الاستبداد الأسدي في ربيعه الثالث: السنونوة والسرطان

 

رشا الأمير
Aug 17, 2018
القدس العربي

يريدُ مثلٌ استدخلته العربية في عداد أمثالها، أن مشاهدة سنونوةٍ واحدةٍ تعبُر الأفق لا تكفي دليلا على أن فصل الربيع قد دخل وحل. بلا قياس وتشبيه، لا شطط في القول إن الإعلان الرئاسي السوري عن إصابة السيدة الأولى، في هذه اللحظة من عمر سوريا، بورم خبيث، شيء من قبيل هذه السنونوة.
في العنوان الأول، المرضُ شأنٌ شخصي، حق الواحد، (والواحدة)، أن يُخْفيه إن شاء أو أن يجهر به، وحقه أن يجيب عن استفسارات أقرب المقربين إليه بشأنه أو أن يستنكف، غير ملومٍ، عن الجواب. أما أن ينشر الواحد على الملأِ خبر إصابته بمرض ما، ثم أن يعتب من تطفل الأقربين والأبعدين على مرضه بالسؤال أو بالتعليق ــ حتى الساخر من التعليق ــ فكيف إن كان الناشر هذا شخصا معنويا من قبيل «رِئاسَة» بلد يعصِف به نزاع لا تكفي سنونوةُ «الانتصارات العسكرية» التي يحققها نظامُهُ على شعبه، ولا سرب سنونوات، للإيذان بأنه مقبل أن يضع أوزاره عما قريب.
«بقوة وثقة وإيمان.. السيدة أسماء الأسد تبدأ المرحلة الأولية لعلاج ورم خبيث في الثدي اكتشف مبكرا» بهذه الكلمات، مرفقة بصورة تظهر فيها السيدة المذكورة مبتسمة للسيد زوجها، بشار الأسد، فيما أنبوب مصل يضخ سائِلا دوائِيا ما في أحد شرايين ذراعِها الأيسر، غَردَتِ «الرئاسة السورية» الخبر، لا غافلة عن إسداء التمنيات للسيدة بالشفاء العاجل، وتركت لجمهور العالم الافتراضي ومن ورائه للجمهور قاطبة أن يُدلي في المرض الرئاسي بدلوه.

بلا تردد، لا بد من الاعتراف بأن «الرئاسة السورية» نجحت، إلى حد بعيد، في ما رمت إليه من وراء تغريدتها تلك، وإذا كان كم التعليقات التي استدرجها ذاك الإعلان بصرف النظر عن مضامينها، وكم المقالات التي أوحى بها ــ وهذه الخاطرة إحداها ــ دليلا على ذلك، فإن القياس الكمي، وحده، لا يستغرق هذا «النجاح» ولا يفسره. فلهذه التغريدة، أقله في عرف من غردها، وظيفة سياسية في المحل الأول، وهذه الوظيفة لا تخرج عن السياق الحثيث لترميم شرعية النظام، من خلال تلميع صورته وإزالة بقع الدم التي تغشاها.

فلنتذكر: ترديد شائعة راجت بعد وفاة حافظ الأسد بأن الأجهزة الإسرائيلية، حرصت خلال آخِرِ قمة جمعته بالرئيس بيل كلينتون في جنيف، على الحصول على عينات من بوله لفحصها ولدعم معلوماتها عن وضعه الصحي. فحتى العاشر من يونيو/حزيران من عام 2000، تاريخ وفاة حافظ الأسد، بقي السرطان الذي كان يعاني منه، سوريا على الأقل، أحدَ المحرمات السياسية التي يُعاقَبُ على هتكها. فصحة الوطن من صحة الرئيس القائد، والتشكيك بصحة الرئيس ليس مساسا بالذات الرئاسية وحسب، وهذا بحد ذاته كبيرة من الكبائر، بل مساسٌ بالذات الوطنية نفسها. ثم كان ما لا مهرب منه، والتحق «الرئيس الخالد» بالرفيق الأعلى، وانطوت من كتاب الاستبداد السوري صفحة لتفتح صفحة جديدة.

حاول خليفةُ الضرورة، بشار الأسد، كما هو معروف، أن ينتهز مناسبة الاستحقاق البيولوجي الذي تمثل بوفاة والده، ليُصَرفَ تَرِكَةَ الاستبدادِ الثقيلة التي ورثها على نحو يوحي معه بأن ملاكَ الموتِ لم يقبض روح حافظ الأسد وحسب، بل قبض بالجملة على روح مدرسة في الاستبداد كان التقادم قد أخذ بالتسلل إليها.

لأسباب كثيرة، منها الداخلي ذي الصلة ببنية الدولة السورية العميقة وبمحل «الحزب القائد» من هذه الدولة، ومنها الخارجي ذي الصلة بما شهده العالم من تحولات بعد 11 سبتمبر/أيلول، لم يكتب لبشار الأسد أن يستكمل تَوْفِيَةَ والده، واستمرت أشباح حافظ وأطيافه في حكم سوريا، إلى أن أدرك سوريا مس «الربيع العربي» فخرج الشعب السوري، في أثر شعوب أخرى، مطالبا بحقه في الحرية والكرامة، فلم يجد نظام بشار ما يواجه به ثورة السوريين إلا أن يستلهم فلسفة حافظ، وأن يكيد كيده بأن يحول «الثورة» إلى «حرب أهلية» ثم إلى «حرب على الإرهاب» ليس لأحد أن يلومه على خوضها.

