه الفرص إلا من خلال استثمار كبير وثابت في أفضل الجامعات البحثية، مثلما فعلت الولايات المتحدة عندما أنشأت المؤسّسة الوطنية للعلوم والمعاهد الوطنية للصحة، وتستثمر بكثافة في البنية التحتية للجامعات والأفراد منذ أجيال عدة. وقد اتبعت الصين أساساً النموذج ذاته الذي كانت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبا الغربية قد سبرته سابقاً للتوصل مؤخراً إلى تأثير اقتصادي رائع.

ولدى الشباب المتعلم، غير المثقل بالديون، جوانب إيجابية أكثر بكثير ممّا قد يكون ظاهراً في البداية. والأرجح أن مستويات التعليم العام في البلد ستُرفع إذا كان الاستثمار في شباب الغد من خلال برامج الإعفاء من القروض وخلق فرص العمل سيُعَزّز إحساساً متجدّداً بهوية وطنية جامعة. ويمكن أن يكون لتعليم الشباب المُقبل على التشارك، والهادف، في مدارسنا العامة أثرٌ تحويليٌ حقيقيٌ، حتى على الشباب الأصغر سنّاً.

إن لبنان يجب أن يتحرك بثقة وحزم نحو اقتصاد المعرفة، وتنويع الفرص في مجالات تتعدّى الخدمات والمعاملات المصرفية والسياحة. ولكن اقتصاد المعرفة لا يمكن أن يستمر إلا إذا استُوفِيت شروط معينة هي وجود دولة آمنة ومأمونة، فيها مشاركة مواطنية على أوسع نطاق ممكن. وهذه هي البداية. ويحتاج لبنان أيضا إلى الاستثمار في استراتيجيات رفع مستوى التعليم العام والخاص، من الابتدائي إلى الثانوي، ووضع وإنفاذ معايير واضحة ومتسقة لمؤسسات التعليم العالي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة أوسع من القطاع الخاص في تشييد البنية التحتية يجب أن تتبع مبادرات مصرف لبنان المركزي نحو أسس مستدامة لاقتصاد المعرفة، ويجب أن يترسّخ نموذج الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وأخيراً، يجب أن يتاح للشباب اللبناني الفرصة للتعبير عن أنفسهم دون خوف من رقابة وتصحيح مستمرين، وهي حقوق مكرسة لهم بالفعل في الدستور الوطني اللبناني الممتاز والطليعي.

لحسن الحظ، بعد سنوات عديدة على الحرب الأهلية التي دحرجت لبنان من حدود العالم المتقدم نحو القسم الأدنى من الدول النامية، وبعد أكثر من ربع قرن على انتهاء الحرب، لا تزال فرصة إعادة بناء الدولة على أسس سليمة ومستدامة سانحة. ولكن الوقت قد حان للحد من الفساد، واحتواء الهدر الحكومي، والاستثمار في التخطيط الحضري والريفي والمجتمعي المدروس، وإعطاء الشباب اللبناني الموهوب والعازم الفرصة لبناء دولة حديثة أخيراً. إن هذا الإيمان بمستقبل لبنان على المدى الطويل هو الذي ساعد في إقناعي بالعودة بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً في الخارج. ولكن أكثر من ذلك تحديداً، لم أتمكن من التفريط بفرصة قيادة أفضل جامعة في المنطقة ونشرها على نحو أكثر فعالية، نيابة عن شعوب لبنان والعالم العربي. إن إيماني بغدٍ أفضل، جعلنا نتحالف رسميا مع مؤسسات أخرى رفيعة الجودة في لبنان وما بعده، وللاستثمار بشكل أكمل في الأجيال القادمة، كي تكون لهم “حياة وتكون حياة أفضل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*