مقول القول إن بشارا ونظامه أشبه ما يكونان اليوم ــ مع انتصار حافظ الأسد، رسول «الحروب الأهلية» بامتياز، من تحت التراب، على شعبه ــ في تلك اللحظة نفسها التي مات فيها حافظ الأسد ميتته البيولوجية، والتي وجدت فيها الدولة السورية العميقة نفسها أمام السؤال المربك: ما العمل؟ لقد يبدو في هذه المضاهاةِ بين انتصار النظام السوري على شعبه ميدانِيا، واعتبار هذا الانتصار ميتة ثانية في سيرة حافظ الأسد شيئا من التناقض، غير أن القليل القليل من إنعام النظر يثبت أنهُ ليس كذلك: حافظ الأسد يموت كلما استدعى تطور ما، داخلي أو خارجي، من مدرسة الاستبداد التي أرسى أركانها أن تجدد شبابها أو أن تجترح أسبابا جديدة للبقاء أو أدوات جديدة للهيمنة.

بهذا المعنى نستجيزُ المقارنة بين سرطانِ الدمِ السري الذي اختبأ في شرايين حافظ الأسد لسنوات طويلة وسرطان الثديِ الذي أعلنت الرئاسة السورية على رؤوسِ الأشهادِ أن «السيدة الأولى» تعاني منه مُرْدِفَة، بلهجة الواثِقِ، وبعبارات تليق ببيان عسكري أكثر مِما تليقُ ببيان طبي، («بقوة وثقة وإيمان…»)، أن الانتصار عليه في حكم المؤكد أو يكاد.

لا أقطع في صحة الخبر عن إصابة أسماء بشار الأسد أو عدَمِه، وفي أي حال فصحة هذا الخبر أو عدمها تفصيل لا يقدم ولا يُؤَخر. بيت القصيد أن الجسد الرئاسي السوري يجد نفسه، مُجَددا، على مفترق طرق: إنكار الداء في حالة حافظ الأسد، كان السبيلَ المسمى إلى الدفاعِ عن صورة النظام، أما اليوم، وإذ لا يمكن لهذا النظام أن ينكر بعد ما أصابه من جراح ومن تشوهات، فلا بد أن يُوكَلَ إلى جَسَدٍ رئاسي ما أنْ «يأخُذَ بِصَدْرِهِ»، على ما تقولُ بعضُ العامياتِ، هذه الجراح وهذه التشَوهات، أيْ أنْ يأخُذَها على عاتقه، وأن يشفى من آثارها، وأنْ يُبَلْسِمَ نُدوبها.

ولا بأس من الإضافة إلى ما تقدم، ولو أنهُ تحصيل حاصل، أن في إشهار اعتلال الجسد الرئاسي في شخص أسماء بشار الأسد «تأميم»، أقل صفاته الوقاحة، لكل العذابات والآلامَ التي تَسَببَ بِها النظام الأسدي، داخل السجون وخارجها، خلال السنوات القليلة الماضية، كما طوال عقود استبداده، لمئات الآلاف من الرجالِ والنساء والشيوخ والأطفالِ والعائِلاتِ. وإذ لا يستكثر على نظام يجمع اللصوصيةَ إلى الافتراس كنظام الأسد أن يُصادِرَ تلك العذاباتِ يؤممَها، فمن باب أولى أن المصادرةَ والتأميم هذين لا شيءَ يذكر بين يدي تلك العذابات وتلك الآلام.

يبقى، وليس هذا بأقَل ما في الأمر، أن الجَسَدَ الرئاسي الأسدي الذي يستعد لفتوة ثانٍية يعتل بالمؤنث لا بالمذكر؛ ولعل هذا الاعتلال الجندري العلني يشي، على غير قصد من أصحابه، ببعض من قراءَةِ النظامِ لما عَبَرَ بسوريا خلال السنوات الماضية: على غرار ما أن بيت الداء من الجسد الرئاسي هو حلقته «الضعيفة»، فبيت الداء من سوريا هو أيضا حلقاته الضعيفة، ولا طِب، في كلتي الحالتين، إلا الاستئصال أو «الكيماوي»… وهل أبرع من النظامِ السوري في هذا وفي ذاك؟!
الحقيقة، كما يُقال، مُرة، ويزيد من مرارتها أن يعترف بها الواحد من الناس لنفسه: تغريدةُ الرئاسَةِ السوريةِ عن اعتلالِ «السيدة الأولى» سنونوةٌ تُؤْذِنُ بأن الاستبدادَ الأسدي يُدَشنُ ربيعَهُ الثالِث… حَي على السرَطان!

٭ روائية من لبنان

رشا الأمير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*